زهير عثمان
لم يحمل خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان في عيد الأضحى جديداً سياسياً حاسماً، لكنه كشف – ربما أكثر من أي خطاب سابق – طبيعة الأزمة التي يعيشها السودان اليوم
فالدول المستقرة تتحدث بلغة البرامج والمؤسسات والمستقبل، أما الدول المتصدعة فتعود دائماً إلى لغتها الأولى – لغة البقاء
لم يكن الخطاب خطاب نصر كامل، كما لم يكن خطاب قائد يملك مشروعاً تاريخياً واضح المعالم
بدا أقرب إلى محاولة لإبقاء فكرة “الدولة” حيّة في الوعي العام، حتى بينما تتآكل الأرض نفسها تحت أقدام الجميع
في الحروب الطويلة لا تُدار المعارك بالسلاح وحده، بل بإدارة الإدراك الجماعي أيضاً. ولهذا فإن كثيراً من الجمل التي وردت في خطاب البرهان لا يمكن قراءتها فقط بوصفها “دعاية سياسية” أو “كذباً رسمياً” بالمعنى المباشر
عندما يقول إن “الخرطوم تستعيد عافيتها”، فهو لا يصف واقعاً معاشاً يعرف السودانيون أنه لم يتحقق بعد، لكنه يحاول إنتاج صورة ذهنية تمنع الانهيار النفسي لفكرة الدولة
فالسلطات في أزمنة الحروب تخشى لحظة أخطر من خسارة المدن- خسارة الإيمان بإمكانية العودة
لهذا يصبح الخطاب السياسي في زمن الحرب أقرب إلى إدارة الأمل منه إلى توصيف الوقائع. لكن المشكلة أن هذا الأمل يُبنى فوق تناقضات هائلة يصعب إخفاؤها
يتحدث البرهان باسم الدولة، بينما الدولة نفسها أصبحت موزعة بين جيوش متعددة، وتحالفات إقليمية، ومراكز نفوذ اقتصادية وعسكرية متشابكة
يتحدث عن “السيادة الوطنية” في لحظة يعتمد فيها السودان على الخارج أكثر من أي وقت مضى، ويتحدث عن “الجيش الوطني” بينما كشفت الحرب أن المؤسسة العسكرية السودانية اعتمدت لعقود على الميليشيات والعنف اللامركزي والحروب بالوكالة
وهنا تظهر المفارقة الأعمق – الحرب الحالية ليست انحرافاً عن تاريخ الدولة السودانية، بل واحدة من نتائجه الطبيعية
منذ الاستقلال، لم تنجح النخب السياسية والعسكرية في بناء دولة وطنية متماسكة تتجاوز هيمنة المركز التاريخي
ظلت السلطة تُدار عبر معادلة مزدوجة – احتكار الشرعية في المركز، واستخدام العنف في الأطراف
ومع الزمن تحولت أدوات العنف نفسها إلى قوى مستقلة تملك المال والسلاح والطموح السياسي
لذلك فإن “الدعم السريع” لم يهبط من فراغ، بل خرج من داخل البنية التي صنعتها الدولة نفسها
ومن هنا تبدو مفارقة خطاب البرهان واضحة – كيف يمكن للدولة أن تُدين مخلوقاً ساهمت هي في إنتاجه؟ وكيف يمكنها أن تتحدث عن “استئصال” الدعم السريع بينما تستقبل في الوقت نفسه بعض المنشقين عنه وتعيد دمجهم داخل بنيتها العسكرية والسياسية؟
هذا ليس مجرد تناقض خطابي عابر، بل يعكس طريقة عمل الدولة السودانية تاريخياً: إدارة الأزمات عبر إعادة تدوير الخصوم، لا عبر بناء عقد قانوني ومؤسسي شامل
ولهذا انتهت كثير من التسويات السودانية السابقة إلى حروب جديدة مؤجلة
في المقابل، يغيب الحديث الحقيقي عن العدالة من الخطاب الرسمي، لأن العدالة الشاملة في السودان لا تعني فقط محاكمة أفراد، بل تهدد البنية الكاملة التي حكمت البلاد لعقود – الجيش، الإسلاميون، اقتصاد الحرب، شبكات الفساد، الحركات المسلحة، والتحالفات الإقليمية المتشابكة
لكن اختزال الأزمة في شخص البرهان وحده لا يبدو دقيقاً أيضاً
فالحرب تجاوزت منذ زمن فكرة “الحاكم الفرد” , السودان يواجه أزمة دولة كاملة – أزمة شرعية، وأزمة احتكار للعنف، وأزمة معنى وطني جامع , ومن يملك الحق في تمثيل السودان؟ , ومن يملك السلاح فعلياً؟
وما الذي يجعل السودانيين يشعرون أنهم ينتمون إلى مشروع وطني واحد؟
هذه هي الأسئلة التي يحاول الخطاب الرسمي الالتفاف حولها عبر اللغة الرمزية للجيش والوطنية والدين
غير أن البعد الأخطر في الأزمة يظل إقليمياً , فالسودان اليوم لم يعد ساحة داخلية خالصة، بل تحول إلى نقطة تقاطع لصراعات إقليمية ودولية متشابكة
الإمارات تُتهم بدعم الدعم السريع ضمن حسابات البحر الأحمر والنفوذ الاقتصادي في القرن الأفريقي
مصر تنظر إلى الجيش باعتباره الضامن الأخير لمنع انهيار الدولة على حدودها الجنوبية
السعودية تتحرك بحذر بين هاجس الاستقرار وموازين القوى الإقليمية
روسيا تسعى إلى موطئ قدم استراتيجي عبر الذهب والموانئ، بينما تراقب قوى أخرى مثل تركيا وإيران وقطر المشهد بحثاً عن نفوذ سياسي وأمني طويل المدى
ومع استمرار الحرب، يصبح السودان تدريجياً صورة مكثفة لصراعات المنطقة كلها- الخليجية، والمصرية – الإثيوبية، والتركية – الإماراتية، وحتى الروسية – الغربية
لهذا فإن أي حل حقيقي لن يكون سودانياً خالصاً، بل سيبقى مرتبطاً بتوازنات إقليمية أكبر لم تنضج تسوياتها بعد
ورغم كل ذلك، فإن اختزال المجتمع السوداني إلى معسكرين أخلاقيين متقابلين يظل تبسيطاً مضللاً
فالكثير من السودانيين الذين يقفون مع الجيش اليوم لا يفعلون ذلك بدافع أيديولوجي بالضرورة، بل خوفاً من الانهيار الكامل، أو بحثاً عن حد أدنى من الاستقرار في بلد تتفكك مؤسساته بسرعة هائلة
فالناس في الحروب لا تبحث دائماً عن العدالة المثالية؛ أحياناً تبحث فقط عن فرصة للبقاء
وهنا تكمن معضلة القوى المدنية والمعارضة- ولا يكفي إدانة العسكر أخلاقياً، بل يجب تقديم تصور عملي لإعادة بناء الدولة والأمن والاقتصاد معاً. لأن السؤال الحقيقي الذي يواجه السودان الآن ليس فقط كيف تتوقف الحرب، بل ماذا سيبقى من السودان بعدها
فالبلاد لا تحتاج إلى هدنة مؤقتة فحسب، بل إلى إعادة تأسيس كاملة لفكرة الدولة نفسها- دولة لا تقوم على الامتياز العسكري، ولا على احتكار المركز، ولا على اقتصاد الحرب، ولا على التحالفات المؤقتة بين السلاح والمال والأيديولوجيا
وإلا فإن الحرب الحالية، مهما انتهت، قد لا تكون سوى استراحة طويلة قبل انفجار آخر
في النهاية، تكشف خطابات الحرب أكثر مما تخفي. وخطاب البرهان، رغم لغته المطمئنة، يكشف دولة منهكة تحاول إقناع شعبها – وربما إقناع نفسها أيضاً – بأنها ما زالت قادرة على الإمساك بالمستقبل، بينما يتسرب هذا المستقبل من بين أصابع الجميع.
zuhair.osman@aol.com
