هناك استعمار جديد لا يحتاج إلى غزو أو جنود ولا حتى إلى ذريعة. استعمار وقح وعارٍ من أي أخلاق ينهب ثروات الشعوب بدم بارد ويحوّل الأوطان إلى غنائم ويحوّل أيضا أبناءها إلى أدوات تنفيذ رخيصة. هذا هو الاستعمار الاستنزافي وهو أخطر أشكال السيطرة في عصرنا هذا لأنه لا يأتي من الخارج بل ينبت من الداخل كمرض خبيث. هو استعمار يخرج من قلب الوطن نفسه. استعمارٌ لا يرفع علمًا أجنبيًا ولكن تقوده وجوه محلية تبتسم أمام الكاميرات بينما تفتح أبواب البلاد للنهب والفساد.
الدول الطامعة لم تعد مضطرة لاحتلال أي أرض كل ما تحتاجه هو عميل محلي مثل جنرال فاسد أو مليشيا عطشى للدم أو حركة مسلحة تبحث عن نصيبها من الخراب والمال أو نخبة سياسية مستعدة لبيع البلاد فهؤلاء هم الجيش الحقيقي للاستعمار الاستنزافي وجوه محلية ولهجات محلية وشعارات وطنية ثم خيانة لا لبس فيها.
يعتبر هذا النوع من الاستعمار أخطر أشكال السيطرة لأنه لا ينهب الثروات بالقوة بل بالخيانة. والحقيقة التي يجب قولها بلا تردد هي أن المشكلة الحقيقية ليست في المستعمر ولكن في العملاء. هؤلاء الذين يرتدون الزي الوطني ويتحدثون بلهجة أهل البلد ويقسمون على حماية الوطن ثم يبيعونه في أول صفقة. هؤلاء الذين يرفعون شعارات الوطنية بينما يوقعون في الخفاء على اتفاقيات تسليم موارد البلاد لمن صنعهم. هؤلاء الذين يقتلون أبناء وطنهم ليحموا كراسيهم ويحموا ملفات فسادهم ويحموا المستعمر الذي يقف خلفهم.
يتم اختيار العملاء من أسوأ ما أنجبت البلاد ممن يملكون تاريخًا أسود وضمائر ميتة وملفات فساد تكفي لابتزازهم مدى الحياة. ثم يدفعون إلى السلطة ويفتح لهم باب النهب ويتركون ليغرقوا في الجرائم حتى يصبحوا عبيدًا لمن صنعهم. وهكذا يصبحون أدوات التنفيذ والمدخل الرئيسي للاستعمار الاستنزافي فالمستعمر لا يحتاج إلى دبابة طالما لديه جنرال فاسد ولا يحتاج إلى احتلال طالما لديه مليشيا نهمة ولا يحتاج إلى مفاوضات طالما لديه نخبة سياسية مستعدة لبيع كل شيء مقابل البقاء.
ثم تبدأ الحرب القذرة والتي عادة ما تشمل اتفاقيات سرية تقسّم الثروة وعقود تكتب في الظلام وبطانة من المنتفعين تصفق وبلد ينهب أمام أعين الجميع. فتتحول الجيوش إلى شركات والمليشيات إلى تجار والقيادات الدينية والقبلية إلى أدوات شراء وبيع ويصبح كل شيء قابل للبيع إلا الشعب فهو وحده الذي يترك ليدفع الثمن.
أما العملاء فهم لا يكتفون بالخيانة، بل يضيفون إليها القمع والنهب وتفكيك المجتمع وإشعال الصراعات القبلية وتدمير مؤسسات الدولة. يفعلون كل ذلك لأنهم يعرفون أن سقوطهم يعني محاسبتهم ويعرفون أيضا أن المستعمر يعرف أنهم بلا قيمة إلا بقدر ما يقدمونه من خراب ودمار وفساد.
أما الدول الطامعة فتقف على المسرح بوجوه متعددة، ولكن بحقيقة واضحة هي أن الجميع متفقون على شيء واحد إبقاء الفوضى حيّة وإبقاء الموارد تتدفق وإبقاء العملاء في مواقعهم حتى آخر قطرة. فيصبح الوطن ساحة للفوضى والدمار حروب داخلية تدار بالريموت كنترول وجيوش تقاتل شعوبها بدلًا من حمايتها ومليشيات تشعل النار ثم تتظاهر بإطفائها وروابط اجتماعية تفكّك عمدًا حتى يصبح الوطن هشًا وقابلًا للنهب بلا مقاومة.
لكن هناك حقيقة واحدة يخشاها العملاء والمستعمرون معًا وهي أن الشعوب حين تستيقظ تسقط كل الأقنعة. لا عميل يستطيع الصمود أمام شعب يعرف أن وطنه يباع ولا مستعمر يستطيع حماية نظام فقد شرعيته ولا اتفاقية سرية تستطيع إخفاء الحقيقة حين يقرر الشعب أن يقول كلمته.
التحرر من هذا النوع من الاستعمار يبدأ من الداخل من كشف العملاء وفضح شبكاتهم وقطع الطريق على فسادهم واستعادة القرار الوطني من أيدي من باعوه. فالمستعمر لا يستطيع أن ينهب وطنًا إلا إذا وجد من يفتح له الباب والشعوب حين تغضب تغلق كل الأبواب على المستعمرين فلا مستعمر يستطيع إيقاف شعب يعرف أن كرامته تسرق ولا عميل يستطيع الصمود أمام موجة غضب تعرف أن الوطن يباع قطعةً قطعة. ولا اتفاقية سرية تستطيع حماية نظام قرر الشعب ازالته.
التحرر من هذا النوع من الاستعمار ليس خيارًا سياسيًا فقط هو أيضا معركة وجود والشعوب وحدها هي من تستطيع وقف النزيف واستعادة الموارد وإسقاط العملاء وإعادة بناء الدولة على أسس لا تباع ولا تشترى.
وحين تقرر الشعوب أن تستعيد أوطانها سيسقط المستعمر ويهرب العميل ويبقى الوطن.
abdalla_gaafar@yahoo.com
