بقلم: السر جميل
لا تكاد تخلو مسيرة أمة من كبوات، لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب – على فظاعتها – قد تكون نقطة الصفر الإيجابية التي تولد منها المعجزات إذا ما توفرت الإرادة الوطنية الخالصة. اليوم، يمر السودان بأحد أصعب العقود في تاريخه المعاصر، حرب طالت الأخضر واليابس، وهجّرت العقول، ودمرت البنى التحتية. ومع ذلك، فإن السؤال الجوهري ليس “متى تنتهي الحرب؟” بل “كيف سينهض السودانيون بعد الحرب؟”.
الخطوة الأولى في طريق الوعي هي فض الاشتباك مع الوهم؛ فلا توجد دولة في العالم ستبني دولة أخرى مجاناً، والتاريخ الحديث لم يسجل حالة واحدة أعادت فيها المعونات الخارجية بناء وطن دون أجندة سياسية أو اقتصادية خفية تكبل سيادته. إن الاعتماد على الهبات الدولية هو تمديد للأزمة لا علاج لها. أبناء الوطن وحدهم، بسواعدهم وعقولهم ومدخراتهم، هم من يملكون حق الإعمار وواجب التنفيذ.
الدروس المستفادة كيف تولد الأمم من رماد الفناء؟
عندما نتأمل تجارب الأمم التي دُمرت بالكامل، نجد قواسم مشتركة شكلت طوق النجاة لها:
ألمانيا، الإنسان كقيمة إنتاجية، خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الثانية مدمرة بالكامل، ونظراً للنقص الحاد في أعداد الرجال، استثمرت الدولة في الفرد بما في ذلك النساء عبر التدريب المهني والتعليم التقني العالي. ولم تنتظر معجزة، بل طبقت اقتصاد السوق الاجتماعي والإصلاح النقدي الجذري عام 1948، ودعمت المشاريع الصغيرة لتصبح المغذي الأساسي للشركات الكبرى، وتحول شعار صنع في ألمانيا إلى مرادف للجودة العالمية.
اليابان، الابتكار والتنظيم الجذري، من ركام القنبلة الذرية، نهضت اليابان بتفكيك الاحتكارات القديمة وتطبيق إصلاح زراعي شامل وزع الأرض على الفلاحين فخلق طبقة متوسطة قوية. تحولت اليابان إلى السلع الاستهلاكية فائقة الجودة وعبر نظام “كايزن” (التحسين المستمر) والاستثمار المكثف في تعليم العلوم والرياضيات، غدت قوة اقتصادية مرعبة مستندة على أخلاقيات عمل صارمة.
رواندا، العدالة والمصالحة الشاملة، بعد إبادة جماعية عام 1994 حصدت أرواح قرابة المليون إنسان، ألغت رواندا التصنيفات العرقية تماماً، واعتمدت محاكم “الغاكاكا” الشعبية لتحقيق المصالحة لا الانتقام. ركزت على محاربة الفساد بصرامة فولدت دولة رقمية سياحية وتنموية تعد الأسرع نمواً في إفريقيا.
خارطة الطريق السودانية، من أين تبدأ النهضة؟
إن إسقاط هذه التجارب على الواقع السوداني يقتضي صياغة استراتيجية وطنية واضحة المعالم، ترتكز على محاور لا تقبل التأجيل.
أولاً: المصالحة الوطنية الشاملة وعودة الطيور المهاجرة
لا تنمية بلا استقرار، ولا استقرار بلا سلم اجتماعي حقيقي. يجب على السودانيين تجاوز مرارات الحرب عبر عدالة انتقالية ومصالحة وطنية تعلي الهوية السودانية الجامعة فوق أي انتماء قبلي أو جهوي. هذا المناخ الآمن هو الضمانة الوحيدة لعودة ملايين السودانيين المغتربين والمهجرين من أصحاب الكفاءات ورؤوس الأموال، والذين يمثلون النفط الحقيقي للسودان القادم.
ثانياً: الاستثمار النوعي في التعليم والقوى العاملة
التعليم هو نقطة الارتكاز. لا نقصد هنا التعليم التلقيني التقليدي، بل الاستثمار الجذري في التعليم التقني، المهني، والتكنولوجي. السودان بحاجة إلى جيوش من الفنيين، والمهندسين، والزراعيين، والكوادر المهنية القادرة على تشغيل ماكينات البناء. يجب إعادة صياغة المناهج لتركز على الابتكار، والبحث العلمي، وغرس أخلاقيات الإنتاج والانضباط.
ثالثاً: الزراعة بوابة الانطلاق، والصناعة درع النهضة
يمتلك السودان ملايين الفدادين الصالحة للزراعة وثروة حيوانية هائلة، وهي الميزة التنافسية الأخطر. البداية يجب أن تكون من إصلاح زراعي شامل، عبر إدخال الميكنة الحديثة، وتطوير سلاسل الإمداد، ودعم صغار المزارعين.
لكن الزراعة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون الجسر نحو التصنيع (الصناعات التحويلية). بدلاً من تصدير القطن والماشية والمحاصيل كأشكال خام بأسعار زهيدة، يجب تصنيعها محلياً لرفع قيمتها المضافة، وخلق ملايين فرص العمل للشباب، وجلب العملات الأجنبية عبر التصدير.
أخيرا القرار بأيدينا إن معركة البناء والإعمار لا تقل شراسة عن معركة الدفاع عن الوطن. لن يمد أحد يده لانتشالنا إن لم ننتشل أنفسنا. لقد أثبتت تجارب ألمانيا، واليابان، ورواندا أن الإرادة الوطنية والاعتماد على الذات هي الوقود الوحيد لصناعة المعجزات. إن النهضة السودانية ليست حلماً مستحيلاً، بل هي ضرورة حتمية، تبدأ بوعي الفرد، وتمر عبر التعليم والزراعة، وتكتمل بوحدة الصف، ليعود السودان كما كان، سلة غذاء العالم، ومنارة المجد في القارة السمراء.
elsir90@hotmail.com
