العربي الجديد: منذ سقوط مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور بقبضة قوات الدعم السريع والانقسام الفعلي للبلاد، تتابع روسيا عن كثب الوضع على الأرض في السودان، مع إبدائها انحيازاً ودعماً دبلوماسياً للحكومة المركزية، من دون الذهاب إلى تقديم دعم مباشر لها مع اتخاذ خطوات احترازية تضمن مصالحها، مثل إعادة النظر في مشروع إنشاء القاعدة البحرية الروسية في السودان مطلة على مياه البحر الأحمر.
ورغم أن الأحاديث حول إنشاء القاعدة البحرية الروسية في السودان دارت لأكثر من خمس سنوات، إلا أن موسكو حسمت مطلع الأسبوع الحالي الجدل حول هذه المسألة، إذ أكد السفير الروسي لدى السودان، أندريه تشيرنوفول، تعليق مشروع إنشاء القاعدة في بورتسودان، عازياً ذلك إلى النزاع العسكري الحالي. وقال تشيرنوفول، في حوار أجرته معه وكالة نوفوستي الحكومية الروسية: “كما هو معروف، فإن المحادثات الثنائية استكملت في العام 2020 بالتوقيع على الاتفاقية الحكومية بهذا الخصوص، ونصت على آليات المشاورات الثنائية والاستخدام المؤقت لحين استكمال كافة إجراءات التصديق اللازمة. نظراً للنزاع العسكري الحالي، تم تعليق المضي قدماً في هذه المسألة”.
لا هزيمة لروسيا في السودان
ومع ذلك، يرى الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية ومعهد دراسات الشرق الأوسط في موسكو، سيرغي بالماسوف، أن الإعلان عن تعليق مشروع القاعدة البحرية الروسية في السودان لا يشكل هزيمة روسية، بل يأتي اعترافاً بالأمر الواقع في ظل استحالة التأسيس لوجود عسكري دائم في بلد غير مستقر سياسياً، متوقعاً أن تتمكن روسيا من إيجاد ملاذ آخر لتعزيز وجودها في البحر الأحمر وأفريقيا.
سيرغي بالماسوف: احتدام القتال في السودان أفقد مشروع القاعدة البحرية الروسية معناه
ويقول بالماسوف، في حديث لـ”العربي الجديد” إنه “حان الوقت أن تعترف روسيا بالأمر الواقع، وتتجنب المخاطر المحتملة في حال سقطت الحكومة المركزية، ما يمكن الخصوم من تصويره على أنه هزيمة روسية في حال كانت قد أسست القاعدة. كما لا يجوز استبعاد الاحتمال أن يكون تم ذلك بالتنسيق مع شركاء موسكو الخليجيين الذين قد لا يحبذون وجود القاعدة البحرية الروسية في السودان على مقربة من المدخل الجنوبي لقناة السويس، التي تستخدم لنقل موارد الطاقة من منطقة الخليج إلى أوروبا”. ويعتبر أن احتدام القتال في البلاد أفقد مشروع القاعدة البحرية الروسية في السودان معناه، متسائلاً: “ما المنطق من تعريض أرواح البحارة الروس للخطر في الظروف الراهنة؟”.
أول قاعدة عسكرية روسية في أفريقيا: محاولة متأخرة للحاق بالغرب
وحول رؤيته لوجهة روسية بديلة للتأسيس لوجود عسكري على البحر الأحمر، يقول بالماسوف إنه يتعين “على روسيا أن تنظر إلى إريتريا المجاورة التي تعد من شركاء موسكو الاستراتيجيين القلائل في أفريقيا، إذ يكفي النظر إلى كيفية تصويتها ضد أي قرارات تدين روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية، كما أنه لا تزال هناك في العاصمة أسمرة والجزر المتاخمة لإثيوبيا بقايا القاعدة العسكرية السوفييتية”.
يشار إلى أن إريتريا كانت في العام 2022 واحدة من الدول الخمس التي صوتت ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي دان الاجتياح العسكري الروسي لأوكرانيا، وذلك إلى جانب روسيا نفسها وبيلاروسيا وكوريا الشمالية وسورية تحت حكم نظام بشار الأسد، بينما صوت 141 بلداً لصالح القرار مع امتناع 35 عن التصويت.
