الدكتور السر أحمد سليمان
أستاذ علم النفس التربوي بجامعة حائل – السعودية
عندما ننظر إلى الألعاب الشعبية التراثية، وننظر إلى السلوك العام في المجتمع السوداني سواء في الأفراح أو الأتراح نلاحظ العناية بالتعاون والعمل الجماعي، والسلوك التشاركي، ويتضح ذلك من خلال سيادة وضعية الدائرة التي نتشكل حولها وننظر من خلالها لبعضنا البعض، ونمسك من خلالها ببعضنا البعض ونتكئ من خلالها على بعضنا البعض.
وقد صور الشاعر الراحل محمد المهدي المجذوب نموذج لإحدى تلك الحلقات في ميدان عبد المنعم في الخرطوم:
وزها ميدان عبد المنعم
ذلك المحسن حياه الغمام
بجموع تلتقي في موسم
والخيام
قد تبرجن وأعلن الهيام
وهنا حلقة شيخ يرجحن
يضرب النوبة ضربا فتئن
وترن
ثم ترفضّ هديراً أو تجن
وحواليها طبول صارخات في الغبار
حولها الحلقة ماجت في مدار
نقزت ملء الليالي
تحت رايات طوال
كسفين ذي سوار
في عباب كالجبال
وتدانت أنفس القوم عناقاً واصطفاقاً
وتساقوا نشوة طابت مذاقاً
وهناك العديد من الأمثلة على الحلقات والجماعيات التشاركية في المجتمع السوداني ومنها: جماعات النفير في الحقول الزراعية، والقرى والفرقان، والتشكيلات الدائرية في الخلوة لتعليم القرآن الكريم، وفي حلقات الذكر والمديح، وفي حفلات الأعراس والمناسبات، وجلسات الأنس في الساحات، وفي الدواوين وفي الحيشان، والاجتماعات الأسرية والعامة. داخل البيوت أو خارجها.
وفي الأمسيات يتحلق الصغار حول الجدات يستمعون للقصص والأحاجي، وينظرون لوجه الجدة وينظرون لبعضهم بعضا، ويتفاعلون مع القصص بصورة جماعية وتعاطف مشترك، والكبار قليلا يتسامرون مع أحد كبار السن متحلقين حوله يقدم لهم الألغاز (الغلوتيات)، ويتحداهم لتقديم الحلول، فتأتي الحلول جماعية، ويشارك فيها كل من الحاضرين بجزئية ما، فيطبقون العصف الذهني في أبهى صوره، ويحلون اللغز بصورة تعاونية تشاركية جماعية، وهكذا في الرياضات البدنية وغيره.
فهذه الدائريات ليست سلوكا وعادات تشكلت بين يوم وليلة، ولم تأت مفروضة من نظام أجنبي، بل كانت تراكما للخبرة المجتمعية المرفودة من مصادر مختلفة من التاريخ الاجتماعي والأعراف والأديان، حتى أصبحت مظهرا اجتماعيا، وقيمة معيارية في المجتمع، وليس غريبا ما نشاهده في تجمعات إفطار رمضان التي نجلس فيها مقابلين لبعضنا بعضا، متشاركين ومقتسمين بيننا ما نملكه من طعام.
ولكن عندما ندخل المدرسة نجلس خلف بعضنا البعض فلا يرى أحدنا وجه الآخر، ولا يتم تعليمنا بالأساليب التعاونية التي تساعدنا في الإضافة على ما لدينا من موروث، فأصبحنا نحل الرياضيات بصورة فردية ونسابق بعضنا البعض ونقوم بواجباتنا المدرسية بصورة فردية لننجز قبل بعضنا البعض، والتعليم يعزز فينا ذلك يوما بعد يوم من خلال التقويم الذي ينمي الفردانية: الأول، المتميز، الخ.
حتى تخرجت النخب التي يعمل كل منها في جزيرة معزولة ليكون هو المتميز، ليكون هو المنقذ. ونمت التنافسية السلبية التي جعلتنا لا نعترف بحلول بعضنا البعض. وصرنا ناجحين في الخارج لوجود الأنظمة والمؤسسية التي نعمل فيها مع فرق العمل الجماعية المختلفة، ولكنا لم ننجح في الداخل لاعتمادنا على الفردانية، وسعينا للتميز الذاتي، والإنجاز الخاص بنا كأفراد، وليس كمنظومات ومؤسسات.
وحتى التشكيلات والمنظومات التي تتمثل في اعتمادها على التشارك والتعاون، مثل الجمعيات المهنية والنقابات، نجدها تشكيلات متقمصة للفردانية بصورة أخرى، فتجد في وزارة واحدة، أو في مؤسسة واحدة، مثلا: عدة نقابات، وكل نقابة ممثلة لفئة محددة متمحورة حول التخصص، أو المستوى الوظيفي، أو الجهات التي تخرجوا منها، وهكذا.
وقد كان ذلك النموذج الفرداني مبررا في السابق نظرا لأنّه كان نظاما تعليميا مستحدثا موروثا من الاستعمار الذي كان يهدف لإعداد بعض النخب الفردية التي تقوم ببعض الوظائف والمهن في دولاب الدولة بصورة آلية مجردة، بحيث أن كلا من الموظفين يعمل كآلة مستقلة، تنتج ما يوكل لها من مهام، سواء في الأعمال الإدارية والمحاسبة أو في التشييد والبناء.
ولكنا لو استندنا على رصيدنا وموروثنا المجتمعي التشاركي وبنينا عليه نظامنا التعليمي كان يمكن أن نحقق أهدافا كثيرة إيجابية، وفي نفس الوقت سوف نتعاون في حل مشكلاتنا واستثمار مواردنا وثرواتنا، كما كان يحدث سابقا في المجتمع على الرغم من أميته القرائية، إلا أنّه عن طريق التعاون والجماعيات استطاع آباؤنا سابقا اصطياد الفهود وتطويع البيئة وبناء السدود. واستطاعت أمهاتنا تعليم بعضهنّ البعض كثيرا من مهارات التجميل وتدبير المنازل ورعاية الأطفال.
والحل ليس سحريا، وليس بعيدا عن يدينا، فيمكن تطوير نظام التعليم من عدة مداخل، وذلك باستخدام التعليم البنائي التشاركي، والتعليم التعاوني، والتعلم الاجتماعي، والعصف الذهني، وتنظيم جلسات الأطفال والطلبة في المدراس في شكل الحلقات أو شكل نصف الدائرة، لتدريسهم وتعليمهم في الساحات أو داخل الفصول، ويمكن إجراء التقويم عن طريق المشروعات وحل المشكلات.
sirkatm@hotmail.com
