كتب الدكتور عزيز سليمان
أستاذ السياسة والسياسات العامة
في الحروب، لا تموت الحقيقة، لكنها كثيرًا ما تُؤجَّل. تظل كامنة في صدور من رأوا وشاركوا وانسحبوا، إلى أن يأتي وقت تصبح فيه تلك الشهادات أثقل من الرصاص. اليوم، ومع خروج عناصر من الجنجويد عن صفوفهم، نحن أمام مادة من نوع مختلف؛ ليست مجرد روايات، بل مفاتيح يمكن أن تفتح أبواب العدالة إن أُحسن استخدامها.
المعلومات التي قدمها عناصر الجنجويد المنشقين لا ينبغي أن تُستهلك في التداول السياسي أو الإعلامي السريع. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تُنقل من فضاء الاتهام العام إلى بنية قانونية محكمة، تُبنى بعناية وتُقدَّم إلى الجهات المختصة باعتبارها وقائع داعمة لشكوى رسمية تتعلق بالعدوان على السودان، وما يرتبط به من أدوار إقليمية معقدة، من بينها ما يُثار حول دور دولة الإمارات.
لكن اختزال القضية في طرف واحد لا يخدم الحقيقة ولا يقوي الملف. فالحروب الحديثة لا تُدار بخط مستقيم. هناك طرق، وممرات، وسلاسل إمداد طويلة تمر عبر دول وحدود وموانئ ومطارات. السلاح لا يصل وحده، والمرتزقة لا يعبرون بلا تسهيلات. ولهذا، فإن أي دعوى جادة يجب أن تنظر إلى الصورة كاملة: من أطلق، ومن موّل، ومن سهّل، ومن غضّ الطرف. هنا فقط تكتمل المسؤولية، وهنا فقط تكتسب القضية وزنها الحقيقي.
غير أن المشكلة ليست في توفر الوقائع، بل في كيفية إدارتها. التجربة السودانية السابقة في مقاضاة دولة الإمارات تركت انطباعًا صعبًا؛ ليس لأن القضية كانت ضعيفة، بل لأن إعدادها لم يكن في مستوى تعقيدها. الملفات الدولية لا تُدار بالحماسة، بل بالدقة، ولا تُكسب بالخطابة، بل بالصياغة المحكمة، وجمع الأدلة، وفهم أين تُقدَّم وكيف تُبنى خطوة خطوة.
لهذا السبب تحديدًا، يصبح اللجوء إلى بيوتات قانونية دولية متخصصة خطوة منطقية، بل ضرورية. هذه المؤسسات لا تعمل بالحدس، بل بمنهج مجرَّب. تعرف كيف تُحوِّل شهادة منشق إلى “شاهد ملك” بالمعنى القانوني الكامل، وكيف تُربط أقواله بسلاسل إمداد موثقة، وكيف تُقدَّم القضية بطريقة تجعل القاضي يرى الصورة كما هي، لا كما تُروى في المنابر.
وقد يبدو للبعض أن في ذلك انتقاصًا من الكفاءات الوطنية، لكنه في الحقيقة اعتراف بطبيعة المعركة. هذه ليست قضية محلية، بل نزاع يتقاطع فيه القانون الدولي مع السياسة والاقتصاد والأمن. ومن يخوض مثل هذه المعارك دون أدواتها الكاملة، يخاطر بخسارة ما هو أكثر من الدعوى نفسها.
أما شهادات المنشقين، فهي نقطة البداية فقط. قيمتها لا تكمن في ما تقوله، بل في ما يمكن أن تُثبت. كل إفادة تحتاج إلى ما يعضدها: وثيقة، تسجيل، مسار حركة، توقيت، أو حتى شهادة أخرى تتقاطع معها. بهذه الطريقة، تتحول الرواية إلى دليل، والدليل إلى حجة، والحجة إلى أساس يمكن أن يُبنى عليه حكم.
في النهاية، المسألة ليست مجرد رفع دعوى، بل استعادة زمام المبادرة. أن ينتقل السودان من موقع من يتلقى الأحداث إلى موقع من يعيد ترتيبها قانونيًا، ويضعها أمام العالم بصيغة لا تحتمل التجاهل. الطريق ليس قصيرًا، ولا مضمونًا بالكامل، لكنه يصبح أكثر صلابة عندما يُبنى على معرفة دقيقة، وخبرة حقيقية، واستفادة صريحة من دروس الماضي.
الحقيقة موجودة. ما ينقصها هو الإطار الذي يحميها، ويُحسن تقديمها.
د.عزيز سليمان
quincysjones@hotmail.com