وفي العام 2023، أكد السفير الإريتري لدى روسيا، بيتروس تسيغاي، أنه يجري العمل على وضع رؤية وإعداد اتفاقيات تمكن روسيا من استخدام ميناء مصوع الإريتري نقطةَ ترانزيت. علماً أن جزيرة نورة التابعة لأرخبيل دهلك سبق أن احتضنت النقطة الـ933 للدعم المادي الفني للأسطول البحري الحربي السوفييتي في إثيوبيا، حيث وعدت موسكو في العام 1977 بالسماح بإقامة قاعدة بحرية سوفييتية في مصوع، ولكن الانفصاليين الإريتريين انتزعوا السيطرة على المدينة من أديس أبابا وانتقلت إلى سيادة أسمرة بعد إعلان إريتريا استقلالها في العام 1993.
غموض حول من سيسيطر على بورتسودان
وبالعودة إلى تعليق مشروع القاعدة الروسية في السودان، يرى الخبير بالمجلس الروسي للشؤون الدولية كيريل سيميونوف، أن روسيا لم تتراجع عن إنشاء قاعدة بحرية في السودان، بل إن تغير الوضع بعد سقوط الفاشر في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي هو الذي فرض عليها ذلك. ويقول سيميونوف، لـ”العربي الجديد”: “ليست روسيا من تراجع عن مشروع القاعدة العسكرية، وإنما الوضع في السودان هو الذي تغير بعد سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، فبات البلد منقسماً فعلياً إلى شطرين بلا آفاق مستقبلية واضحة، والأخطر أنه ليس من الواضح من سيكون المتحكم في بورتسودان في الفترة المقبلة”.
كيريل سيميونوف: ليس من الواضح من سيكون المتحكم في بورتسودان في الفترة المقبلة
توقيع اتفاقية القاعدة البحرية الروسية في السودان في 2020
وكانت موسكو والخرطوم وقعتا نهاية العام 2020 على اتفاقية إنشاء نقطة الدعم المادي – الفني للأسطول البحري الحربي الروسي في السودان، التي نصت على ألا يزيد عدد أفراد القاعدة عن 300 فرد، بمن فيهم العسكريون والمدنيون، وعلى ألا تستقبل أكثر من أربع سفن في آن معاً، مع السماح بدخول السفن العاملة بالطاقة النووية. إلا أن المشروع واجه تعثراً فعلياً على أرض الواقع، كما زاد انقسام السودان بعد بدء الحرب في العام 2023، وسيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر أخيراً، من ضبابية آفاق إنشاء القاعدة.
وفي الأسابيع الأخيرة، نددت روسيا مراراً بالانتهاكات بحق المدنيين في ولاية شمال دارفور، إذ أصدرت وزارة الخارجية، نهاية أكتوبر الماضي، بياناً أعربت فيه عن قلقها من المعلومات الواردة حول انتهاكات حقوق الإنسان في الفاشر، معربة عن رفض روسيا استخدام العنف ضد السكان المدنيين، والذي يتعارض مع أحكام القانون الإنساني الدولي، داعية المسؤولين عن الوضع في الفاشر إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السكان. وفي 18 أكتوبر الماضي، أكد مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، دعم موسكو للحكومة السودانية ورئيس الوزراء السوداني كامل إدريس. وفي كلمة أخرى له بمجلس الأمن، نهاية الشهر الماضي، حثّ نيبينزيا أعضاء المجلس على التركيز على التعاون البناء من أجل تقديم عون للسودان والامتناع عن تحفيز الانقسام.
واللافت أن روسيا نشّطت في الفترة الأخيرة تحركاتها الدبلوماسية ليس إزاء السودان فحسب، وإنما جنوب السودان أيضاً، إذ قررت موسكو فتح سفارة لدى جوبا، كما أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في سبتمبر/أيلول الماضي، مرسوماً بتعيين ألكسندر كوسموديميانسكي سفيراً لدى جنوب السودان بعد أن كان السفير الروسي لدى أوغندا يمثل المصالح الروسية لدى جنوب السودان بصفته سفيراً غير مقيم. وبدورها، أكدت نائبة مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، آنا يفستيغنييفا، أمام مجلس الأمن أول من أمس الثلاثاء، أن روسيا ستدعو إلى تخفيف الحظر على توريد الأسلحة إلى جنوب السودان الساري مفعوله منذ العام 2018، معتبرة أنه “يشكل العقبة الرئيسية أمام تكوين جيش موحد للبلاد وتجهيزه”.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم