بقلم: هشام الحلو
الحديث عن السينما السودانية ليس مجرد استعراض لشريط سينمائي، بل هو غوص في ذاكرة أمة حاولت دائماً أن تجد صورتها وصوتها على الشاشة الكبيرة؛ هي رحلة بدأت بأحلام الرواد الذين وضعوا اللبنات الأولى، وصولاً إلى جيل معاصر استطاع أن ينتزع اعترافاً دولياً غير مسبوق، ليثبت أن الإبداع السوداني عصي على الغياب حتى في أحلك الظروف. لقد تأسست هذه السينما بجهود قامات آمنت بالفن كرسالة وطنية وإنسانية، وفي طليعة هؤلاء يقف الرائد الأكبر جاد الله جبارة، الذي وضع حجر الأساس بتأسيسه أول وحدة للإنتاج السينمائي في الأربعينيات، تاركاً إرثاً سينمائياً خالداً تجسد في أفلام مثل “البؤساء” و”بركة الشيخ”، ليفتح الباب أمام أجيال من المبدعين.
ومن هذا النبع الصافي، انطلق المخرج الكبير إبراهيم شداد صاحب الرؤية السينمائية المتفردة في أفلام مثل “جمل” و”حبل”، والمخرج الطيب مهدي الذي قدم أعمالاً لمست جوهر الإنسان السوداني مثل “المحطة”. هذا الجيل، الذي ضم أيضاً سليمان محمد إبراهيم ومنار الحلو، لم يكتفِ بصناعة الأفلام، بل أسس لثقافة سينمائية رصينة عبر “جماعة الفيلم السوداني”، محاولين خلق سينما تعبّر عن الهوية بعيداً عن القوالب التجارية. وفي امتداد وفاءٍ نادر لهذه الجماعة، برز المخرج صهيب قاسم الباري بفيلمه الوثائقي البديع “الحديث عن الأشجار”، الذي نال شهرة عالمية واسعة، وهو يوثق بشغف وحزن نبيل محاولات هؤلاء الرواد لإعادة الحياة إلى دور العرض السودانية.
وبعد سنوات من الركود، شهد العقد الأخير حراكاً سينمائياً أذهل العالم، برزت فيه أسماء قادت تحولاً نوعياً، مثل المخرج أمجد أبو العلاء الذي وضع السودان في قلب المهرجانات العالمية بفيلمه “ستموت في العشرين”، والسينمائي طلال عفيفي الذي لعب دوراً محورياً عبر “سودان فيلم فاكتوري” في تمكين الشباب في صناعة الأفلام. ولم يتوقف التميز عند الإخراج فحسب، بل امتد ليتجسد في وجوه وأصوات الممثلين الذين حملوا الحكاية السودانية ببراعة؛ إذ برز الفنان القدير محمود ميسرة السراج بإسهاماته البارزة في التمثيل والإخراج الموسيقي، مشكلاً جسراً بين الأجيال، بينما استطاع الممثل الشاب ماهر الخير أن يحفر اسمه في السجلات الدولية بفوزه بجائزة أفضل ممثل في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن دوره في فيلم “السد”.
كما برزت في هذا المشهد أصوات نسائية قوية، حيث قدمت المخرجة إيلاف الكنزي والمخرجة ميادة قمر الدين رؤى بصرية مغايرة تتسم بالجرأة والذكاء الفني. إلا أن واقع السينما السودانية اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن “ثيمة الحرب” التي فرضت نفسها كواقع أليم؛ حيث تحولت الكاميرا من أداة للفن الجمالي الصرف إلى وسيلة للمقاومة وتوثيق الذاكرة. ورغم النزوح والشتات، شهدت فترة الحرب ولادة أعمال شجاعة تحدت الظروف، مثل فيلم “وداعاً جوليا” للمخرج محمد كردفاني، الذي أصبح صوتاً ينادي بالتعايش والوحدة، والأعمال الوثائقية المؤثرة مثل فيلم “أجساد بطولية” للمخرجة سارة سليمان، التي وثقت فيها للأعراف والعادات الاجتماعية القاسية والبالية ضد المرأة.
وفي تتويج حديث لهذا الإصرار، برزت المخرجة نورا عادل كصوت جديد يحمل الأمل، بحصولها مؤخراً على جائزة “النبض الجديد” (New Impulse Award) ضمن برنامج “ملاذ آمن” (Safe Harbour) بالتعاون بين صندوق (IEFTF) ومهرجان روتردام السينمائي الدولي بهولندا. وتأتي هذه الجائزة لتؤكد دور المبادرات الدولية في دعم المبدعين الذين يعملون في مناطق النزاع، وضمان استمرارية الإبداع السوداني رغم التحديات الإنتاجية والسياسية.
إن نجاح جيل الشباب اليوم، من أمجد أبو العلاء وصولاً إلى نورا عادل، هو في جوهره امتداد لنضال الرواد من جاد الله جبارة إلى شداد والمهدي، وهو تأكيد بليغ على أن السينما في السودان لم تكن يوماً ترفاً، بل هي ضرورة لترميم ما دمرته الحروب ولإبقاء جذوة الأمل متقدة. وبين عدسة الرواد وطموح الجيل المعاصر، تظل الشاشة البيضاء هي “الناجي الأكبر” والمؤرخ الأصدق لوجعنا وأحلامنا، محولةً ركام الحرب إلى منارات للضوء والحياة، لتخبر العالم أن السودان، رغم كل شيء، لا يزال يمتلك قصة تستحق أن تُروى.
hishamissa.issa50@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم