علاء خيراوي
khirawi@hotmail.com
من خلال عيون مبادئ علم النفس السياسي، يبدو البرهان، من خلال مساره منذ ٢٠١٩، نموذجًا للقائد العسكري الذي صعد إلى السلطة لا بوصفه صاحب مشروع وطني واضح، بل بوصفه رجل المؤسسة الذي وجد نفسه في لحظة فراغ تاريخي، فظن أن البقاء في مركز السلطة يمكن أن يعوّض غياب الرؤية. فقد تولى قيادة المجلس العسكري بعد سقوط البشير، ثم شارك في الحكم الانتقالي، ثم قاد انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ الذي أطاح بالشراكة المدنية، قبل أن يدخل في حرب مفتوحة مع حليفه السابق محمد حمدان دقلو “حميدتي” في أبريل ٢٠٢٣، والذي ترجاه ان يخوض مع تجربة الحكم كما صرح هو من قبل.
نفسيًا، تظهر في شخصية البرهان ثلاث سمات مركزية؛ الخوف من فقدان السيطرة، ضعف الخيال السياسي، والاحتماء بالمؤسسة العسكرية عند كل مأزق. هو لا يبدو قائدًا كاريزميًا يصنع المعنى، بل قائدًا دفاعيًا يرد على الأزمات بتوسيع القبضة لا بتوسيع الأفق. لذلك ظل وعده المتكرر بالخروج من السياسة يصطدم بالفعل المعاكس؛ تثبيت السلطة، إعادة تشكيل مجلس السيادة، تعيين رئيس وزراء من داخل معادلة الحرب، وإجراء تغييرات عسكرية لتشديد السيطرة.
في بنيته النفسية السياسية، يبدو البرهان رجلًا مأخوذًا بفكرة “الشرعية العسكرية”. أي أنه يرى الدولة من خلال الجيش، ويرى الوطن من خلال القيادة العامة، ويرى السياسة تهديدًا لا شراكة. هذه الذهنية تجعل المدنيين عنده خصومًا محتملين، وتجعل الحل السياسي نوعًا من التنازل، وتجعل الحرب وسيلة لإثبات الذات لا مجرد أداة اضطرارية. لذلك لم يكن غريبًا أن تتهمه وزارة الخزانة الأمريكية في يناير ٢٠٢٥ بأنه “اختار الحرب على التفاوض بحسن نية خفضا للتصعيد”، وفرضت عليه عقوبات بموجب الأمر التنفيذي الخاص بزعزعة استقرار السودان وتقويض الانتقال الديمقراطي.
أخطر ما في شخصية البرهان ليس القسوة وحدها، بل التردد المتخفي في صورة حزم. فهو يتحرك كثيرًا، يصرّح كثيرًا، يعقد التحالفات، يبدّل الوجوه، يلوّح بالسلام ثم يعود إلى خطاب الحسم، لكنه لا ينتج مخرجًا تاريخيًا. هذا النمط يكشف عقلًا سياسيًا مأزومًا؛ لا يملك شجاعة التسوية، ولا قدرة الحسم الكامل، ولا نبل الاعتراف بالفشل. وبين هذه الثلاثية ضاع السودان.
أما علاقته بالقوى الخارجية فتدل على شخصية تبحث عن الاعتراف أكثر مما تبحث عن السيادة. لقاء نتنياهو في عنتيبي عام ٢٠٢٠، ثم رهاناته المتعددة على المحاور الإقليمية والدولية، تكشف قائدًا يستخدم الخارج لتعويض هشاشة الداخل، لا لبناء توازن وطني مستقل.
وفي المستوى العاطفي، يبدو البرهان أسير جرحين؛ جرح المؤسسة العسكرية التي تشعر أنها فقدت هيبتها أمام الثورة، وجرح الرجل الذي لم يستطع أن يتحول من قائد ثكنة إلى رجل دولة. لذلك يغلب على خطابه طابع الإنكار؛ إنكار مسؤوليته عن الانقلاب، إنكار فشل الحرب، إنكار انهيار الدولة، وإنكار أن الشعب السوداني لم يعد يرى في البزة العسكرية خلاصًا بل مصدرًا للمأساة. والنتيجة أمامنا؛ بلد غارق في أكبر أزمة إنسانية في العالم، مع ملايين النازحين والجوعى (مجاعة مؤكدة في مناطق بينها الفاشر وكادقلي وفق برنامج الغذاء العالمي).
الخلاصة؛ البرهان ليس مجرد جنرال أخطأ الحسابات؛ إنه تجسيد نفسي وسياسي لعقل عسكري عاجز عن مغادرة السلطة، وخائف من الشعب، ومرتعب من المحاسبة، ومفتقر إلى الخيال الوطني. قوته الظاهرة تخفي هشاشة عميقة، وحزمه المعلن يخفي ارتباكًا مزمنًا، وادعاؤه حماية الدولة ينكشف يومًا بعد يوم كواحد من أسباب تمزيقها.
ومن جانب آخر، فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه القوى الوطنية المدنية، وعلى رأسها تحالف “صمود”، ليس فقط القبول بالأمر الواقع، بل التعايش النفسي والسياسي معه حتى يصبح الخراب اعتيادًا، والاستبداد “مرحلة انتقالية”، والحرب “تفصيلًا مؤسفًا” يمكن تجاوزه بالبيانات والمفاوضات البروتوكولية. فالتعامل مع عبد الفتاح البرهان بوصفه شريكًا سياسيًا طبيعيًا، بعد كل ما جرى منذ انقلاب ٢٥ أكتوبر ثم الحرب الكارثية التي التهمت السودان، لا يعني سوى منح الشرعية لمنهج كامل قائم على إجهاض التحول المدني وإعادة إنتاج الدولة العسكرية بدماء السودانيين.
إن القضية لم تعد شخصًا فحسب، بل نموذج حكم كامل أثبت فشله أخلاقيًا وسياسيًا وإنسانيًا. نموذج يرى الوطن ثكنة، ويرى المدنيين عبئًا، ويرى الديمقراطية تهديدًا مؤجلًا ينبغي احتواؤه أو الانقضاض عليه متى سنحت الفرصة. وكل تجربة تفاوض معه منذ سقوط البشير أثبتت أن الرجل لا يتعامل مع السياسة باعتبارها عقدًا اجتماعيًا، بل باعتبارها مناورة تكتيكية لكسب الوقت وإعادة ترتيب موازين القوة. لذلك فإن أي عودة جديدة إلى دائرة “الشراكة” معه لن تكون سوى إعادة تدوير للمأساة ذاتها، ولكن بثمن أكثر فداحة هذه المرة، لأن السودان لم يعد يحتمل دورة أخرى من الخداع والانهيار.
وعلى “صمود” وكل القوى الوطنية الحية أن تدرك أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط مع فرد يرتدي البزة العسكرية، بل مع الفكرة التي يمثلها؛ فكرة أن السودان لا يُحكم إلا بالخوف، وأن المدنيين مجرد واجهة مؤقتة، وأن السلاح أحق بالسلطة من الشعب. وهذه الفكرة لا تُهزم بالمجاملات السياسية ولا بالرهان على حسن النوايا، بل ببناء جبهة وطنية واسعة تُعيد تعريف الشرعية نفسها؛ شرعية الشعب، لا شرعية الدبابة؛ شرعية العدالة، لا شرعية الأمر الواقع. ولهذا فإن الواجب الوطني والأخلاقي يفرض على القوى المدنية أن تعمل في الداخل والخارج، سياسيًا وإعلاميًا وحقوقيًا ودبلوماسيًا، لعزل هذا النموذج وكشفه وتفكيك شرعيته، لا التكيف معه.
عليها أن تخاطب العالم بلغة واضحة؛ لا سلام حقيقي تحت سلطة من قاد الانقلاب والحرب معًا، ولا انتقال ديمقراطي تحت عقلية ترى الدولة غنيمة عسكرية، ولا مستقبل لوطن يُطلب من ضحاياه أن يفاوضوا جلاديهم إلى ما لا نهاية. إن تغيير هذا الواقع ليس رغبة انتقامية، بل ضرورة تاريخية لبقاء السودان نفسه. فالأمم لا تنهض حين تُكافئ الفشل، ولا تتعافى حين يتحول قادة الكوارث إلى رعاة للحلول. وكل يوم يبقى فيه السودان أسيرًا لهذه المنظومة هو يوم إضافي من النزيف الوطني؛ مزيد من التشظي، ومزيد من الكراهية، ومزيد من الأطفال الذين يكبرون بلا وطن.
ولذلك، فإن مسؤولية “صمود” اليوم ليست البحث عن مقعد في تسوية مؤقتة، بل خوض معركة طويلة النفس من أجل تأسيس سودان جديد، تُستعاد فيه السياسة من العسكر، والدولة من أمراء الحرب، والكرامة من سنوات الإذلال والدمار. فالتاريخ لا يرحم القوى التي تعرف الحقيقة ثم تساوم عليها، ولا الشعوب التي تدفن أحلامها خوفًا من الطريق الطويل. والسودان، مهما أثخنته الجراح، لا يزال يستحق أن يُقاتل أبناؤه من أجل حريته الكاملة، لا من أجل نسخة مخففة من سجنه القديم.
khirawi@hotmail.com
