دكتور الوليد آدم مادبو
ليس أخطر ما يواجه السودان اليوم هو الحرب وحدها، وإنما العجز البنيوي عن إنتاج رجال دولة حقيقيين؛ أولئك الذين يمتلكون القدرة على إدارة التفاوض، وصناعة التسويات، وبناء المؤسسات، وإدارة التعقيد السياسي والاجتماعي بعقل الدولة لا بعاطفة المنصة أو نزق البندقية. فالسودان، بعد عقود من الانهيارات المتتالية، يقف الآن أمام لحظة تأسيس جديدة، غير أن أدوات هذه اللحظة ما تزال أسيرة الهواة والخطباء والناشطين والعسكر المتفلتين.
لقد انتهى زمن الشعارات. والمرحلة القادمة ليست مرحلة تعبئة جماهيرية أو خطابة ثورية، بل مرحلة تنفيذية حرجة تتطلب كادراً محترفاً متمرساً في الحوكمة والإدارة العامة والتخطيط الاستراتيجي وإدارة التنوع والتفاوض وبناء المؤسسات. وهي مهارات لا تُكتسب بالهتاف ولا بالولاء الأيديولوجي، وإنما بالممارسة المهنية والخبرة المتراكمة والانضباط المؤسسي.
غير أن الإشكالية الأساسية التي ينبغي الاعتراف بها بشجاعة وهدوء هي أن السودان، ولأسباب بنيوية ومؤسسية وتاريخية معقدة، لم ينجح في تكوين طبقة سياسية محترفة بالمعنى المؤسسي الحديث. ولذلك فإن أي حديث جاد عن المستقبل لا بد أن يبدأ من هذه الحقيقة: لا توجد جهة سياسية واحدة، أو تيار فكري واحد، يمتلك بمفرده الكادر القادر على إدارة المرحلة المقبلة بكل تعقيداتها. فالكفاءات — على ندرتها — موزعة بين تيارات متعددة وخلفيات فكرية وتنظيمية متباينة، كما أن الخبرات التي تتطلبها عملية إعادة بناء الدولة لا يمكن احتكارها داخل معسكر سياسي واحد مهما بلغت قوته أو حضوره.
ومن هنا تنبع ضرورة الوفاق الوطني، لا باعتباره تسوية اضطرارية أو محاصصة مؤقتة، بل بوصفه شرطاً من شروط بقاء الدولة نفسها ومنع انزلاق المجتمع إلى تشظٍّ يصعب تداركه. فالتجربة السودانية، عبر عقود طويلة، أثبتت أن الإقصاء لا يُنتج استقراراً، وأن احتكار المجال السياسي — مهما كانت مبرراته — ينتهي دائماً إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيداً وأشد كلفة. ولهذا فإن الوفاق المطلوب ليس اتفاقاً شكلياً بين النخب، وإنما رؤية وطنية جديدة تُعيد تعريف السياسة باعتبارها مساحة للشراكة والمسؤولية المشتركة، لا ساحة للغلبة والاستحواذ.
ولكي نفهم كيف وصل السودان إلى هذا المأزق، لا بد من العودة إلى جذور الأزمة البنيوية التي صاحبت نشأة الدولة السودانية الحديثة. فمنذ إجهاض الروح الوطنية المبكرة التي عبّرت عنها جمعية اللواء الأبيض، اتجهت البلاد نحو إعادة إنتاج الولاءات التقليدية والطائفية، بدل بناء مفهوم حديث للمواطنة. ثم جاءت النخب المركزية لتحتكر السلطة والثروة والرمزية الثقافية، بينما تُركت الأطراف تعاني الفقر والتهميش والحروب، الأمر الذي عمّق الإحساس بعدم العدالة ورسّخ الانقسام بين المركز والهامش.
ومع الوقت، تحولت الدولة إلى فضاء لإدارة الامتيازات لا لبناء الأمة. ولم تُبذل جهود حقيقية لمعالجة “الذاكرة الجريحة” التي خلفها تاريخ طويل من الاستعلاء العرقي والتمييز الطبقي والعبودية والحروب الأهلية، بل جرى الاستثمار السياسي في هذه الانقسامات بصورة قبيحة، حتى صار الانتماء القبلي أو الجهوي أو الطائفي مقدماً على الانتماء الوطني. وبدلاً من أن تتحول الدولة إلى إطار جامع يتساوى داخله المواطنون، أصبحت عند كثيرين رمزاً للاحتكار والإقصاء وعدم التوازن.
ثم جاءت حكومة الإنقاذ الوطني لتدفع هذا التشوه إلى أقصى درجاته. فقد جرى تجريف الحياة السياسية، وتدمير الخدمة المدنية، وإحلال الولاء محل الكفاءة، وتحويل النقابات والمجتمع المدني إلى أذرع سلطوية، فضلاً عن عزل السودان عن العالم وحرمان أجياله المتعاقبة من التراكم المهني والمؤسسي السليم. وهكذا لم تُدمر الإنقاذ مؤسسات الدولة فقط، وإنما أفسدت أيضاً فكرة العمل العام نفسها، حتى أصبح الوصول إلى السلطة عند كثيرين غاية للارتزاق أو الهيمنة لا وسيلة لخدمة المجتمع، وغابت تدريجياً فكرة المسؤولية الوطنية المرتبطة بالخدمة العامة.
لكن الأزمة السودانية لا يمكن تفسيرها بالعوامل السياسية والمؤسسية وحدها، فثمة بعدٌ سلوكي وثقافي لا يقل خطورة. وهنا تبرز أهمية ما أشار إليه المفكر اللبناني علي حرب حين تحدث عن ثقافة الخنوع والامتثال في المجتمعات العربية، حيث يُربّى الفرد على الطاعة أكثر من النقد، وعلى الاتباع أكثر من المبادرة، وعلى الخوف من المواجهة أكثر من ممارسة العقلانية الحرة. وهي ثقافة تُضعف قدرة المجتمع على إنتاج مؤسسات حقيقية قائمة على المحاسبة والكفاءة، لأن الفرد ينشأ فيها باحثاً عن الحماية داخل الجماعة أكثر من بحثه عن استقلاليته الفكرية والأخلاقية.
وهذه الثقافة، التي تتسلل عبر المؤسسات الاجتماعية والدينية والتربوية غير الرسمية، تنتج أفراداً يميلون إلى التبعية والتخلي عن المسؤولية، إذ يخشون الصدام مع السلطة أو مساءلتها، فيضعف الحس النقدي وتتراجع روح المبادرة الفردية. وعندما تنتقل هذه السمات إلى المجال السياسي، يصبح من السهل إنتاج جمهور يهتف أكثر مما يفكر، ويتبع أكثر مما يحاسب، ويبحث عن “الزعيم” أكثر مما يبحث عن المؤسسة. وبمرور الزمن، تتحول السياسة نفسها إلى امتداد للبنى التقليدية لا إلى أداة لتحديث المجتمع والدولة.
ولهذا فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط معركة وقف الحرب، وإنما أيضاً العمل المؤسسي والانتماء الوطني العابر للهويات الضيقة. فإعادة بناء الدولة لا يمكن أن تنجح ما لم تترافق مع إعادة بناء الثقافة السياسية والاجتماعية التي تحدد علاقة المواطن بالسلطة، وعلاقته بالمجال العام، وفهمه لفكرة المسؤولية الوطنية.
فالدولة المستقرة ليست مجرد جهاز إداري فعّال، وإنما هي أيضاً فضاء معنوي يشعر الناس داخله بالانتماء والاعتراف المتبادل. وحين يفقد المواطن هذا الشعور، تتحول الدولة في نظره إلى كيان بعيد أو منحاز، وتصبح الروابط الأولية — القبلية أو الجهوية أو الأيديولوجية — أكثر حضوراً من الرابطة الوطنية الجامعة.
ختامًا، إن البلاد اليوم تحتاج إلى رجال دولة أكثر من حاجتها إلى نجوم خطابة، وإلى عقلية البناء أكثر من عقلية المغالبة، وإلى مشروع وطني يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية نحو تأسيس دولة تتسع للجميع. فالأوطان الخارجة من الحروب لا تنهض بالثأر ولا بالشعارات، وإنما بالتوافق العقلاني، والعمل المؤسسي، والإرادة الوطنية التي تدرك أن مستقبل السودان أكبر من أي حزب، وأبقى من أي سلطة، وأعمق من أي خلاف عابر.
May 29, 2026
auwaab@gmail.com
