اعداد
د. أحمد جمعة صديق
جامعة الزعيم الأزهري
.6 الربح والخسارة:
هل هناك لوبي لامتحانات الشهادة السودانية؟ نعم/لا
تُعدّ امتحانات الشهادة السودانية من أكثر المؤسسات التعليمية تأثيرًا في السودان. فعلى مدى عقود طويلة، ظلت هذه الامتحانات تحدد المستقبل الأكاديمي لمئات الآلاف من الطلاب، وتمثل البوابة الرئيسية إلى الجامعات والمنح الدراسية والفرص المهنية. ولا تُعتبر هذه الامتحانات مجرد وسيلة لقياس التحصيل العلمي، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية متجذرة بعمق في المجتمع السوداني. وقد نشأ حولها ما ينمن وصفه بـ “لوبي الامتحانات”، أي شبكة من المصالح تضم المدارس الخاصة، ومراكز الدروس الخصوصية، وناشري الكتب التعليمية، والإداريين التربويين، والمعلمين، وحتى بعض الجهات السياسية التي تستفيد بصورة مباشرة أو غير مباشرة من استمرار النظام التعليمي القائم على الامتحانات.
ولا يعني مفهوم “اللوبي” هنا بالضرورة وجود تنظيم سري أو مؤامرة إجرامية، بل يشير إلى مجموعات مترابطة تتقاطع مصالحها الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية مع امتحانات الشهادة السودانية. وتؤثر هذه المجموعات بصورة جماعية في السياسات التعليمية، واتجاهات الرأي العام، وطرق التدريس، بما يضمن استمرار هيمنة نظام الامتحانات. ونتيجة لذلك، أصبح التعليم في السودان تدريجيًا موجهًا نحو الامتحانات أكثر من كونه موجهًا نحو المعرفة الحقيقية.
لقد احتلت امتحانات الشهادة السودانية مكانة مركزية في النظام التعليمي السوداني منذ الحقبة الاستعمارية، ثم بعد الاستقلال عام 1956. فقد أصبحت الامتحانات المعيار الأساسي لاختيار الطلاب للتعليم العالي. وارتبط النجاح فيها تقليديًا بالمكانة الاجتماعية، وشرف الأسرة، وإمكانية الترقي الاجتماعي. ولذلك تستثمر الأسر السودانية مبالغ مالية كبيرة وطاقات نفسية هائلة في إعداد أبنائها لهذه الامتحانات، لأن الحصول على درجات مرتفعة قد يحدد إمكانية الالتحاق بكليات الطب أو الهندسة أو الصيدلة وغيرها من التخصصات المرموقة.
وبسبب الطبيعة المصيرية لهذه الامتحانات، نشأت حولها سوق تعليمية ضخمة. فأصبحت المدارس الخاصة تعلن باستمرار عن نسب النجاح وعدد الطلاب المتفوقين الذين أحرزوا الدرجات العليا في الشهادة السودانية. وأصبحت بعض المدارس تُقيَّم بالكامل تقريبًا بناءً على نتائج الامتحانات لا على جودة التعليم الذي تقدمه. وقد حوّل هذا المناخ التنافسي التعليم إلى مشروع تجاري أصبحت فيه نتائج الامتحانات المعيار الأساسي لنجاح المؤسسات التعليمية.
وقد ساهم التوسع السريع في التعليم الخاص في السودان خلال العقود الثلاثة الأخيرة في تعزيز هذه الظاهرة. فالعديد من المدارس الخاصة تفرض رسومًا دراسية مرتفعة للغاية، مقابل وعود بتقديم إعداد أفضل لامتحانات الشهادة السودانية. وغالبًا ما يختار أولياء الأمور المدارس بناءً على سجلها في إنتاج الطلاب المتفوقين، لا بناءً على قيم تعليمية أوسع مثل الإبداع والتفكير النقدي والتنمية الأخلاقية. وتشير التقارير المتعلقة بارتفاع رسوم المدارس الخاصة وتسليع التعليم إلى أن العملية التعليمية أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بالمصالح الاقتصادية.
وإلى جانب المدارس الخاصة، أصبحت مراكز الدروس الخصوصية مكوّنًا أساسيًا آخر في لوبي الامتحانات. ففي العديد من المدن السودانية، وخاصة الخرطوم قبل الحرب، كان الطلاب يحضرون دروسًا إضافية بعد ساعات الدراسة الرسمية استعدادًا لامتحانات الشهادة. وقد اشتهر بعض المعلمين بما يُعرف بـ “الطرق السرية” لتوقع أسئلة الامتحانات أو تدريب الطلاب على أنماط الإجابة المتوقعة. وأصبح كثير من الطلاب يعتمدون على الدروس الخصوصية أكثر من اعتمادهم على التعليم المدرسي نفسه.
وكان لهذه الثقافة آثار عميقة. أولًا، أدت إلى توسيع الفجوة الاجتماعية، لأن الأسر الميسورة وحدها تستطيع تحمل تكاليف الدروس الخصوصية الباهظة، بينما تعجز الأسر الفقيرة عن ذلك. ثانيًا، حوّلت العملية التعليمية من الفهم الحقيقي إلى الحفظ وتقنيات الامتحان. ثالثًا، أضعفت دور المدارس الحكومية، حيث أصبح الطلاب ينظرون إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة شكلية، بينما يحدث “الإعداد الحقيقي” في مراكز الدروس الخصوصية.
وقد انتقد الباحثون التربويون مرارًا ضيق نطاق امتحانات الشهادة السودانية وتأثيرها السلبي على طرق التدريس. وتشير دراسات الدكتور أحمد جمعة صديق إلى أن كثيرًا من امتحانات اللغة الإنجليزية في الشهادة السودانية كانت تفتقر إلى الشمولية والصدق في قياس المهارات اللغوية الحقيقية. ووفقًا لهذه الدراسات، فإن الامتحانات كثيرًا ما دفعت المعلمين إلى التركيز على تدريبات الامتحان بدلًا من تنمية مهارات اللغة بصورة حقيقية.
ومن أخطر الانتقادات الموجهة إلى لوبي الامتحانات أنه يشجع الحفظ الآلي على حساب الإبداع والتفكير النقدي. فبما أن الامتحان يحدد القبول الجامعي، تشعر المدارس والمعلمون بضغط كبير يدفعهم إلى “التدريس من أجل الامتحان”. ويقضي الطلاب ساعات طويلة في حفظ الإجابات النموذجية والملخصات وأوراق الامتحانات السابقة، بدلًا من الانخراط في البحث المستقل أو النقاش التحليلي. ونتيجة لذلك، قد يحقق كثير من الطلاب درجات مرتفعة في الامتحانات، لكنهم يواجهون صعوبات في مهارات التواصل العملي والبحث وحل المشكلات عند دخولهم الجامعة أو سوق العمل.
كما يشير الباحثون إلى أن التعليم الموجه نحو الامتحانات يخلق ما يسمى في النظريات التربوية بـ “الأثر الرجعي السلبي”. وهذا يعني أن طبيعة الامتحان تؤثر سلبًا على سلوك التدريس والتعلم داخل الفصول الدراسية. فالمعلمون يركزون على الموضوعات المتوقع ورودها في الامتحان، ويتجاهلون الأهداف التعليمية الأوسع. كما يدرس الطلاب فقط ما يُتوقع ظهوره في الامتحان، فتتحول المناهج بأكملها إلى ملخصات ودفاتر للحفظ.
وللوبي الامتحانات أبعاد سياسية كذلك. فقد استخدمت الحكومات السودانية تاريخيًا نجاحها في تنظيم امتحانات الشهادة السودانية بوصفه دليلًا على شرعية الدولة واستقرارها. وأصبحت الامتحانات واحدة من المؤسسات القومية القليلة التي تربط الطلاب في مختلف أنحاء السودان. وحتى خلال الأزمات السياسية والحروب، أصرت السلطات في كثير من الأحيان على إقامة الامتحانات لإظهار استمرار مؤسسات الدولة.
غير أن الحرب المستمرة في السودان منذ عام 2023 كشفت عن تفاوتات عميقة داخل نظام الامتحانات. فقد عجز كثير من الطلاب في مناطق النزاع عن الجلوس للامتحانات بسبب النزوح وانعدام الأمن وتدمير المدارس. ورأى منتقدون أن إجراء الامتحانات في ظل هذه الظروف غير المتكافئة يظلم أعدادًا كبيرة من الطلاب، ويعكس الانقسامات السياسية والجغرافية داخل البلاد.
وفي المقابل، دافع آخرون عن استمرار الامتحانات باعتبارها ضرورة للحفاظ على الأمل واستمرارية العملية التعليمية. وقد أظهر هذا الجدل أن امتحانات الشهادة السودانية لم تعد مجرد أداة تعليمية، بل أصبحت رمزًا للهوية الوطنية وسلطة الدولة.
ومن الجوانب الأخرى المرتبطة بلوبي الامتحانات دور دور النشر والمواد التعليمية التجارية. ففي كل موسم امتحانات تنتشر الكتيبات التجارية التي تحتوي على الأسئلة المتوقعة والملخصات والإجابات النموذجية. وغالبًا ما تُسوَّق هذه المواد بصورة مكثفة للطلاب وأولياء الأمور القلقين. كما تستفيد البرامج الإعلامية التعليمية وصفحات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية من قلق الامتحانات عبر بيع حزم المراجعة والخدمات الإرشادية.
كما يساهم الضغط الاجتماعي المحيط بالشهادة السودانية في تقوية هذا اللوبي. فالمجتمع السوداني يحتفي تقليديًا بالطلاب الحاصلين على الدرجات العالية، بينما ينظر إلى الفشل بوصفه وصمة اجتماعية. وقد تقارن الأسر بين أبنائها بناءً على نتائج الامتحانات، وتنظر بعض المجتمعات إلى الشهادة السودانية باعتبارها مقياسًا لقيمة الفرد. ويؤدي هذا الضغط الشديد إلى توتر نفسي كبير لدى الطلاب، ويشجع ممارسات تعليمية غير صحية تتمحور حول الدرجات فقط.
وعلاوة على ذلك، تظهر أحيانًا اتهامات بتسريب الامتحانات أو المحاباة أو التلاعب خلال مواسم الامتحانات. ورغم أن هذه الاتهامات لا تكون دائمًا مثبتة، فإنها تعكس تراجع الثقة العامة في عدالة النظام التعليمي. كما شكك بعض الباحثين والمعلمين في ما إذا كانت سياسات التصحيح وتعديل الدرجات تؤثر بصورة مصطنعة على نسب النجاح. وتُعزز هذه الجدلـات الانطباع بوجود مصالح قوية تحيط بنظام الامتحانات.
ورغم هذه الانتقادات، من المهم الاعتراف بأن امتحانات الشهادة السودانية تؤدي أيضًا وظائف مهمة. فهي توفر معيارًا قوميًّا لتقييم الطلاب، وتتيح فرصًا للقبول الجامعي، وتساعد على الحفاظ على استمرارية التعليم في البلاد. وفي المجتمعات ذات الموارد التعليمية المحدودة، قد تبدو الامتحانات الموحدة وسيلة موضوعية للمنافسة والاختيار.
ومع ذلك، فإن النظام الحالي يحتاج بصورة عاجلة إلى إصلاح. فالسودان بحاجة إلى فلسفة تعليمية تركز على التعلم والإبداع والكفاءة العملية بدلًا من التركيز الحصري على أداء الامتحانات. وينبغي أن تهدف الإصلاحات التعليمية إلى تقليل الهيمنة المطلقة لامتحانات الشهادة عبر تنويع أساليب التقييم. فيجب أن تصبح التقييمات المستمرة، والمشروعات البحثية، والعروض الشفوية، والمهارات العملية، ومهام التفكير النقدي جزءًا أساسيًا من عملية التقويم.
كما أن تدريب المعلمين أمر ضروري للغاية. فينبغي تشجيعهم على استخدام طرق تدريس تفاعلية بدلًا من الحفظ والتلقين. ويجب كذلك دعم المدارس الحكومية بصورة أكبر للحد من الاعتماد على الدروس الخصوصية والخدمات التعليمية التجارية. فبدون تحسين رواتب المعلمين والبنية التحتية للمدارس، سيظل اقتصاد الدروس الخصوصية مزدهرًا.
ويمكن للتحديث التكنولوجي أن يساهم أيضًا في الإصلاح. فاعتماد المنصات التعليمية الرقمية، وأدوات التقييم الحديثة، وأنظمة إدارة الامتحانات الشفافة قد يقلل من فرص الفساد ويزيد من العدالة. وفي الوقت نفسه، يجب على السلطات التعليمية ضمان تكافؤ فرص التعليم بين مختلف المناطق والطبقات الاجتماعية، خاصة في أوقات الحرب والنزوح.
وأخيرًا، يحتاج المجتمع السوداني نفسه إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح التعليمي. فالتعليم الحقيقي لا يعني مجرد الحصول على درجات مرتفعة، بل يعني تنمية الاستقلال الفكري، والمسؤولية الأخلاقية، والإبداع، والوعي الاجتماعي. لقد ضيّق لوبي الامتحانات معنى التعليم حتى اختزله في الدرجات والشهادات. ولذلك فإن استعادة التعليم بوصفه عملية لبناء الإنسان لا مجرد منافسة امتحانية تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه السودان اليوم.
وفي الختام، فإن اللوبي المحيط بامتحانات الشهادة السودانية يمثل شبكة معقدة من المصالح التعليمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويشمل هذا اللوبي المدارس الخاصة، ومراكز الدروس الخصوصية، والناشرين، والمسؤولين التربويين، والاتجاهات الاجتماعية التي تعزز ثقافة التعليم القائم على الامتحانات. ورغم أن الامتحانات تظل مؤسسة قومية مهمة، فإن هيمنتها المفرطة أفرزت نتائج سلبية مثل تسليع التعليم، وعدم المساواة، والحفظ الآلي، وتشويه العملية التعليمية. ولذلك فإن مستقبل التعليم في السودان يعتمد على قدرته على إصلاح هذا النظام وبناء رؤية أكثر توازنًا للتعلم تخدم الفرد والمجتمع معًا. يتبع>>>
aahmedgumaa@yahoo.com
