مختار العوض موسى
ليست كل الحروب تُقاس بعدد القتلى والجرحى، ولا بحجم الدمار الذي تلتقطه عدسات الكاميرات؛ وتبثه القنوات الفضائية؛ فثمة أوجاع أكبر من أن توثق أو يتم الإعلان عنها؛ تظل حبيسة الصمت، وثمة حقائق تتوارى خلف ضجيج السياسة والمعارك؛ وفي حرب السودان، هناك الكثير مما لم يُقل بعد؛ الكثير من الملفات التي ما تزال مؤجلة خوفًا أو حياءً أو مراعاةً للحسابات السياسية والاجتماعية.
المسكوت عنه في هذه الحرب ليس فقط حجم الخراب الذي أصاب المدن والبنى التحتية، بل ذلك التآكل البطيء في روح المجتمع السوداني ذاته؛ ذلك الشرخ العميق الذي أصاب الثقة بين الناس، وأعاد إنتاج خطاب الكراهية والجهوية والقبلية بصورة مخيفة، حتى صار بعض السودانيين ينظرون إلى بعضهم البعض بعين الريبة لا بعين المواطنة المشتركة.
المسكوت عنه هو حجم الانهيار النفسي الذي أصاب ملايين الأسر التي فقدت الأمان والاستقرار. آلاف الأطفال الذين استيقظوا على أصوات الرصاص بدل أجراس المدارس، والنساء اللائي يحملن ذاكرة ثقيلة من الخوف والنزوح والفقد، والشباب الذين تحولت أحلامهم إلى مجرد محاولة للبقاء على قيد الحياة.
المسكوت عنه أيضًا أن الحرب لم تسرق الأرواح فقط، بل سرقت الزمن السوداني نفسه؛ أعادت البلاد سنوات طويلة إلى الوراء، وأوقفت مشاريع التنمية والتعليم والصحة، ودفعت بالكفاءات والعقول إلى الهجرة القسرية، حتى أصبح النزيف البشري أحد أخطر تداعيات الحرب وأكثرها صمتًا.
ومن أكثر القضايا التي لم تُناقش بجرأة كافية، ذلك التدهور الأخلاقي الذي تفرضه الحروب عادة؛ حين يصبح مشهد الموت مألوفًا، ويعتاد الناس على أخبار المجازر والنزوح والجوع، فتبهت الحساسية الإنسانية تدريجيًا. إن أخطر ما تفعله الحرب ليس فقط قتل الإنسان، بل تعويد الإنسان على القتل.
كما أن المسكوت عنه يشمل تقصير المجتمع الدولي الذي اكتفى غالبًا ببيانات القلق والدعوات إلى التهدئة، بينما ظل المدني السوداني يدفع وحده فاتورة الصراع. فالسودان، رغم كارثته الإنسانية الهائلة، لم يحظَ بالاهتمام الدولي الذي يوازي حجم المأساة؛ في وقت لا زال يستمر فيه النمط المتعنت من الهجمات التي تشنها مليشيا الدعم السريع بطريقة تعكس ثقة الجناة في الإفلات من العقاب، لا سيما مع تقاعس المنظومة الدولية عن اتخاذ أي إجراءات وتدابير رادعة وحاسمة لمحاسبة هذه المليشيا على الانتهاكات الخطيرة وغير المسبوقة التي ارتكبتها منذ بدء النزاع، وخصوصًا تلك التي أعقبت استيلائها على مدينة الفاشر في أكتوبر 2025؛ فإذا تمعنا في أنواع وطبيعة الأسلحة التي باتت تستخدمها هذه المليشيا في استهداف المدنيين، يتأكد لنا أنّ جزءًا من هجماتها لا تنفذ عشوائيًا، وإنما على نحو متعمد ومع وجود نيّة مسبقة بالإضرار بالمدنيين وممتلكاتهم، خصوصًا أن هذه المليشيا تمتلك وسائط رصد وطائرات مسيرة هجومية وانتحارية مزودة بتجهيزات تقنية تتيح للمشغّلين التحقق من طبيعة الهدف بوضوح قبل اتخاذ قرار الاستهداف، وهو ما يرقى إلى جرائم القتل العمد واستهداف المدنيين والأعيان المدنية على نحو مباشر؛ كما أن المليشيا باتت تستخدم المسيّرات كأداة منهجية لبث الرعب بين السكان المدنيين؛ حيث يشير هذا النمط المتكرر لاستهدافهم في المنازل والأسواق إلى أنّ الهدف من ذلك يتجاوز إيقاع خسائر في الأرواح والممتلكات إلى إشاعة بيئة من انعدام الأمان تؤدي لتعطيل المرافق والخدمات الأساسية، وتخلق واقعًا قهرًيا يدفع المدنيين إلى النزوح القسري، وهو ما يضاعف من هشاشة الوضع الإنساني ويزيد من معاناة الفئات المستضعفة، لا سيما النساء والأطفال.
وفي خضم كل ذلك، يبقى السؤال الأكثر إيلامًا: ماذا بعد الحرب؟
كيف يمكن إعادة ترميم وطن أنهكته البنادق، وإعادة بناء الثقة بين مكوناته الاجتماعية، وإقناع طفل فقد منزله وأباه بأن المستقبل ما يزال ممكنًا؟
إن أخطر ما في الحروب ليس ما يُقال عنها، بل ما يُسكت عنه. لأن الصمت الطويل على الجراح العميقة قد يصنع أزمات أكبر من الحرب نفسها. والسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار، بل إلى مشروع وطني شامل يعالج جذور الأزمة، ويعيد الاعتبار لفكرة الوطن الذي يتسع للجميع.
فهل يتعلم السودانيون من هذا الألم الكبير أن الأوطان تُبنى بالعدالة، والمواطنة، والحوار، والوعي بأن لا منتصر حقيقي في الحروب.
والله من وراء القصد
mokhtaralawad@gmail.com
