كما تعلمون ياسادة ياكرام في داخل البلاد وفي المهاجر أن سنة رابعة حرب لم تأتي باي بشريات في الأفق القريب أو البعيد للذين اناخت عليهم هذه المأساة بكلكلها وحرمتهم من كل شيء حتي الماء والهواء !!..
اكبر دليل علي أن المعارك التي تدور رحاها في كافة الجبهات في طول العالم وعرضه والتي تنقلها لنا الشاشات بكل شراستها التي طالت البشر والحجر نجد رغم عمق المأساة والجرح الغائر في أعمق اعماق النفوس ورغم الخراب غير المسبوق في الممتلكات والأرواح ولسخرية الأقدار نشاهد من يقدمون نشرات الأخبار من الشباب والشابات وهم في قمة الاناقة وقد وصلوا للتو الي الاستديو من ( الكوافير ) ويكاد المشاهد إن يستنشق عبير ماعلق بأجسادهم من برافانات وعطور باريس الغالية ودعك من الازياء للجنسين التي تستورد خصيصا لهما من اشهر بيوت الموضة من روما ، باريس أو لوس انجلوس الامريكيه لايهم !!..
لسنا ضد الموضة أو الجمال أو الحسن بكافة أوجهه ولكن أن يدخل المعزون الي بيت الماتم وهم تكاد تشرق وجوههم من الكريمات والبدل الأنيقة وربطات العنق الساحرة والشعر ( المسبسب ) والأحذية اللامعة المصنوعة من افخم انواع الجلد وبالمقابل ينطبق نفس الأمر علي المسؤولين الكبار وبالطبع علي رأسهم القادة كلهم من غير استثناء لم نري منهم أي إشارة حزن أو دمعة حري تظلل وجوههم اللامعة مثل زهرة الياسمين ، نستثني زيلينيسكي الذي لم يبدل لبسته البسيطة ( التي شيرت ) وقد طاف به معظم العالم ودخل به البيت الأبيض ومجلس العموم البريطاني والأمم المتحدة وخاطب به الاتحاد الأوروبي وتقريباً معظم المنظمات الدولية والإقليمية وكنا نراه متعباً حزينا يحمل هموم بلده ويطوف به في كل مكان يمكن أن يجد فيه حلا وحدا لما يكابده شعبه الطيب من ويلات حرب ضروس لها سبعة رؤوس مثل ( التنين ) .
يا هؤلاء بمقاماتكم السامية رعاة ورعية أما أن لكم أن تفهموا أن الخاسر الوحيد في هذه الحروب هو المواطن المسكين ومن يشعلون هذه الحروب ويصرون علي أن تظل مشتعلة هم تجار ولوردات حرب يحبون بريق الاصفر الرنان وسواد الزيت الصخري ويعشقون المعادن الثمينة والأحجار الكريمة ويحبون الاحتكار والهيمنة علي كل شيء من ذكاء اصطناعي وان تكون هنالك دولا مستضعفة تكون تحت جناحهم يسرقون خيراتها ويسيطرون علي موادها الخام بارخص الأثمان ويصنعون هذه المواد لتعود للمساكين باغلي الأثمان ويبيعون لهم أسلحة لايحتاجونها وأدوية فاسدة ومواد غذائية كلها سرطان وأمراض قاتلة !!..
اود أن أقول إن الشعب شرقا و غربا أصبح لابواكي عليه وان من بيدهم القرار والحل والعقد لو دققنا في تصرفاتهم ومهما ظهر علي قسماتهم كذبا وزورا بأنهم علي طرفي نقيض نجدهم جميعا في الغرف المغلقة تكاد وجهات نظرهم متطابقة تماما تظللهم الابتسامات وعلامات الرضا والقفشات خفيفة الظل وبعد الخروج للهواء الطلق وللمؤتمرات الصحفية نسمع معسول الكلام والحب الدافق للشعوب وان الهدنة قادمة وراجحة وان ساحات المعارك ستتحول الي حقول صفراء من القمح المذهب وستشبع دول العالم الثالث وستكون ممرات التجارة مفتوحة علي مصراعيها لينعم العالم شماله وجنوبه غنيه وفقيره بتدفق البضائع والأموال في سهولة ويسر وستختفي الي الابد كلمات مثل استعمار واستحمار واستنواق واباحة أعيان مدنية وستذوب مثل الشمع سجون ( ابوغريب وجوانتانامو ) وغيرها من هذه المعتقلات القبيحة التي مات فيها من مات ولم تخرج منها غير الرفات ودفن فيها احياء والكثيرون عاشوا بين جدرانها سنين عددا من غير كفاءة أو أهلية ولاحتي هوية بل كانوا مجرد ارقام !!..
نعود لقصة صديقنا عبد الصبور وهو من بني السودان يقول في روايته للتاريخ والجغرافيا وحقوق الإنسان : ( الحي الذي سكناه في العاصمة القومية يتميز بالعراقة والأصالة وطيبة ونقاء الجيران واللقاء مع اهل الحي يجمعهم في الافراح والاتراح وفي المخبز والبقالة وعند الجزار وفي ميدان كرة القدم وفي الندوات الثقافية داخل الحي السعيد بأبنائه المحتفي بضيوفه ويجد منهم عابر السبيل كل ترحاب واجمل مقابلة حتي يغادر وهو غرير العين هانئا مطمئنا ) !!..
( وفي هذا اليوم الصعب الذي لن ينساه أي منا ويظل محفورا في الذاكرة لسنين قادمة طويلة ليس لها غرار !!.. صحونا علي لعلة الرصاص ودوي المدافع وازيز الطائرات … خرجت للشارع لاستكشاف هذا التحول الدراماتيكي المر … وهالني وكان الأرض قد انشقت وابتلعت الجميع حتي الشرطة لم نري لها أي أثر وأصبح المسرح امامي عبارة عن مواتر سريعة تتحرك مابين الجسر ووسط المدينة عند محطة الحافلات الشهيرة والسوق المعروف وقد بات المكان خاليا تماما يلفه السكون !!..
( يبدو من أشكال الذين يمتطون هذه المواتر أنهم من الغرباء بحكم هذه العمامة الغليظة القبيحة داكنة اللون والتي يبدو أنها ظلت علي حالها منذ أعوام واعوام دون أن تري الماء أو تستنشق رائحة الصابون ) !!..
مازال عبدالصبور يواصل روايته التي تجسد قمة الروع والخوف والترقب والنظر في المجهول وانسداد الأفق منذ صافرة البداية !!..
( دخلت البيت واغلقنا علينا الباب وعشنا من الوساوس والذي جري من رعب لم نشهده من قبل و قد مضت عليه فقط سويعات ولا يوجد ثمة شخص داخل الحي يفهم الحاصل ولسان حاله يقول هذه هي المناظر فكيف يكون الفلم ) ؟!
( سيداتي سادتي قبل أن نتعرف علي ردود فعل اهلنا في الأحياء الأخري وفي بقية المناطق من عاصمتنا القومية المترامية الأطراف ولعل مع هذه الأحداث المستجدة غير المحببة أن الاتصالات من تلفون وانترنت كلها أصبحت في خبر كان ) !!..
( احبتي الاعزاء أفيدكم بأن الحي الذي نسكنه يقع قرب موضع حساس أوكلت حراسته لهؤلاء الغرباء ذوي العمائم الغليظة الذين يتحدث بعضهم لغة أوروبية معروفة ومعروف عنهم الصوت الاجش وعدم الاوتوكيت وتصرفاتهم لا يمكن التنبؤ بها وكانوا الي ماقبل إندلاع الشرارة سمنا علي عسل وفي قمة التناغم مع المنظومة الأمنية للبلاد يأكلون معهم في صحن واحد ولا ندري حتي الآن من خان الملح والملاح ) !!..
( بعد شهر كامل مضي مشي كما يمشي الوجي الوحل وكاد أزيز الطائرات الذي يمر مباشرة فوق رؤوس منازلنا في هذا الحي العريق الذي سكناه سنينا عددا في أمن وامان … خرجنا من المنزل واظننا كنا آخر من يخرج وقد سبقنا الكثير من أهل الحي لبداية مارثون الضياع … كنا نقول لأنفسنا لو افلتنا من دانة تقع علي ام راسنا فإننا حتما لن نسلم من الصمم بسبب دوي الرعود الصادر من الطائرات التي تزرع الفضاء جيئة وذهابا وهي تحاول اخراج حراس المكان الحساس الذي أوكلت لهم مهمة حراسته وقد انتهت مراسم شهر العسل بين المرابطين داخل الموقع الحساس والمهاجمين بضراوة لاخراجهم أو دفنهم احياء في مقابر غير المقابر التي تعارف عليها الناس وقد أصبحت كتير من المرافق مثل المدارس والجامعات ووسط الاحياء مثوي اخيرا لمن لقي نحبه بالراجمات والصواريخ وهذه مأساة تضاف لمسرح اللامعقول الذي لف أرض الوطن وحتي إكرام الميت ومعالجة الجريح أصبحت من المستحيلات الشوارع خالية من سيارات الإسعاف والمشافي صارت لها وظيفة جديدة وقد تحولت إلي عنابر لسكني المحاربين ومكاتب لإدارة العمليات ) :
( بعد شهر كامل من مسلسل هذا الرعب المتواصل تركنا البيت رغم انفنا وتوجهنا الي حي آخر أقل خطورة ونزلنا اهلا وسهلا مع ذوي عشيرتنا وكان الموقف أكثر أمنا علي الاقل كانت المستلزمات المنزلية من حليب وخضر ولحم وخبز متوفرة وحتي ميدان الكرة كان الشباب يمارسون رياضتهم في رضا تتخلله بعض الأصوات القوية والانفجارات المزعجة وارتفاع ألسنة اللهب من شرق النيل ومن شمال مقرنا الجديد ولكن الحي كان سالما من المفرقعات ومن الأسلحة الفتاكة من اي نوع !!..
( ولكن يبدو ونحن ننعم بحياة هي أحسن حالا من غيرنا في بقية الاحياء يبدو أن الحرب بدأت تمدد رجليها نحونا ولا تريد أن تترك أي مواطن في بلادنا الحبيبة أن ينعم باي لحظات صفاء وصار الحي الذي رحلنا إليه مثل غيره اقتربت منه آلة الدمار والقتل والخوف والترقب … ومن هنا جاء القرار باللجوء الي دول الجوار وقررنا السفر الي أرض الكنانه وكنا نشعر منذ البداية أننا سنكون في أيد أمينة هنالك ولم يخذلنا أهل مصر وقد كانوا عند حسن الظن بهم وحملونا علي كف الراحة الي اليوم والحرب قد قفزت الي السنة الرابعة ولم تشبع بعد من أكل الاخضر واليابس واهلاك الحرث والنسل وتخريب البنية التحتية وتعميم الفوضي ) !!..
اخوتي الكرام في الحلقة القادمة ساحكي لكم عن الخروج من البلاد الحبيبة وكيف أننا اغلقنا ابواب بيتنا لآخر مرة بعد شهر بالضبط من إندلاع الشرارة وحملنا معنا حقائب سفر عادية تحوي مجرد غيارات ونسي البعض منا حتي أوراقهم الثبوتية ظنا أنها كلها فترة اسبوع او اسبوعين علي الاكثر وبعدها سنعود للوطن الحبيب … ولكن اتت الرياح بما لا تشتهي السفن وقد امتدت الغيبة حتي هذا اليوم ٢٠٢٦/٥/١٩ الي اربع سنوات بالتمام و الكمال والحرب مع المسيرات وعدم اهتمام العالم بنا … هذا العالم الذي كل تركيزه علي مضيق هرمز ومفاوضات بلا نهاية مع الرجوع الي حرب اوكرانيا وغزة أما حرب السودان فقد نسيها الجميع بمن في ذلك أهل الوجعة أهل السودان أنفسهم الذين مازالوا فرقا وجزر معزولة يمسك بعضهم فوق خناق بعض وكأنهم في خلاف كروي بين أنصار فريقين من فرق المقدمة ) !!..
لا تنسوا موعدنا إن شاء الله مع الحلقة القادمة التي أصبح فيها بيتنا محتلا علي يد أسرة نازحة تحكرت فيه لأكثر من ثلاث سنوات ورفضت أي تفاوض معنا للخروج من حر بيتنا التي اعتبرته ملكا خالصا ورثته من اجدادها الغر الميامين !!..
حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم يقيم في مصر الشقيقة ولا يعتبر نفسه لاجئا .
ghamedalneil@gmail.com
