لا أدري… لعلّ حدسي دائمًا ما ينير لي طريق ظلٍ جديد. نعم، هو ذاك الحدس الذي لا يخذل توقّعاتك، يتركك في مفترق طرق، فتشاهد ما دار في خلدك يتحقّق خطوةً إثر خطوة… ترنو الدقائق، ويتأرجح المشي بين لحظاتها، لتكافئ إلهامك: أنك هنا، وأنني هنا… لا زلت أتنفّس!
قلتها كثيرًا: إنني أكتب لأحيا، وأنني ابنة الحرف. فالكتابة بالنسبة لي رئة وشريان. وإن كنت أحيانًا أختنق، فلأن مشاغل الحياة دفعتني جانبًا، غير أنني أجاهد كثيرًا لأصل إلى مرفأ البوح مرة أخرى…
وأن تكتب يعني أن يتسع صدرك للآخر، أن تحمل في كنهك مضامين التسامح والإخاء والاحترام دون تكلف. غير أنني، في عزّ رهافتي تلك، أصطدم بمن يفترض أن كل شيء يدور حسب نظمه وأهوائه؛ أن يقذف بسوء ظنه، أن يجلس في كرسي عليائه ويصوغ الكلمات وفقًا لرغباته، وأن يقف على ضفة النقد متحصنًا بحرية الفكر والرأي، وربما التقويم… بيد أنه، في خضم جلبته تلك، قد جانب صواب الحكاية، وجعل من نفسه مادةً لمقام جديد تُضاف إلى سلسلة “أكتب لأحيا”.
كنتُ سابقًا أقول إنني أكتب لأحيا، أما الآن فأحمل جنينَ حلم، أهدهده وأستمتع بكل برهةٍ بصحبته، وأكافئ حاجتي للبوح بقربه، فأكتب لأحيا من جديد. فالنص ليس كلمات تُلقى ثم تُنسى، بل جنينٌ يتكوّن في عتمة الروح، يكبر على مهل، ويتغذّى من قلقك وخوفك ودهشتك الأولى. تراه يتشكّل أمامك، تُنصت لنبضه، وتتهيّب لحظة خروجه إلى العالم… وحين يخرج، لا يعود لك تمامًا؛ يصير كائنًا حرًّا، يُقرأ ويُؤوَّل، وقد يُساء فهمه أو يُحمَّل بما لم تقصده، فتقف أمامه بين رغبة الدفاع عنه وإدراك أنك فقدت حق السيطرة عليه منذ لحظة ولادته، ثم تتركه يمضي… في انفصالٍ جميلٍ ومؤلم، في سبيل المعرفة.
القارئ، ما هو إلا مرايا متعددة؛ منها ما يعكس النور، ومنها ما يكسره إلى ظلال بعيدة عن المقصود الأول. فكل قراءة هي إعادة تشكيل للنص داخل ذات القارئ وفق خبرته وظنه، ليصبح النص مساحة مفتوحة للدهشة وسوء الفهم معًا، بين ما أراده الكاتب وما رآه القارئ.
أن تقرأ يعني أن تفهم، أن ترتقي، أن ترى الكون بعينٍ تتسع لدهشة الحرف، وأن تبحث عن الجمال بعين مجهر.
غير أن بعض القراءات تتعامل مع النص بوصفه مادةً سريعة الالتقاط؛ تمرّ على العناوين، تلامس البداية، تقفز إلى منتصف الحكاية ثم تستعجل النهاية… وعلى هذا التقطيع العابر يُبنى حكمٌ كامل، يُظن معه أنه أمسك بتلابيب الحكاية.
وبهذا تتشكل قراءة تميل إلى الحسم، وتُسرع إلى التصنيف: هذا صواب وذاك خطأ، هذا ينجح وذاك يفتقر، بل وقد تمضي أبعد من ذلك فتنسب النص إلى غيره، أو تُحمّله ما لم يُكتب فيه، فتبتعد عن جوهر الحكاية وتنشغل بظلالها أكثر من نورها.
حينها يتجاوز القارئ النص إلى صاحبه؛ فيُعاد تشكيل العمل وفق توقعات سابقة، وتتحول الكلمات من اختلاف في القراءة إلى اختلاف في زاوية النظر لفعل الكتابة نفسه: هل هو مساحة مفتوحة للتأويل… أم قالب ينتظر أن يُملأ بما اعتدناه؟
ولعلّ ما يثقل الأمر حقًا تلك اللحظة التي يغادر فيها القارئ النص ليقف عند صاحبه، فيُعيد تشكيله على مقاسه، ويُلقّنه ما ينبغي أن يقول، ويُسكت ما اختار أن يهمس به؛ فتتراجع القراءة من كونها فعل اكتشاف إلى محاولة للامتلاك.
هناك كُتّاب يختارون الردّ، فيدخلون في الجدل، ويفتحون معارك شرح وتبرير، غير أن جمالية النص تدافع عن نفسها. وهناك كُتّاب آخرون يختارون الصمت، إدراكًا أن بعض القراءات لا تُناقش، وأن الرد أحيانًا يمنح الهجوم عمرًا أطول. وبين هذا وذاك، يبقى الكاتب واقفًا أمام السؤالٍ: هل يربح حين يشرح نفسه؟ أم يخسر شيئًا من هيبته حين يبرّر حضوره؟
والكاتب، إن انتفخ غرورًا، قد يضلّ طريقه قبل نصّه، إذ يصبح الحرف وسيلة سلطةٍ وحكمٍ لاذع؛ فالحرف يقود أمة، يفتح أبوابًا، ويعلّق خلافًا في رقبة النسيان. وأيضًا، إن دخل في دائرة التبرير والجدل، وجاهد ليُثبت رأيه، انكسرت هيبته، وتحوّل حضوره من إبداعٍ يُقرأ إلى موقفٍ يُدافع عنه. ومع ذلك، فإن الصبر على الأذى ليس فضيلة سهلة؛ إنه عبءٌ ثقيل قد يخنق همس النصوص، ويؤخر خروجها إلى العلن، خوفًا من يدّ رقيبٍ متلصّص. ومع هذا، أدركتُ مؤخرًا أن الصمت ليس نجاةً مطلقة؛ فقد يُساء فهمه، فيُقرأ على أنه ضعف، وأحيانًا يُحوَّل إلى مادة سخرية وإثباتٍ للاتهام.
فهل ما يواجهه الكاتب من إرهاق المترصّدين يقلّل من منجزه الأدبي؟ وهل تتساوى درجات التحمل عند كل الكُتّاب؟
لربما، كلما نضجتُ وكبرتُ، تعلّمتُ ألا ألتفت إلى الآخرين، وتيقّنت أن الإنصات أبقى من الحديث، وأن الأشياء ليست ثابتة على حال؛ فزوال الأحوال معلوم، تمامًا ككرامة الأولياء. أما مسلك المقامات، فهو ترقٍ ثابت يأتي بالمجاهدة والصبر… وأكتب لأحيا، لأظل هنا بين المدّ والجزر، والآه والدمعة، والفرح والنبض، لأنهل من غيثٍ يمنحني الأمان… فشكرًا لكل من ربت على قلقي، ودعمني، وكان لي سندًا ومعينًا، وعينًا بصيرة، وزادًا لميعادٍ أجمل.
د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com
