زهير عثمان
البؤس السياسي للنخبة المدنية
حين تحولت “عقلية التسوية” إلى بديل عن الدولة
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط- كيف نوقف الحرب؟ بل و لماذا أصبحنا عاجزين عن تخيّل ما بعد وقفها؟ فالتجربة السودانية، عبر عقود من الانتقالات الفاشلة، تُظهر أن وقف الحرب لا يعني إطلاقاً تأسيس السلام، وأن التسويات السياسية كثيراً ما تُنتج هدنة هشة تعيد إنتاج الأزمة بأدوات جديدة بدل تفكيكها
في قلب هذا الفشل تتجذر ما يمكن تسميته بـ”عقلية التسوية”- نمط تفكير سياسي اختزل الدولة في طاولة تفاوض، واختزل الصراع في معادلة توزيع سلطة بين نخب مأزومة، واختزل المستقبل في صيغة اتفاق قابل للتعديل كلما اختل ميزان القوة
هذه العقلية لم تعد مجرد خيار سياسي، بل أصبحت بديلاً عن مشروع الدولة نفسه
من المهم التمييز بين المجتمع المدني والنخبة المدنية
فخلال سنوات الحرب، كانت لجان المقاومة، والمبادرات القاعدية، وغرف الطوارئ، والنقابات المستقلة، في موقع مواجهة مباشرة مع الانهيار- حماية المدنيين، إغاثة المتضررين، وإبقاء المجتمع على قيد الحياة
أما النخب السياسية المدنية، فقد انشغلت بدرجة لافتة بإعادة إنتاج ذات السؤال القديم- من يحكم؟ وكيف تُوزع السلطة؟ بأي صيغة تسوية؟ وأي خارطة طريق تُرضي مراكز النفوذ؟
بهذا المعنى، لم تعد الأزمة مجرد غياب تمثيل للمجتمع، بل غياب رؤية تتجاوز منطق “إدارة التسوية” إلى منطق “إعادة تأسيس الدولة”
المشكلة الجوهرية في عقلية التسوية أنها تفترض أن الأزمة السودانية أزمة تفاوض، بينما هي في الواقع أزمة دولة
ولذلك تتحول كل تسوية إلى محاولة لتجميل الانهيار بدل معالجته- تُجمَّد الحرب دون تفكيك أسبابها، وتُعاد هندسة السلطة دون إصلاح أدواتها، وتُستبدل الشرعية الشعبية بتوازنات نخبوية مؤقتة
ومن هنا، يصبح وقف الحرب – رغم ضرورته الإنسانية القصوى – هدفاً نهائياً في ذاته، لا خطوة أولى في مسار إعادة بناء الدولة
وهذا أخطر تحوّل في الوعي السياسي: حين يصبح “السلام” مجرد غياب للقتال، لا حضوراً للدولة
لقد كرّست النخب السياسية السودانية هذا المنطق عبر عقود من اختزال الأزمة في سؤال السلطة- من يحكم؟ وكيف تُدار المحاصصة؟ بينما ظلّت الأسئلة التأسيسية خارج النقاش – كيف تُفكك دولة التمكين والحرب؟ كيف يُعاد بناء الجيش كمؤسسة وطنية واحدة لا كقوة موازية للدولة؟ وكيف يُنهى الاقتصاد السياسي للعنف؟ وكيف يُعاد تعريف العلاقة بين المركز والهامش خارج منطق الغلبة التاريخية؟
نتيجة ذلك، تحوّل المشهد السياسي إلى سوق مفتوح للمبادرات- وثائق، منصات، خارطات طريق، وأطر تفاوضية لا تنتهي، لكنها جميعاً تدور في الفلك ذاته: إدارة الأزمة بدل حلها
وفرة في “الهندسة السياسية” مقابل فقر حاد في “التفكير التأسيسي”
الأخطر أن عقلية التسوية أنتجت نوعاً من الاعتماد المزمن على الخارج
فبدلاً من بناء مشروع وطني مستقل، أصبحت أجزاء من النخبة المدنية تتحرك داخل مسارات مرسومة إقليمياً ودولياً، حيث تُصاغ التسويات أحياناً بوصفها استجابات لموازين نفوذ خارجية بقدر ما هي تعبير عن إرادة داخلية
وهكذا يُختزل السودان في ملف إدارة أزمة، لا في مشروع دولة قيد التأسيس
لكن تحميل النخبة المدنية وحدها هذه المسؤولية يبقى قراءة ناقصة
فهناك بيئة إقليمية ودولية لا ترى في السودان دولة ينبغي إعادة بنائها، بل ساحة ينبغي ضبطها. وبعض الفاعلين الخارجيين يفضّلون تسويات سريعة تُنهي القتال دون أن تُنتج دولة قوية، لأن الدولة القوية تعني استقلال القرار، وهو ما لا يتوافق دائماً مع منطق النفوذ
في النهاية، لا تكمن المشكلة في التسوية كأداة، بل في تحولها إلى أيديولوجيا سياسية, نعم، التسوية ضرورية لوقف نزيف الدم، لكنها تصبح خطراً حين تُقدَّم بوصفها مشروعاً بديلاً عن الدولة
فوقف الحرب ليس إنجازاً سياسياً مكتفياً بذاته، بل هو بداية السؤال الحقيقي- أي دولة نريد أن نمنع سقوطها مرة أخرى؟
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب وحدها، بل عقلية سياسية ترى في إدارة التسويات بديلاً عن إنتاج الدولة
وكسر هذه العقلية هو الشرط الأول لأي خروج حقيقي من دائرة الحرب إلى فضاء السياسة.
zuhair.osman@aol.com
البؤس السياسي للنخبة المدنية حين تحولت “عقلية التسوية” إلى بديل عن الدولة
