بقلم: هشام الحلو
بصدور روايته «أخبار البنت مياكايا» في عام 1980م، لم يكن الروائي الكبير إبراهيم إسحق يقدم مجرد سرد تاريخي، بل كان يرسخ صوتاً دارفورياً عظيماً وقوياً في سماء المشهد الروائي، معلناً عن “مركزية سردية” جديدة أعادت ترتيب خارطة الثقافة السودانية. لقد قدم إسحق نفسه كواحد من أبرز رموز جيل الستينيات؛ ذلك الجيل الذي أحدث نقلة نوعية في بنية الرواية السودانية، فجاء منجزه السردي المهم ليمد فضاءات الأدب برؤى مغايرة استمدت قوتها من بيئة دارفور وخصوصيتها الثقافية، ليحولها من هامش جغرافي إلى مركز فني كوني.
لقد وقف إسحق في هذه الرواية موقفاً فكرياً متجاوزاً للثنائيات التقليدية التي استهلكت العقل الثقافي طويلاً؛ فبينما انشغل رواد تيار «الغابة والصحراء» بمحاولة “التوفيق” الذهني بين المكونين العربي والأفريقي كبحث عن هوية هجينة، مخر إبراهيم إسحق عباب هذه القطبية باتجاه “كيمياء التمازج” الفعلي. إن الفارق الجوهري يكمن في أن “الغابة والصحراء” وقفت عند حدود “التحالف” بين هويتين، بينما تجاوز إسحق في «مياكايا» هذا الانقسام، مقدماً الهوية كـ “صهر إيكولوجي وسلالي” ذاب فيه الطرفان لينتجا جوهراً واحداً.
ويظهر هذا التمازج السلالي جلياً في وصفه لتحول ملامح الوافدين الأوائل وانصهارهم في الأرض الجديدة حين يقول: «أمراء العرب أصبحوا كالملوك في بلاد السُّود، أُخذوا بشيء من التَّبجيل، وزايل لونهم لون البندورة التي شبعتْ ريَّاً ولم تشبع شمساً، إذْ تُعطيهم أمَّهاتُهم السَّراري والأميرات العاشقات لمعان الأبنوس وصلابته، وآخرون منهم بشراتهم تجَمَّرت إلى مثل أكباد الإبل».
هو لم يبحث عن لقاء اصطناعي بين الصحراء والغابة، بل كتب عن “الإنسان السوداني” الذي تشكل في رحم هذا التلاقي التاريخي الطويل، متجاوزاً “غلالات الغرابة” التي تغذي العداء الجاهل، ومشيراً إلى تلك الوشائج العميقة التي تربط الناس رغم تباعد المسافات: «يُدركون أنَّ السُّبل افترقت بهم لولا البقية في يقين القلب وفصاحة اللسان».
إن منجز إبراهيم إسحق، الذي انطلق بقوة منذ روايته الأولى «حدث في القرية» عام 1969م، وصولاً إلى «أخبار البنت مياكايا»، استطاع عبر لغته الفخمة المطعمة بلسان البيئة المحلية وبنائها النفسي أن يجعل من جغرافيا الغرب مسرحاً للتساؤلات الوجودية الكبرى، كاسراً بذلك احتكار “المركز” للسرد، وفارضاً واقعاً ثقافياً يعترف بتعدد الألسن داخل الهوية الواحدة. لقد جعل من الطبيعة والنهر والغابة شركاء في بناء الوعي، متسائلاً بعمق عن احتكار الموارد والوجود: «إذْ إلامَ هؤلاء يحتكرون الغابة ويمتلكون النَّهر؟ فكأنَّما الكون كلُّه تمَّ تقسيمُهُ ضُحىً مُنذ نوح، ولم يعد لإمكان تواصلِهِ قطعاً من سبيل ما».
إن «أخبار البنت مياكايا» تظل، منذ صدورها الأول، علامة فارقة في تاريخ الأدب السوداني، تثبت أن الهوية ليست شعاراً يُرفع، بل هي “وعي جديد” يُصنع بالتعايش والتلاقح الأصيل.
hishamissa.issa50@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم