د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
المملكة المتحدة
رحل اليوم سريعاً كالطيف عنا ودنيانا الزائلة مجذوب ود الحسن ود أونسة ود فاطمة ورحلت معه بهجة الدنيا التي كان يجمعنا فيها بحكم صلة الرحم أسرة واحدة على صعيد واحد. كنا نلتف حوله “كحيران” الخلوة وشيخهم يتوسطهم. رحل أخونا وحبيبنا وصديقنا مجذوب الظريف الشفيف البريء السوداني ابن الأصول والطيبة والرحابة في كل شيء. لقد فجعتنا هذه المصيبة الكبيرة المأساوية. لا نقول غير “إنا لله وإنا إليه راجعون”. كنا نلتقي بمجذوب في كل زيارة للسودان وكنّا نحتفل وتحتفي بنا الأسرة الموقرة وهو يمتعنا باغاني التراث وأغاني أهلنا من شعر حبوباتنا في بربر رحمهن الله.
الفقيد الأخ الحبيب والصديق الذي كان يحبنا ويقدرنا ويعزنا ويجاملنا مجذوب الحسن أونسة. يستقبلنا فرحا مسرورا يحيينا ب”يالرحتوا طولتو ، أنتو وين ، وين إنتو”، رقيقاً في مشاعره ، كان يبكي بحرارة وهو يغني لنا ختام الوداع “نسانا حبيبنا الما منظور ينسانا” فنبكي معه ونذرف الدموع عندما يردد “حبيبنا الغالي شوقو،…. وتسيل دمعتنا” فنتوادع على أمل اللقاء، ونقول له لكي يطمئن “هل حدي ينسى نفسه؟”. الموت حق يا المجذوب، هكذا سريعا وعلى غفلة قد جذبك وأخرجك من دنيانا الفانية. ما أصعبه عندما يكون نتيجة حادث سير مأساوي وفي زمن الناس أصلا فيه قد عانت من ويلات حرب ضروس لا دخل لهم فيها، روعتهم، شردهم وأفلستهم وانت وحد منهم. ورغم ذلك كانوا يحضرون أنفسهم ليفرحوا ساعة من الزمن وبعد غد هو يوم العيد ويوم الفرحة الكبرى المنتظرة . لا حول ولا قوة إلا بالله والعيد يعود بدون مجذوب ، الفنان الذي أتحفنا بالغناء للوطن وللديار والحنين للنيل والجروف وللحبوبات وهو يحفظ حكاويهن وأغانيهن وما تحمله من قيم وحكم ” الدنيا باما توري والدهر ياما يقري”!. والله الصدمة جاءت علينا جداً عظيمة وكارثية، فعمنا الحزن العميق
لا أنسي تلك اللقاءات المتعددة الرائعة التي كانت تجمعنا خاصة تلك التي كانت بمنزل الراحل بروفيسور مجذوب رباح والثانية بمناسبة زواج ابنتنا الكبرى ثم الرحلات الرابعة والخامسة على شاطئ النيل الأزرق. كانت أيام كلها سرور وطيبة نيات وقلوب وطيب طعام وفاكهة مجذوب أونسة كانت الحلو الذي تختتم به مائدة الطعام في العزومات والمناسبات السعيدة. لا أنسى يوم كان جمعنا يسمر ويفرح بمنزل الراحل مجذوب رباح بحي الرياض في الخرطوم وجاء زائراً من نيويورك الفنان التشكيلي الأستاذ عمر خليل فقال لي معلقاً على تجمع الأسرة ذلك اليوم كلهم فرحين حول مجذوب أونسة، قال :”أروع ما في الحياة أنت تزور الوطن وتجد الناس في حالة طيبة، محتفلين مبتهجين، أودعكم لكيلا أفسد هذه المسرة واللقيا الجميلة “.
ألا رحمك الله يا أخي مجذوب وانت بإذن الله نحسبك من الشهداء ورحيلك يوم الإثنين هو بشارة في يوم ترفع فيه الأعمال إلى السماء. إننا نشهد أن أعمالك كلها كانت تفيض بالخير وأنت العفيف المستقيم القنوع المتصوف العابد المتوكل على الله .ونشهد أن كل وقتك كان ملكاً للاخرين تسعدهم وابتسامتك الجميلة التي لا تفارقك سوف لن ننساها ولن ننساك لتقول “عليَّ ما سألتوا” والقماري التي أوصيتها تمرعلى النيل والديار والأم سنوفر لها أعشاشها لتكون حاضرة كل الوقت في ديارك. سنسأل الله لك القبول في الفردوس الأعلى وان يجعل قبرك روضة من رياض الجنة والكوثر الفياض مشربك. ألا رحمك الله رحمة واسعة وغفر لك يا أخي مجذوب. العزاء للإخوة الشاعر حسين والأستاذ عبدالمنعم الحسن أونسة ولأبناء عمه الوسيلة والعزاء لزوجه وبناته، والعزاء لصديقه رفيق دربه الفنان الأستاذ الموقر عبد العاطي حمد بالقضارف. العزاء لكل الأهل والأقارب والأصدقاء في نقزو وبربر والدامر والخرطوم وأمدرمان . العزاء لكل الصحبة الطيبة التي كانت دائما تجمعنا وعلى رأسهم الباشمهندس معماري مهدي أبوطالب والأستاذ المعلم عماد الخير الحاج عبدالله وعزاء جدا خاص للفرقة الموسيقية الموقرة التي كانت تصحبه طيلة هذه السنوات والتي كانت حافلة بالإنجازات والنجاح في العطاء المحترم من قطوف فن الغناء السوداني الراقي. العزاء للرعيل المحترم من الشعراء وفناني السودان، ربنا يمتعهم بالصحة والعافية .اللهم صبر زوجته وبناته وأشقاءه. اللهم لا تفتنا بعده ولا تحرمنا أجره. إنا لله وإنا أليه راجعون
عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
25 May 2026
drabdelmoneim@gmail.com
