ليس الوصول الإنساني مجرد فتح ممرات للإغاثة، ولا مجرد إدخال الدواء والغذاء إلى مناطق الحرب. الوصول الإنساني الحقيقي يبدأ حين يتحول إنقاذ الحياة إلى استعادة القدرة على العيش، وحين لا يظل الفقير أسير كرتونة الإغاثة، بل يصبح قادرًا على الإنتاج، والكسب، وإرسال أطفاله إلى المدرسة.
ومن هنا تكتسب قصة التمويل الأصغر معناها العميق.
قبل عقود، التقط الاقتصادي البنغلاديشي الشاب الدكتور محمد يونس فكرة بسيطة ولكنها هائلة الأثر: أن الفقير ليس عاجزًا، بل محروم من فرصة عادلة. ومن هذه الفكرة نشأ نموذج القروض الصغيرة الذي ارتبط ببنك غرامين، ثم تحول إلى واحدة من أكثر التجارب إلهامًا في العالم النامي. الفكرة كانت بسيطة: قروض صغيرة جدًا، تُمنح للفقراء الذين لا يستطيعون الوصول إلى النظام المصرفي التقليدي، لبدء نشاط اقتصادي صغير يعيل الأسرة.
لكن أهم ما ميّز التجربة في بداياتها أنها ركزت بشكل خاص على النساء الفقيرات في الريف. فقد أدرك محمد يونس أن المرأة في المجتمعات الفقيرة غالبًا ما تستخدم القرض لتحسين حياة الأسرة كلها: شراء دجاجة، أو ماكينة خياطة، أو بدء تجارة غذائية بسيطة. ومن خلال هذا النشاط الصغير يدخل الأطفال المدارس، ويتحسن الغذاء، ويبدأ المجتمع في استعادة قدرته على النهوض من الداخل.
وهنا لعب الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD) دورًا مهمًا في نشر هذه الفكرة عالميًا. فقد كان IFAD من أوائل المؤسسات الدولية التي دعمت تجربة التمويل الأصغر، ثم تبنّت الفكرة في العديد من مشاريع مكافحة الفقر الريفي. ومن المهم التذكير بأن الصندوق أُنشئ أصلًا عام ١٩٧٧ بعد أزمة الغذاء العالمية، وكان هدفه الأساسي تمويل برامج الحد من الفقر الريفي وتمكين الفقراء من الإنتاج.
في تسعينيات القرن الماضي، حين عملت في IFAD، كان التمويل الأصغر أحد أهم الأدوات العملية في مشاريع التنمية الريفية. كنا نرى بأعيننا كيف يمكن لمبلغ صغير جدًا — أحيانًا بضعة دولارات — أن يغير حياة أسرة كاملة. لم يكن الأمر مجرد قرض مالي، بل كان استعادة للكرامة والثقة والقدرة على المبادرة.
ملايين الأسر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية انتفعت من هذه التجربة. ملايين الأطفال دخلوا المدارس لأن أمًّا أو أبًا استطاع أن يبدأ نشاطًا صغيرًا بدل أن ينتظر المعونة إلى الأبد. وهذا هو الفرق بين الإغاثة التي تُبقي الإنسان حيًا، والتنمية التي تعطيه مستقبلًا.
كما أن قصة د.محمد يونس ليست اقتصادية فقط، بل سياسية وأخلاقية أيضًا. فالرجل الذي وثق فيه الفقراء لعقود، وثق فيه كذلك شباب بنغلاديش بعد الانتفاضة التي أطاحت بحكم الشيخة حسينة في عام ٢٠٢٤. حينها طلب منه الشباب أن يرعى مرحلة انتقالية تقود إلى انتخابات دستورية حرة. وقد فعل ما يلزم، وتمكنت بنغلاديش مؤخرًا من تنظيم انتخابات دستورية واختيار حكومة مدنية.
هذه القصة تقدم لنا دروسًا مهمة في سلطة التأسيس.
أول هذه الدروس أن الوصول الإنساني لا يكفي وحده. فالمجاعة والنزوح لا يعالجان فقط بالشاحنات والمخازن، بل بتمكين الناس من كسب رزقهم بسرعة، خاصة النساء والشباب وصغار المنتجين في الريف. لذلك يجب أن يقترن أي مشروع للسلام في السودان ببرنامج وطني واسع للتمويل الأصغر والإنتاج الأسري والتعاونيات المحلية.
الدرس الثاني أن الشباب هم حملة الأفكار الجديدة. التجارب الحديثة تؤكد أن الأجيال الشابة لا تكتفي بإسقاط الاستبداد، بل تستطيع أن تصنع مسارًا جديدًا حين تجد قيادة تحترمها وتثق بها. ولذلك فإن ما أشار إليه القائد الشاب حميدتي في يوغندا — بأن الغالبية في حكومة التأسيس يجب أن تكون من الشباب والشابات — ليس مجرد شعار تعبوي، بل مدخل حقيقي لتجديد الدولة.
أما الدرس الثالث فهو أن الألقاب لا تبني وطنًا. السودان أُغرق طويلًا في تضخم الألقاب، خصوصًا بعد أن فصل نظام الكيزان مئات الآلاف من الكفاءات الحقيقية من العمل، ثم زيّن واجهاته بألقاب أكاديمية وإدارية فارغة. لذلك أرى أن من الحكمة في حكومة التأسيس أن تُخفَّف الألقاب إلى أقصى حد، وألا تُذكر إلا حيث تكون لها قيمة علمية حقيقية.
ومن هنا أجد اقتراحًا رمزيًا جديرًا بالتأمل: أن يُشار إلى كل الفاعلين في سلطة التأسيس بلقب (رفيق) للذكرو(كنداكة) للأنثى.
هذا الاقتراح ليس شكليًا فقط؛ بل يحمل معنى سياسيًا وثقافيًا عميقًا. فهو يكسر هرمية الدولة القديمة، ويستدعي روح العمل الجماعي، ويعيد الاعتبار لرمزين عميقين في الوجدان السوداني: روح الرفبق comrade في الميدان، وهيبة الكنداكة في التاريخ.
فالدولة الجديدة لا تحتاج إلى تضخم في الألقاب، بل إلى وضوح في المسؤولية. ولا قيمة للمنصب إلا بقدر ما ينجزه لصالح الناس.
في سلطة التأسيس نحتاج إلى حكومة تنقل السودان: من الإغاثة إلى الإنتاج، ومن اللقب إلى الفعل، ومن الدكتاتورية إلى الثقة العامة، ومن الاستبعاد إلى قيادة الشباب والشابات.
هذه هي الحكمة الأعمق في حكاية د. محمد يونس: أن الفكرة الصغيرة، حين يحملها الناس الشجعان، قد تغيّر اقتصادًا، ثم تغيّر مجتمعًا، ثم تساعد أمة كاملة على عبور لحظة تاريخية صعبة.
فإذا كانت خمسة دولارات قد غيّرت حياة أسرة في قرية فقيرة، فإن الثقة في الشباب، والجرأة في التغيير، والتمويل المنتج، قد تغيّر مصير السودان كله.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي و مؤسس في تحالف تاسيس
التاريخ: ١٢ مارس ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم