بقلم: لوال كوال لوال
يمثل السادس عشر من مايو محطة تاريخية مفصلية في ذاكرة شعب جنوب السودان، فهو اليوم الذي انطلقت فيه شرارة الكفاح المسلح بقيادة جون قرنق دي مبيور ورفاقه، معلنين ميلاد الحركة الشعبية لتحرير السودان وذراعها العسكري الجيش الشعبي لتحرير السودان. لم يكن ذلك الحدث مجرد تمرد عسكري عابر، بل د د و َ كان تعبيراً عن تراكم طويل من المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها شعوب جنوب السودان لعقود طويلة تحت أنظمة الحكم المتعاقبة في السودان. لقد جاءت ثورة السادس عشر من مايو في وقت كانت فيه البلاد تعيش حالة من الانقسام العميق، حيث شعر الجنوبيون بأنهم مهمشون سياسياً وثقافياً واقتصادياً، وأن الاتفاقيات السابقة لم تنجح في معالجة جذور الأزمة الوطنية. ومن هنا تحولت الحركة الشعبية من مجرد حركة احتجاج مسلح إلى مشروع سياسي واسع حمل شعارات العدالة والمساواة وإعادة صياغة الدولة السودانية على أسس جديدة. في بداياتها، واجهت الحركة الشعبية تحديات هائلة، فقد كانت تعاني من ضعف الإمكانيات العسكرية واللوجستية، إضافة إلى الانقسامات القبلية والتدخلات الإقليمية والدولية. ومع ذلك استطاعت أن تتحول تدريجياً إلى قوة سياسية وعسكرية منظمة، بفضل قدرتها على استقطاب قطاعات واسعة من أبناء جنوب السودان، بل وحتى بعض أبناء شمال السودان الذين آمنوا بمشروع “السودان الجديد” الذي طرحه الدكتور جون قرنق. ومن بين المناطق التي لعب أبناؤها دوراً محورياً في تأسيس ودعم الحركة الشعبية كانت منطقة أبيي، حيث قدم أبناء أبيي تضحيات كبيرة منذ البدايات الأولى للكفاح المسلح، وكانوا جزءاً أصيلاً من مشروع التحرير السياسي والعسكري. فقد انخرط الكثير منهم في صفوف الجيش الشعبي، وشاركوا في المعارك، وتحملوا ويلات الحرب والنزوح والتشريد، إيماناً منهم بأن النضال سيقود في النهاية إلى حياة يسودها السلام والاستقرار والعدالة. لكن المفارقة المؤلمة أن أبناء أبيي، وبرغم كل تلك التضحيات، ما زالوا حتى اليوم يعيشون حالة من عدم الاستقرار والقلق السياسي والأمني، وكأن قضيتهم بقيت معلقة بين الوعود والخلافات السياسية. لقد دفعت أبيي ثمناً باهظاً للحروب والصراعات؛ قرى أُحرقت، وأسر نزحت مرات عديدة، وأجيال كاملة عاشت في ظروف إنسانية صعبة، بينما ظل حلم الاستقرار بعيد المنال. إن مأساة أبيي تكشف واحدة من أعقد الحقائق في مسيرة الكفاح الوطني، وهي أن المشاركة في صناعة التحرير لا تعني دائماً الوصول إلى العدالة بعد الانتصار. فالكثير من أبناء المنطقة كانوا يتوقعون أن تنتهي معاناتهم بعد سنوات الحرب، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد ما زالت فيه قضيتهم تراوح مكانها وسط التجاذبات السياسية والإقليمية. لقد كانت سنوات الحرب طويلة ومؤلمة، دفع خلالها شعب جنوب السودان ثمناً باهظاً من الأرواح والنزوح والفقر والحرمان. قرى أُحرقت، وأطفال حُرموا من التعليم، وأسر فقدت أبناءها في ساحات القتال أو بسبب المجاعة والمرض. لكن تلك التضحيات صنعت وعياً وطنياً جديداً لدى كثير من الجنوبيين، ورسخت فكرة أن الحرية لا تُمنح مجاناً بل تُنتزع بالتضحيات والصبر. ومن أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من مسيرة الحركة الشعبية أن الوحدة الداخلية كانت دائماً عاملاً حاسماً في قوة المشروع الوطني، بينما كانت الانقسامات سبباً مباشراً في إضعافه. فالحركة، رغم نجاحاتها، مرت بمراحل صعبة من الصراعات الداخلية والانشقاقات التي أودت بحياة الآلاف وأثرت على مسار النضال. وهذا يؤكد أن أخطر ما يواجه أي حركة تحرر ليس العدو الخارجي فقط، بل النزاعات الداخلية والصراع على السلطة والمصالح الشخصية. كما تعلم شعب جنوب السودان من تجربة الكفاح أن امتلاك السلاح وحده لا يكفي لبناء دولة مستقرة، فالحرب يمكن أن تحقق الاستقلال، لكنها لا تستطيع وحدها بناء المؤسسات أو توفير العدالة والتنمية. وبعد الاستقلال في عام 2011، وجد الجنوب نفسه أمام اختبار أصعب من الحرب نفسها، وهو اختبار بناء الدولة وإدارة التنوع وتحقيق السلام الداخلي. لقد كان كثير من المواطنين يحلمون بأن يؤدي الاستقلال إلى تحسين أوضاعهم المعيشية وبناء دولة القانون والمؤسسات، لكن الواقع كشف أن التحرر السياسي لا يعني بالضرورة نهاية الأزمات. فقد استمرت الصراعات السياسية والقبلية، وتفاقمت الأزمات الاقتصادية، مما جعل كثيراً من المواطنين يتساءلون: أين ذهبت أحلام الشهداء؟ وهل تحققت الأهداف التي حملتها الثورة منذ انطلاقها في السادس عشر من مايو؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة لا تكون بإنكار التضحيات أو التقليل من أهمية النضال، وإنما بمراجعة التجربة بصدق وشجاعة. فالحركة الشعبية ليست مجرد تاريخ عسكري، بل تجربة إنسانية وسياسية يجب أن تُقرأ بعين النقد والاستفادة، لا بعين التقديس المطلق. فالشعوب التي لا تراجع تجاربها تظل أسيرة الأخطاء نفسها. ومن الدروس المهمة أيضاً أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على توحيد الناس وخدمتهم وتحقيق تطلعاتهم. لقد نجحت الحركة الشعبية في مرحلة الحرب في تعبئة الجماهير حول هدف التحرير، لكنها واجهت تحديات كبيرة بعد الوصول إلى السلطة، لأن إدارة الدولة تختلف عن إدارة الثورة، وتتطلب مؤسسات قوية ورؤية اقتصادية وعدالة اجتماعية ومصالحة وطنية حقيقية. إن ذكرى السادس عشر من مايو ينبغي ألا تكون مجرد مناسبة للاحتفالات والخطب السياسية، بل فرصة للتأمل في مسيرة شعب كامل عانى من الحروب والانقسامات، وما زال يبحث عن السلام والاستقرار والكرامة. إنها مناسبة لتكريم الشهداء والجرحى والنازحين وكل من تحملوا أعباء الحرب، لكنها أيضاً مناسبة لمحاسبة الذات الوطنية والسؤال عن المستقبل الذي يستحقه أبناء جنوب السودان، وخاصة المناطق التي ظلت تدفع ثمن الصراعات حتى بعد سنوات من انتهاء الحرب مثل أبيي. واليوم، بعد سنوات من الاستقلال، يقف شعب جنوب السودان أمام مفترق طرق جديد. فإما أن يستفيد من دروس الماضي لبناء دولة تتسع للجميع، تقوم على المواطنة والعدالة واحترام القانون، وإما أن تستمر دوامة الصراع والانقسام التي أنهكت البلاد لعقود طويلة. إن مستقبل جنوب السودان لن تصنعه البنادق وحدها، بل سيصنعه الوعي الوطني، والتعليم، والعدالة، والقدرة على تجاوز القبلية والمصالح الضيقة. لقد علمتنا تجربة الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان أن الشعوب تستطيع أن تنتصر على التهميش، لكنها قد تخسر أحلامها إذا لم تحسن إدارة النصر. ولذلك فإن أعظم وفاء لذكرى السادس عشر من مايو ليس ترديد الشعارات، وإنما العمل من أجل بناء وطن يجد فيه كل مواطن نفسه آمناً ومحترماً ومشاركاً في صناعة مستقبله. رحم الله الشهداء الذين قدموا أرواحهم من أجل الحرية، وحفظ جنوب السودان من الانقسام والفتن، وجعل من ذكرى السادس عشر من مايو درساً وطنياً متجدداً للأجيال القادمة.
lualdengchol72@gmail.com
