السودان وفخّ الإمكانات
كيف تحوّلت الثروة المتخيَّلة إلى عائقٍ أمام التنمية؟
ثمة مفارقة سودانية تستحق التأمل: فكلما اشتدت الأزمات الاقتصادية والسياسية، عاد الخطاب العام إلى ترديد العبارة نفسها: السودان بلد غني بموارده. وكأن استدعاء الثروة الكامنة أصبح طقساً جماعياً لمقاومة الإحباط أكثر من كونه أداةً لفهم الواقع.
غير أن المشكلة ربما لا تكمن في فقر الموارد، بل في الطريقة التي ننظر بها إليها.
فمنذ عقود طويلة، تشكلت حول السودان مخيلة وطنية واسعة قوامها أن البلاد تمتلك كل ما يلزم للنهضة: الأرض الخصبة، والمياه الوفيرة، والثروات المعدنية، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والطاقات البشرية الواعدة. ومع مرور الزمن تحولت هذه الإمكانات من عناصر قوة محتملة إلى يقينٍ ثقافي راسخ، حتى أصبح الحديث عن الثروة المستقبلية أكثر حضوراً من الحديث عن الإنتاج الفعلي.
هنا تحديداً يقع السودان في ما يمكن تسميته “فخّ الإمكانات”.
وفخّ الإمكانات هو الحالة التي يتحول فيها الوعي بالموارد إلى بديل عن استثمارها، ويصبح الإيمان بالقدرات الكامنة أكثر قوة من السعي لتحويلها إلى نتائج ملموسة. ففي هذه الحالة لا تُقاس الأمم بما تنتجه، بل بما تتخيله عن نفسها، ولا يُنظر إلى التنمية باعتبارها عملية بناء يومية، بل باعتبارها مصيراً مؤجلاً ينتظر لحظة الاكتشاف الكبرى.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم جانب مهم من المعضلة السودانية.
فالسودان لم يعانِ فقط من أزمات الحكم أو الحروب أو الاختلالات الاقتصادية، بل عانى أيضاً من هيمنة خطاب يركز على الإمكانات أكثر من الإنجازات. لقد اعتدنا الحديث عن المساحات الزراعية قبل الحديث عن الإنتاجية الزراعية، وعن الثروات المعدنية قبل الحديث عن الصناعات التحويلية، وعن الكفاءات البشرية قبل الحديث عن المؤسسات القادرة على استيعاب تلك الكفاءات.
وبذلك انتقل مركز الاهتمام من اقتصاد الإنجاز إلى ما يمكن تسميته اقتصاد التوقّع؛ أي الاقتصاد الذي يستهلك الوعود أكثر مما ينتج النتائج.
تشير مؤشرات التنمية الدولية إلى أن السودان ظل، لعقود، ضمن الدول ذات الأداء التنموي المتواضع مقارنة بما يُنسب إليه من إمكانات اقتصادية [1]. كما أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بقي في مستويات منخفضة قياساً بمتوسطات الدول الصاعدة [2]. ولا تكمن أهمية هذه المؤشرات في أرقامها المجردة، بل في ما تكشفه من فجوة بين الصورة الذهنية والواقع الفعلي.
وهنا يظهر مفهوم آخر يمكن أن يساعد في تفسير الحالة السودانية، وهو “فجوة التحويل الحضاري”؛ أي المسافة الفاصلة بين حجم الموارد المتاحة وحجم القيمة التي ينجح المجتمع في إنتاجها من تلك الموارد.
فالثروة ليست مورداً خاماً، بل قدرة على التحويل.
والتنمية ليست امتلاكاً، بل ممارسة.
والنهضة ليست ما يوجد في الجغرافيا، بل ما تنتجه المؤسسات.
ولهذا فإن دولاً محدودة الموارد الطبيعية استطاعت أن تحقق قفزات اقتصادية كبرى لأنها نجحت في تحويل المعرفة إلى إنتاج، والإدارة إلى كفاءة، والتعليم إلى ابتكار. بينما بقيت دول أخرى أسيرة الاعتقاد بأن وفرة الموارد تمثل ضمانة تلقائية للتقدم.
إن أحد أخطر الأوهام التنموية هو الاعتقاد بأن الموارد تصنع الثروة من تلقاء نفسها. فالتاريخ الاقتصادي الحديث يثبت العكس تماماً. الموارد لا تنتج الثروة؛ بل إن الثروة هي التي تعيد اكتشاف قيمة الموارد. والفرق بين البلدين ليس في حجم ما يمتلكانه من أرض أو معادن، بل في نوعية المؤسسات التي تدير تلك الموارد، والقدرة على تحويلها إلى قيمة مضافة.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه السودان اليوم ليس: كم نملك؟
بل: لماذا لم ننجح في تحويل ما نملك إلى ما ننتج؟
فالأمم لا تتقدم لأن لديها أنهاراً أطول أو أراضي أوسع أو معادن أكثر. إنها تتقدم عندما تنجح في بناء منظومة تجعل المعرفة منتجة، والمؤسسات فعالة، والموارد جزءاً من دورة اقتصادية متكاملة.
إن ما يحتاجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب ليس اكتشاف ثروة جديدة، بل إعادة تعريف الثروة نفسها. فالثروة ليست ما يرقد تحت الأرض، بل ما ينجح المجتمع في خلقه فوقها. وليست ما نرثه من الطبيعة، بل ما نضيفه إليها من معرفة وتنظيم وإبداع.
وربما تبدأ النهضة السودانية الحقيقية يوم نتوقف عن سؤال الجغرافيا عما يمكن أن تمنحنا، ونبدأ في سؤال أنفسنا عما يمكن أن نصنعه بها.
عندها فقط نغادر فخّ الإمكانات، وندخل فضاء الإنجاز.
المراجع
[1] United Nations Development Programme (UNDP), Human Development Report 2024/2025.
[2] World Bank, Sudan Development Indicators and GDP per Capita Data.
[3] African Development Bank, Sudan Country Economic Outlook.
[4] Daron Acemoglu & James Robinson, Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty.
[5] Douglass North, Institutions, Institutional Change and Economic Performance.
[6] Amartya Sen, Development as Freedom.
هامش مفاهيمي
فخّ الإمكانات: حالة ذهنية ومؤسسية يتحول فيها الوعي بالموارد الكامنة إلى بديل عن العمل على تحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية فعلية.
اقتصاد التوقّع: نمط من التفكير التنموي تُستهلك فيه الوعود المستقبلية بمعدل يفوق إنتاج الإنجازات الواقعية.
فجوة التحويل الحضاري: الفارق بين حجم الإمكانات المتاحة وحجم الثروة والتنمية اللتين ينجح المجتمع في إنتاجهما فعلياً
habobsalah@gmail.com
