أطياف
صباح محمد الحسن
طيف أول:
لتلك المواقيت التي تدرك يقينًا أن انتظار تمام الساعة هو لحظة انتصار، طالما شقي العمر كان قسوة زمن!
وإن كانت بريطانيا تحاول أحيانًا إظهار استقلالية تكتيكية لإعادة نفوذها في القضية السودانية، وتسعى لإثبات حضورها بعد أن تراجع دورها في الملف السوداني عام 2023، حين تركت المبادرة وانفردت بها السعودية وأمريكا اللتان أعدتا طاولة منبر جدة للحوار، فإن التحركات الأخيرة لبريطانيا مع دول الاتحاد الأوروبي، خاصة النرويج، تكشف عن دور جديد تطرح به لندن نفسها كلاعب رئيس في حل القضية السودانية.
لكن هذا الدور ليس بمعزل عن الولايات المتحدة الأمريكية؛ فهذه الخطوات قد تبدو منفصلة نظريًا، لكنها عمليًا تتم بموافقة واشنطن وتخطيطها. فبريطانيا لا تبتعد عن الموقف الأمريكي، بل تعمل غالبًا في إطار تنسيقي أو تكميلي، ولا تطرح مبادرة دون غطاء أمريكي، لأن واشنطن هي من تمتلك أدوات الضغط الأكبر.
وقبل ثلاثة أشهر، عندما اجتمع ممثلو دول الرباعية مع مسعد بولس على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة بواشنطن، انفض الاجتماع بسبب اعتذار بولس عن مواصلته، ودخل في اجتماع مع دول الاتحاد الأوروبي لمناقشة “أزمة السودان”. وخرجت هذه الدول ببيان دعت فيه طرفي الصراع إلى الالتزام بالخطة الدولية المطروحة. وقتها تحدثنا عن أن أمريكا تبحث عن “ند قوي” يدعم خطواتها لتنفيذ الحل في السودان، نسبةً إلى عدم ثقتها في بعض دول الرباعية بسبب علاقة هذه الدول بطرفي الصراع. وطرحنا تساؤلًا واضحًا: هل تسعى واشنطن لرسم خط موازٍ للرباعية
والآن، تتحرك بريطانيا والنرويج عبر خطة لوقف النار، في محاولة لإعادة الزخم الأوروبي إلى الملف السوداني، لتثبتا أن أمريكا فعليًا تعمل لفرض وجود الدول الغربية حتى تلعب دورًا أكثر تأثيرًا من الدول العربية. وهو ما قد يُقرأ في سياق دبلوماسي بأنها تسعى إلى دمج الدور العربي مع الغربي، سيما أن واشنطن ولندن تدركان أن أي مبادرة لا يمكن أن تنجح دون مشاركة الدول العربية بحكم نفوذها المباشر على الأطراف السودانية.
لكن تحركات بريطانيا وتلويحها بعصا العقوبات يؤكد أن أمريكا كانت تحتاج إلى شريك لا تجمعه علاقات المصلحة والود مع طرفي الصراع، لأن أكثر ما عرقل طريق الرباعية هو أنها ضمت أطرافًا لها مصالح مشتركة مع قادة طرفي الحرب. وهذا ما دعا أمريكا للبحث عن شريك محايد ينظر إلى الأمور بعين مجردة ويولي الأزمة اهتمامًا أكبر.
لذلك فإن الشراكة بين واشنطن ولندن هي تجاوز جوهري يخفض درجة الاعتماد على الدول الرباعية، وفي ذات الوقت يعمل على الاحتفاظ بها كمظلة إقليمية، سيما أن أمريكا حصلت على مباركتها لخطة الحل كنص، والذي قد تسعى لتنفيذه بالطرق التي تراها.
وبريطانيا يبدو أنها تعمل على استعادة نفوذها ومقعدها في الرباعية الأولى التي كانت في الأساس تتألف من (أمريكا، السعودية، الإمارات، بريطانيا).
فهل تحركات بريطانيا، التي أرسلت مبعوثها إلى البرهان مع جنرال نافذ في وزارة الدفاع، تعني أن أمريكا سمحت لها بلعب الدور “الخشن” ورفع العصا في وجه البرهان نيابة عنها، وذلك لحفظ ماء وجهها أمام حلفاء البرهان الذين تجمعهم بأمريكا علاقات متينة؟ وبالعودة إلى سجل التصريحات السابقة نجد أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وفي اتصال هاتفي بنظيره البريطاني ديفيد لامي في أغسطس الماضي، أكد أن واشنطن ولندن تدرسان معًا إعادة الزخم للمبادرات الدولية بشأن السودان. وهذا ما يؤكد أن بريطانيا تتحرك بإشارة أمريكية واتفاق دولي. حتى أن روبيو، أكثر من مرة، وفي خضم سعي الرباعية للحل وأثناء اجتماعاتها، كان يتحدث عن أن واشنطن منخرطة مع شركاء دوليين آخرين.
كما أن اجتماع “الرباعية الدولية” في واشنطن (يوليو 2025) جمع الولايات المتحدة وبريطانيا. وحتى المؤتمر الدولي الإنساني لدعم السودان، في واشنطن، والذي ربما يُعقد في الثالث من فبراير الجاري على مستوى السفراء، مع تمثيل الولايات المتحدة، فإن بريطانيا طرف أصيل فيه.
فوزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي ذهب إلى أبعد من ذلك وصرّح عن المؤتمر بأن بلاده ستدعو إلى مؤتمر دولي لإنهاء الصراع. ومسعد وديفيد كلاهما أشار إلى تنسيق الجهود مع بعضهما البعض.
وهنا يجب أن يكون السؤال المقلق لأعداء الرباعية ليس: هل فشلت الرباعية؟ وإنما: هل فشلت الثنائية (مقترح السعودية وأمريكا)؟ لأن فشل الأولى لا يؤثر على الفعل، ولكن فشل الثانية يؤثر على ردة الفعل!
لذلك فإن رئاسة بريطانيا لمجلس الأمن وإقامة المؤتمر الإنساني بواشنطن كلاهما سيضع عنوانًا جديدًا في كيفية التعامل مع الأزمة السودانية، ويفصح عن كثير من الملامح في شهر فبراير.
طيف أخير:
لا_للحرب
لقاء وفد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة برئاسة د. عبدالله حمدوك، في العاصمة الألمانية برلين، مع وزير خارجية جمهورية ألمانيا الاتحادية السيد يوهان فادافول ووزيرة الدولة في وزارة الخارجية الألمانية السيدة سيراب جوله، والذي بحث جهود إنهاء الحرب وإحلال السلام في السودان ولقاءات كبار المسئولين في عدد من الدول الأوربية أكد أن دبلوماسية حكومة الثورة ما زالت تحتفظ بمكانتها بعيدًا عن مقاعد السلطة، وهو ما يسمح بقراءة الفاتحة على روح دبلوماسية الانقلاب وتشييعها إلى مثواها الأخير
الجريدة
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم