محمد صالح محمد
ها هو الليلُ يسكبُ كحله الثقيل فوق مرافئ قلبي المتعب و يعيدني إلى ذات النقطة التي تلاشت عندها خطاكِ. أقفُ اليوم على شرفة الفقد و يلفّني صمتٌ موحش كصمت البيوت المهجورة بعد رحيل أهلها ولا أملك في يدي سوى قلمٍ ينزف وروحٍ تتهاوى خلف طيفكِ المسافر.
أكتبُ إليكِ بلغةٍ لم تعد تعرف من الحروف سوى الدمع، أكتبُ عن المساحة الموجعة التي تمددت بين حنين “الرِّيد” وجنون “الهوى” وعنكِ أنتِ يا زولةً كنت لي حياة فصرتي بمثابة غصّةٍ تخنق أنفاسي كلما مرّ طيفك بخاطري.
أفتقدكِ… أفتقدكِ جداً حدّ أن الأرض ضاقت بما رحبت ولم أعد أرى في وجوه العابرين سوى ملامحكِ الغائبة.
عندما كان “الرِّيد” وطناً وملامحكِ ملاذاً …
في ثنايا الروح ثَمّةَ نبضٌ دافئ كأمسيات النيل و طاهر كدعوات الأمهات في جوف السَّحَر. إنه “الرِّيد” تلك الكلمة الحانية التي طالما همستُ بها في أذنكِ فكانت تتراقصُ لها في عينيكِ قناديل الفرح.
كان رِيدي لكِ يا زولتي انتماءً نقياً لا تشوبه شائبة. كنتِ الملاذ الّذي آوي إليه من هجير الأيام وقسوة الدنيا. في تفاصيلكِ الصغيرة المدهشة في نبرة صوتكِ المليئة بالدفق و في سمر ألوانكِ الدافئ وفي طيبتكِ التي تفوح كعطر الصندل وجدتُ ذاتي.
لم تلوّثنا حسابات البشر ولم يدر بخلدي يوماً أن هذا الرِّيد الحاني الذي نمى كشجيرة ياسمين على ضفاف قلبينا سيصبح يوماً قصةً مأساوية تُبكي الصخر. كنتِ “زولتي” التي أختصر فيها الكون و وطني الصغير الّذي ظننتُ أنني لن أُهجّر منه أبداً.
“أنتِ يا زُولة… لم تكوني عابرة سبيل في حياتي بل كنتِ الوريد الّذي يغذّي وجودي. كنتِ الرِّيد الّذي جعلني أوقن أن العشق يمكن أن يكون طاهراً كصلاة وعميقاً كأسرار النيل الكامنة”
عواصف “الهوى”والوقوع في شرك الاحتراق …
لكنّ الأقدار لم تتركنا نغفو في دعةِ الرِّيد الوديع. سحبتنا الخطى غصبًا إلى شواطئ “الهوى” العاتية. والهوى يا وجعي المقيم وهو تلك الريح الهوجاء التي لا تبقي ولا تذر هو العشق حين يمتزج بالخوف والأمل حين يتغذى على اللوعة الحارقة.
تحوّل رِيدنا الهادئ إلى هوىً يستبد بالضلوع و صرنا نذوب في بعضنا البعض كشموعٍ تحترق لتُضيء مسافات الفراق التي بدأت تلوح في الأفق.
أصبحنا نتنفس شوقاً جارحاً ونقتات على نظرات الوداع الصامتة وكم هو مبكٍ أن يتحول الحب إلى ساحة للاحتراق وأن ندرك أننا نتجه نحو الهاوية بأقدامٍ ثابتة!
تداخلت خيوط الفرح بخيوط الوجع وغدا الهوى طوفاناً يغرقنا في بحرٍ من الآهات عاجزين عن البقاء معاً بفعل ظروفٍ قاسية كالجمر وعاجزين عن الفراق لأن الروح ترفض الموت.
ما بينهما مأساة التمزق والانكسار …
بين السكينة العميقة التي تمنحني “الرِّيد” والاضطراب الحارق الّذي يجلبه “الهوى” عشت فصول تراجيديا صامتة لا يعلم مرارتها إلّا الله.
بين الطمأنينة والقلق: كان الرِّيد يهمس لي بالأمان بينما كان الهوى يصرخ فيني محذراً من لحظة الفراق المحتومة.
بين الحقيقة والسراب: تاهت أمنياتي العذبة وسط عواصف الأقدار ووقفت الدنيا حائلاً بين قلبين لم يطلبا من هذا العالم الواسع سوى بيتٍ صغير يجمعهما وتحرسه عيون النجوم.
والآن انفرط العِقدُ وتلاشت الأماني وتبخّرت الوعود تحت وطأة الواقع المرّ. أجد نفسي اليوم تائهاً في تلك المساحة الرمادية القاتلة، ألتفتُ حولي فلا أرى سوى حطام ذكرياتنا مبعثراً كأوراق الخريف الجافة.
لقد رحلتِ يا زولتي وأخذتِ في حقائب غيابكِ ألوان الحياة وضحكاتي وتركتِ لي هوىً يتحول كل ليلة إلى سياطٍ تجلدُ روحي ورِيداً ينزف اسماً واحداً اسمكِ أنتِ.
أدركُ بكامل انكساري ويأسي أنني لن أشفى منكِ أبدًا. لقد انطفأ القنديلُ الّذي كان يُضيء عتمة أيامي وتلاشت خطاكِ الناعمة من ممرّات عمري مخلّفةً وراءها دويًّا هائلًا من الصمت الجارح والوحشة القاتلة.
أنتِ يا زولتي يا آخر مرافئ النور في عينيّ ويا أعظم هزائمي النبيلة أفتقدكِ حدّ الانتحاب الصامت. ها أنا أسلّمُ ليل الفراق قلبي المثقل بالدموع وأعلمُ أن كلّ غائبٍ في هذه الدنيا قد يعود إلّا أنتِ؛
فقد رحلتِ رحيلاً أبديًا أخذتِ معه روحي وتركتِ لي جسدًا يرتجفُ شوقاً وبرداً فوق أطلال حكايتنا الموؤودة.
سأبكي هذا “الرِّيد” حتى تنفد مآقيّ وسأظلّ أحترق بهذا “الهوى” في محبس ذكرياتي راميًا خلفي مفاتيح النسيان.
وداعًا يا من كنتِ ومازلت كلّ وجودي وداعًا يا زولةً غسلتُ بدموع غيابها كبرياء قلبي ليبقى طيفكِ المسافر في دمي هو خطيئتي الأجمل ووجعي الأرقى ودمعتي التي سأبكيها بحرقةٍ حتى يجمعنا الموت.
وها أنا أقف على حافة أطلالكِ الباكية أجرّ خيبتي كمسافرٍ أضاع في ليل الصحراء قنديله؛ فما عاد يعرف طريقاً للرجوع ولا يملك قوةً للمسير.
أنتِ يا زولتي يا أجمل انكساراتي وأطهر دمعة سُكبت على محراب الهوى. أفتقدكِ أيتها السمراء الساكنة في وداعة الرِّيد الحزين و أفتقدكِ بقلبٍ يئنّ تحت وطأة الشوق ويتفتت ألماً كلما تنفّس ذكراكِ.
لقد تركتِ لي ليلًا لا يرحم ووسادةً مثقلة بالسهاد وروحاً واهنة تبكيكِ بانتحابٍ صامت لا يسمعه سوى الله.
أبكي اليوم رِيدنا الذي صار يتيماً بعدكِ وأبكي الهوى الذي بات خنجراً يُمزّق أحشائي. أقسمتُ بكامل وجعي ورومانسيتي المذبوحة ألا يطأ عتبة قلبي بعدكِ أحد وأن أظلّ وفياً لهذا الألم الأنيق الذي خلّفتِه وراءكِ.
يا نبضاً تمنيتُ لو احتضنته حتى آخر رمق و يا زولةً انتزعها القدر من بين ضلوعي لتبقى غصّة في حلق الأيام ودمعةً حارقة أذرفها بكاءً ونحيباً حتى يتوقف النبض ويجمعنا الثرى.
binsalihandpartners@gmail.com
