hishamissa.issa50@gmail.com
بقلم: هشام الحلو
في تاريخ الحداثة الشعرية السودانية، ثمة أسماء لم تصنع ضجيجاً بقدر ما صنعت تحولاً بنيوياً في “كيمياء” النص. وفي طليعة هؤلاء يقف الشاعر محجوب كبلو؛ ذلك الصامت النبيل الذي لم يكن مجرد كاتب لقصيدة النثر، بل كان “مهندسها” وعرّابها الذي حرر المخيلة السودانية من قيود المنبرية وضيق الأوزان، ليدخل بها إلى فضاء التأمل الوجودي واليومي المدهش.
لم تكن ريادة كبلو لقصيدة النثر في السودان مجرد “تمرد شكلي” على القافية، بل كانت انحيازاً معرفياً لجماليات التفاصيل الهامشية. في الوقت الذي كانت فيه القصيدة السودانية تنشغل بالقضايا الكبرى والخطابة السياسية، ذهب كبلو إلى “الداخل”؛ إلى تلك المناطق المنسية في النفس البشرية، مستخدماً لغةً مصفاة، خالية من الزوائد، ومملوءة بالدهشة.
لقد استطاع كبلو أن يقدم “نصاً عارياً” من زخارف البلاغة القديمة، لكنه مكسو بجلد الحقيقة. كانت ريادته تكمن في قدرته على جعل “النثر” شعراً خالصاً، لا يحتاج لقرع الطبول الإيقاعية لكي يصل إلى وجدان المتلقي.
يظل ديوانه الأيقوني “سكرتير الحقول” هو الوثيقة الأهم في مسيرة قصيدة النثر السودانية. في هذا الديوان، لا يكتفي كبلو بدور الشاعر، بل يتقمص دور “السكرتير” الذي يدون ملاحظات الحقول، ويسجل أنين الطين، وحركة الضوء، وعزلة الكائنات.
إن “سكرتير الحقول” هو محاولة لأنسنة الوجود؛ حيث تصبح الأشياء الجامدة شريكة في الحلم والألم. في هذا الديوان، نجد اللغة تتحول إلى “عدسة لاصقة” تقرب البعيد وتجعل من العادي معجزاً.
تتجلى عبقرية كبلو في قدرته الفائقة على رسم لوحات سريالية بمفردات بسيطة مستمدة من البيئة السودانية، ومن أجمل ما كتب في هذا السياق مقطعه الذي يقول فيه:
“فتحتِ الشمسُ نافذةَ الغيم..
وجففتْ قميصَ المواعيد”
في هذا السطر الشعري، نحن أمام مخرج سينمائي بارع. كبلو لا يصف الطقس، بل يصف “حالة انتظار”. الشمس هنا ليست قرصاً ملتهباً، بل هي “يد” حانية تفتح نافذة في جدار الغيم لتنهي بلل الانتظار. أما “المواعيد”، فتتحول في مخيلته إلى “قميص”؛ هذا الثوب الحميمي الذي يلامس الجسد، والذي قد يبتل بقلق الترقب أو بدموع الغياب، حتى تأتي شمس “اللقاء” لتعيد إليه جفافه وطمأنينته.
هذا المقطع يختصر مدرسة كبلو: الاقتصاد، الدهشة، وأنسنة المجرد.
بلا أدنى شك، ترك محجوب كبلو في ديوانه “سكرتير الحقول” للمكتبة الثقافية السودانية “حقولاً” مفتوحة للقراءات، وأضاف لها “ذائقة جديدة” سار على هديها ونهجها جيل السبعينيات وما تلاه من شعراء قصيدة النثر في السودان.
إن إعادة قراءة كبلو اليوم ليست مجرد استعادة لرائد قصيدة النثر، بقدر ما هي ضرورة لاستيعاب كيف يمكن للغة أن تكون “سكرتيراً” وفياً للحياة، وكيف يمكن للقصيدة أن تفتح نوافذ النور في غيم الواقع بضربة قلم واحدة.
Sudanile-Logo-SQ
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم