بقلم: إدوارد كورنيليو
وُلد الاتحاد الإفريقي من رحم منظمة الوحدة الإفريقية، لكنه لم يرث روحها. كانت المنظمة الأولى صرخة تحرر، جسدًا سياسيًا يتلو آيات المقاومة ضد الاستعمار، بينما جاء الاتحاد كجسد بيروقراطي، مكسوّ بشعارات التنمية، لكنه خالٍ من نبض الجماهير. لقد تحوّل الحلم الإفريقي من نداء سيادي إلى خطاب إداري، ومن طقس جماهيري إلى مؤتمر مغلق.
في مطلع القرن الحادي والعشرين، حين أُعلن ميلاد الاتحاد، بدا وكأنه محاولة لإعادة رسم الخريطة السياسية للقارة، لكن بعد أكثر من عقدين، يتضح أن الخريطة رُسمت بالحبر الخارجي، لا بدماء الشعوب. فالاتحاد، في صورته الحالية، لا يُجسّد وحدة القارة، بل يُعيد إنتاج انقساماتها، ويُحوّل الأزمات إلى ملفات، والاحتجاجات إلى تقارير.
هذا المقال لا يكتفي بتوصيف الفشل، بل يسعى إلى تفكيك البنية التي تُنتجه، وتحويل التحليل إلى طقس نقدي، يعيد تخيّل الاتحاد لا كمؤسسة، بل ككائن حي، لا كهيكل فوقي، بل كجسد جماهيري ينبض بإرادة التحرر.
منذ تأسيسه، ظل الاتحاد الإفريقي كيانًا فوقيًا، لا يتصل بجذور الأرض، بل يطفو فوقها. تُدار مؤسساته من قبل رؤساء الدول ووزرائهم، في غياب شبه كامل للتمثيل الشعبي. لا مكان فيه للنقابات، الحركات الاجتماعية، أو منظمات القاعدة، وكأن الجماهير تُستدعى فقط حين تُلتقط الصور، لا حين تُصاغ السياسات.
هذا الانفصال البنيوي ليس مجرد خلل إداري، بل هو انعكاس لتحوّل النخب الثورية إلى بيروقراطيات حاكمة، ترى في الجماهير تهديدًا لا شريكًا. لقد ورث الاتحاد من منظمة الوحدة الإفريقية الشكل، لكنه فقد الروح. ففي زمن التحرر، كانت الاجتماعات تُعقد تحت الأشجار، وكانت القرارات تُصاغ بلغة المقاومة. أما اليوم، فالمؤتمرات تُعقد في فنادق خمس نجوم، والقرارات تُكتب بلغة المانحين.
إن غياب آلية ديمقراطية داخل الاتحاد يُحوّله إلى “نادي للنخب”، حيث تُتخذ القرارات المصيرية في غياب صوت الفلاحين، العمال، النساء، والشباب. وحين يُغيب الصوت الشعبي، تتحوّل السياسات إلى أدوات لتثبيت الوضع القائم، لا لتغييره. فالاتحاد، في صورته الحالية، لا يُمثل القارة، بل يُمثل سلطاتها.
ولعل أخطر ما في هذا الانفصال هو أنه يُفرغ شعارات الوحدة من معناها، ويُحوّلها إلى طقوس شكلية. فالوحدة لا تُبنى عبر البيانات، بل عبر مشاركة حقيقية، تُعيد للسياسة معناها الأخلاقي، وتُعيد للاتحاد دوره كجسد حي، لا كهيكل إداري.
الاتحاد الإفريقي، في بنيته التمويلية، لا يقف على قدميه، بل يتكئ على عكاز خارجي. أكثر من نصف ميزانيته تأتي من “شركاء دوليين”، أبرزهم الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، والصين. هذا التمويل لا يُمنح مجانًا، بل يُرفق بشروط، تُكتب أحيانًا في تقارير، وأحيانًا تُهمس في الكواليس. وهكذا، يتحوّل الاتحاد إلى كيان مُدار من الخارج، حتى وهو يتحدث بلغة السيادة.
في مالي، حين أطاحت الحركات الشعبية بالنظام، لم يكن الاتحاد هو الوسيط الأساسي، بل فرنسا، التي تدخلت عسكريًا تحت شعار مكافحة الإرهاب. وفي الكونغو، حين تفاقمت الأزمة الانتخابية، كانت الأمم المتحدة هي من قادت الوساطة، بينما اكتفى الاتحاد بإصدار بيانات. أما في الصومال، فالقوات الإفريقية نفسها تُموّل وتُوجّه من الخارج، مما يُفرغها من استقلالها.
إن خطاب “الشراكة” الذي يتبناه الاتحاد يُخفي تبعية بنيوية. فالشراكة، حين تكون غير متكافئة، تُصبح استعمارًا ناعمًا. تُدار السياسات الإفريقية من خارج القارة، وتُصاغ الأولويات وفق مصالح المانحين، لا وفق حاجات الشعوب. وهكذا، تتحوّل التنمية إلى مرآة تعكس صورة الآخر، لا صورة الذات.
في هذا السياق، لا تعكس التبعية أزمة مالية فقط، بل أزمة في الرؤية. فحين يُنظر إلى الأمن من منظور خارجي، يُصبح الاستقرار هدفًا، لا التحرر. وحين تُصاغ السياسات الاقتصادية وفق مؤشرات البنك الدولي، يُصبح النمو غاية، لا العدالة. وهكذا، يُفرغ الاتحاد من دوره السيادي، ويُحوّل إلى وسيط إداري، لا فاعل تحرري.
يتعامل الاتحاد الإفريقي مع الأزمات السياسية كخلافات بين أطراف، تُحل عبر التفاوض، دون الغوص في جذورها البنيوية. في السودان، تُفهم الأزمة كصراع بين الجيش والمدنيين، بينما هي تعبير عن اختلالات عميقة في توزيع السلطة والثروة، وعن إرث استعماري لم يُحل. في منطقة الساحل، تُدان الانقلابات، لكن لا يُسأل عن أسبابها: الفقر، التهميش، وانسداد الأفق السياسي.
الحركات الشعبية تُهمّش، لأنها تُهدد البنية التي يستند إليها الاتحاد. ففي كثير من الحالات، يُنظر إلى الاحتجاجات الجماهيرية كفوضى، لا كنداء لإعادة بناء النظام. يُفضّل الاتحاد التفاوض مع النخب، حتى لو كانت مسؤولة عن الأزمة، بدلًا من دعم القوى الاجتماعية التي تطالب بالتغيير.
إن مفهوم “الاستقرار” الذي يتبناه الاتحاد يُستخدم كأداة قمع. فالاستقرار، حين يُعرّف كغياب للاحتجاج، يُصبح نقيضًا للتحرر. وحين تُدان الثورات الشعبية لأنها تُربك النظام، يُصبح الاتحاد حارسًا للوضع القائم، لا أداة لتجاوزه.
هذا النمط من الإدارة يُنتج حلولًا شكلية، تُؤجّل الأزمة بدلًا من حلها. فحين يُوقّع اتفاق بين أطراف النزاع دون إشراك المجتمع، يُصبح الاتفاق قناعًا يُخفي الجرح، لا علاجًا له. وهكذا، تُعاد إنتاج الأزمة في صور جديدة، وتُحوّل السياسة إلى طقس إداري، لا إلى فعل جماهيري.
رغم تبنّي الاتحاد الإفريقي لأجندة 2063، فإنها تظل محكومة بمنطق السوق، لا بمنطق العدالة. تُقدّم التنمية كعملية تقنية، تُدار عبر مؤشرات النمو، لا عبر إعادة توزيع الموارد. تُطرح مشاريع التكامل الاقتصادي، مثل منطقة التجارة الحرة القارية، كحلول سحرية، لكنها تخدم مصالح الشركات الكبرى، لا الفلاحين أو العمال.
يغيب عن الرؤية أي تصور للتعاون الإنتاجي، أو بناء اقتصاد تضامني يضع الإنسان في المركز. لا يُسأل: من يملك الأرض؟ من يسيطر على الموارد؟ من يحدد الأولويات؟ بل تُدار التنمية كعملية إدارية، تُقاس بالأرقام، وتُنفّذ عبر شراكات مع مؤسسات مالية دولية، تُعيد إنتاج التفاوت بدلًا من تجاوزه.
في هذا السياق، تتحوّل التنمية إلى غطاء لإعادة إنتاج التبعية. فحين تُبنى الطرق لربط الأسواق، لا لربط المجتمعات، وحين تُخصّص الأراضي للمستثمرين، لا للمزارعين، يُصبح النمو أداة للإقصاء، لا للتحرر. وحين تُدار السياسات الزراعية وفق منطق التصدير، لا السيادة الغذائية، يُصبح الأمن الغذائي شعارًا، لا واقعًا.
إن أجندة 2063، رغم طموحها، تفتقر إلى رؤية بديلة تُعيد تعريف التنمية كمسار تحرري. يجب أن تُطرح التنمية كعملية جماهيرية، تُبنى من القاعدة، لا تُفرض من القمة. ويجب أن يُعاد تصور التكامل الاقتصادي كشبكة تضامن، لا كمنصة تنافس. فالتنمية، حين تُفصل عن العدالة، تُصبح استعارة فارغة، تُخفي الجرح ولا تُعالجه.
يعاني الاتحاد الإفريقي من ضعف مؤسسي مزمن، ينعكس في بطء اتخاذ القرار، غياب التنسيق، وتكرار الفشل في تنفيذ المبادرات. مؤسسات الاتحاد، مثل مجلس السلم والأمن، غالبًا ما تتأخر في التدخل، أو تكتفي بإصدار بيانات لا تُترجم إلى فعل. غياب آليات تنفيذية فعالة يجعل من القرارات مجرد توصيات غير ملزمة، تُعلّق على الجدران ولا تُنفّذ على الأرض.
النزاعات بين الدول الأعضاء، وتضارب المصالح، يعرقلان العمل الجماعي. فحين تكون بعض الدول طرفًا في النزاع، أو لها مصالح فيه، …تُصبح حيادية الاتحاد موضع شك. كما أن غياب سلطة قضائية مستقلة، أو آلية تنفيذ موحدة، يُحوّل الاتحاد إلى كيان رمزي، لا فاعل حقيقي.
هذا الضعف لا يعود فقط إلى نقص الموارد، بل إلى غياب الإرادة السياسية لتجاوز المصالح القُطرية نحو مشروع قاري حقيقي. فالوحدة لا تُبنى عبر الاجتماعات، بل عبر إرادة مشتركة تُعيد بناء المؤسسات على أسس جديدة: ديمقراطية، جماهيرية، وتحررية.
لا يمكن تجاوز أزمة الاتحاد الإفريقي دون إعادة بنائه من الأساس، لا عبر إصلاح إداري، بل عبر تحول جذري يُعيد تعريفه كأداة تحرر، لا كوسيط بيروقراطي. يجب أن يُعاد تشكيل الاتحاد ليضم ممثلين عن الحركات الاجتماعية، النقابات، النساء، والشباب، لا فقط الحكومات. فالشعب، لا الدولة، هو مصدر الشرعية.
الاستقلال المالي ضرورة، لا رفاهية. يجب أن يُموّل الاتحاد من الداخل، عبر مساهمات عادلة، تُعيد توزيع العبء وفق القدرة، وتُحرّر القرار من قبضة المانحين. فحين يُكتب القرار بمداد خارجي، يُصبح الاتحاد مرآة للآخر، لا صوتًا للذات.
التكامل الاقتصادي يجب أن يُعاد تصوّره كعملية تضامنية، لا تنافسية. لا بد من بناء اقتصاد يُعيد توزيع الموارد، يُمكّن الفئات المهمشة، ويضع العدالة الاجتماعية في المركز. يجب أن تُطرح التنمية كمسار جماهيري، لا كمخطط تقني، وأن يُعاد تعريف الأمن لا كاستقرار سياسي، بل كتحرر من الفقر، التهميش، والعنف البنيوي.
لكن التحول لا يكتمل دون بُعد رمزي وثقافي. يجب أن يُعاد بناء الاتحاد كفضاء روحي، يُجسّد ذاكرة المقاومة، ويُعيد للسياسة معناها الأخلاقي. لا بد من استدعاء الرموز، الطقوس، والأغاني التي شكّلت وجدان القارة، لا كموروث، بل كأفق. فالاتحاد، حين يُعاد تخيّله ككائن حي، يُصبح جسدًا جماهيريًا، لا هيكلًا إداريًا.
الاتحاد الإفريقي، في صورته الحالية، يعكس تناقضات القارة أكثر مما يحلّها. لكنه، في جوهره، يظل إمكانية مفتوحة. إنه جسد نائم، ينتظر أن يُوقظه نبض الجماهير. إنه طقس مكسور، ينتظر أن يُعاد ترتيبه على إيقاع التحرر.
فلنُعد صياغته لا كهيكل فوقي، بل كجسد حي، ينبض بإرادة الشعوب.
فلنُشعل فيه نار الذاكرة، ونُغنّي له أغاني الأرض، لا أناشيد المؤتمرات.
فلنُعيد للسياسة معناها الأخلاقي، وللاتحاد دوره كأداة فعل، لا كرمز فارغ.
في قلب القارة، حيث تنام الأحلام تحت تراب الفقر،
يولد الاتحاد من جديد، لا كوثيقة، بل كصرخة.
لا كخريطة، بل كجسد.
لا كإدارة، بل كتحرر.
tongunedward@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم