بقلم: هشام الحلو
تُعد مجموعة “امرأة من كمبو كديس”، التي أطلت في فضاءات الأدب السوداني في تسعينيات القرن الماضي، حجر الزاوية الذي انطلق منه الروائي عبد العزيز بركة ساكن ليصبح أحد أبرز الأصوات الروائية العربية والسودانية المعاصرة. لم تكن هذه المجموعة مجرد محاولة قصصية عابرة، بل كانت إعلاناً صريحاً عن “وظيفة الساحر” التي يتقنها ساكن، وصوتاً جسوراً للقادمين من الهوامش الجغرافية والاجتماعية إلى قلب المشهد الثقافي السوداني. في هذه المجموعة، نقل بركة ساكن القارئ من صالونات الخرطوم الأدبية النخبوية إلى “الكنابي” ومعسكرات العمال المهاجرين في مشاريع الزراعة، حيث تنفرط الحقائق وتتكشف على عتبات دور البسطاء في جلسة حكي حميمية، تتجسد فيها أجساد نحيلة ببشرات سوداء صافية، تروي مفارقات الحياة اليومية وغرائبها.
يمثل ظهور بركة ساكن رفقة كوكبة من جيل التسعينيات تحولاً جذرياً في بنية الأدب السوداني؛ حيث لم تعد الكتابة لديهم مجرد بحث عن المتعة الفنية، بل صارت فعلاً للمقاومة والتشريح الوجودي والاجتماعي. فقد تزامنت انطلاقة ساكن مع بروز أصوات شكلت ملامح هذا الجيل، مثل أبكر آدم إسماعيل الذي شق طريق “الطريق إلى المدن المستحيلة”، والشاعر عاطف خيري في مجموعته الشعرية “ظنون” الذي فكك اللغة برمزية حادة، والشاعر الصادق الرضي الذي أعاد صياغة مخيلة “الغناء والعزلة” برهافة فلسفية عالية. وفي ذات السياق، برزت أسماء عززت قوة السرد السوداني الحديث مثل منصور الصويم برؤاه الواقعية العنيفة، وأحمد الملك الذي مزج بين سحر القرية وسخرية الواقع ببراعة، وصولاً إلى أمير تاج السر الذي، وإن كان قد بدأ قبلهم بقليل، إلا أن تجربته تقاطعت مع هذا الجيل في إعادة اكتشاف التاريخ والهامش وبناء عوالم روائية تتجاوز السائد والمألوف.
لقد نجح بركة ساكن في “أنسنة المهمش”، فجعل من شخصيات مثل “عالية” وصراعها مع سلطة الأب، و”كلتوم” بائعة العرقي التي ترفض إطعام أولادها من “الحرام”، و”داني” التي فقدت هويتها بفقدان أسنانها، رموزاً للمقاومة اليومية والبحث عن الكرامة الإنسانية. إن تميز هذا الجيل يكمن في قدرتهم على الخروج من عباءة “الجيل الستيني” وتجاوز العقدة الرعوية؛ فابتعدوا عن الرومانسية الريفية الهادئة واتجهوا نحو تعقيدات مدن الصفيح ومناطق النزاع، مستخدمين لغة صادمة ومصطلحات محلية كسروا بها جمود القوالب الأدبية التقليدية. وتعكس سيرة بركة ساكن الذاتية هذا التنوع؛ فمن ميلاده في كسلا عام 1963 ونشأته في خشم القربة والقضارف، إلى عمله الميداني في دارفور والنيل الأزرق، تشكلت لديه رؤية نافذة جعلت أعماله تتسم بصدق راديكالي “أغضب الرقيب” تكراراً؛ فصودرت “امرأة من كمبو كديس” عام 2005، وحُظرت روايته “الجنقو مسامير الأرض” فور فوزها بجائزة الطيب صالح عام 2009.
ورغم هذا التعنت الرقابي، استطاع ساكن، ومعه رفاق دربه من مبدعي التسعينيات، أن يكسروا حاجز المحلية ليصلوا إلى العالمية؛ حيث نالت قصته “امرأة من كمبو كديس” عام 1993 جوائز من “بي بي سي” ومجلة “العربي” للقصة القصيرة على مستوى العالم العربي، بالإضافة لجوائز أفريقية وعالمية عن أعماله الأخرى تقديراً لمجهوداته الكبيرة في حقل الأدب عموماً، وأُدرجت روايته “مخيلة الخندريس” في المناهج الدراسية بالنمسا. إن عبد العزيز بركة ساكن، الذي يصف نفسه بأنه “كاتب حسن النية وأخلاقي وداعية للسلم والحرية”، لا يزال يمارس شغفه في الكتابة من منفاه، مؤكداً أن الأدب الحقيقي هو الذي يفتح باب البسطاء طلباً للحكايات، ليمنحنا في كل مرة “عيناً صادقة لترى” ما خلف الحجب، محولاً آلام “كمبو كديس” وهوامش السودان المنسية إلى نصوص باقية تتجاوز حدود الجغرافيا والزمان.
hishamissa.issa50@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم