رؤية لإدارة القرية (المستوطنة)
من أجل مستقبل أفضل في الحكم و التنمية
بقلم: الصادق عبدالله أبوعيّاشة
sadigabdala@gmail.com
خبير ومستشار في السياسات العامة
والإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة
مقدمة
هذه ورقة عمل مطروحة للنقاش، تتناول قضية الحكم في القاعدة العريضة للدولة والمجتمع. لغرض هذه الورقة أسميت مستوى القرية السودانية. ويمكن استبدال اسم القرية للبلدة او المستوطنة، أو حتى المدينة الريفية إذا لزم الامر. وقد تحولت القرية (المستوطنة) من مجرد تجمع سكاني محدود حول مورد ماء أو أرض زراعية إلى مجتمع واسع ومعقد، يضم خدمات ومؤسسات وتفاعلات اجتماعية واقتصادية وثقافية متزايدة. وبرغم هذا التحول الكبير، ظل نظام الإدارة القاعدية في السودان محدود التطور، بينما استمرت الدولة في إدارة الشأن العام من أعلى الهرم الإداري، دون بناء مؤسسي حقيقي للمستوى القروي.
تهدف الورقة إلى إثارة النقاش حول قضية الحكم القاعدي، والتنبيه إلى أن كثيرًا من التصورات المتعلقة بالقرية في الريف السوداني بُنيت على رؤى نظرية أو إحصائية، غابت عنها البنية الاجتماعية والإدارية الحقيقية للقرية. كما تسعى إلى لفت الانتباه إلى أن نظم الحكم الحديثة في السودان توقفت عند حدود المحلية، دون أن تُكمل بناء المستوى الإداري الخاص بالقرية من حيث التشريع والتنظيم والتأهيل والتمويل.
الرؤية المطروحة
تنطلق الورقة من قناعة مفادها أن أزمة الدولة السودانية لا ترتبط فقط بحكم المركز أو الولاية، بل تبدأ أيضًا من ضعف المستوى القاعدي للحكم، أي مستوى القرية. فالقرية السودانية لم تعد مجتمعًا صغيرًا معزولًا، بل أصبحت وحدة اجتماعية واقتصادية وثقافية متشابكة، تحتاج إلى أدوات حديثة في التنظيم والإدارة والتخطيط والخدمات.
كما تطرح الورقة سؤالًا مهمًا حول العلاقة بين ضعف الحكم القاعدي وبين الأزمات الممتدة التي شهدها السودان، بما في ذلك النزاعات والحروب وتدهور الخدمات وتراجع التنمية الريفية. فضعف الإدارة المحلية يؤدي بالضرورة إلى هشاشة المجتمع المحلي، ويضعف قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار والتنمية المتوازنة.
تعريف القرية إداريًا
بحسب دليل الحكم اللامركزي الصادر عن وزارة الحكم الاتحادي، تُعد القرية بأنها هي الوحدة الأساسية للتنظيم الإداري الريفي في السودان، وتمثل إطارًا قانونيًا لإدارة السكان خارج النطاق الحضري. ويقوم تعريف القرية على الاستقرار السكاني، والاعتراف الإداري، والتبعية للوحدة الإدارية أو المحلية.
لكن هذا التعريف ظل في الغالب نظريًا أكثر من كونه واقعًا مؤسسيًا فعّالًا، إذ إن القرية، رغم وصفها بأنها الوحدة البنائية للحكم، لم تُمنح سلطات إدارية حقيقية، ولم تُدرج عمليًا ضمن مستويات الحكم الرسمية كما هو الحال مع المركز والولاية والمحلية.
نظام الحكم في السودان
يقوم نظام الحكم في السودان على ثلاثة مستويات رئيسية: المستوى الاتحادي، ومستوى الولاية، ومستوى المحلية. ويشمل المستوى الاتحادي رئاسة الدولة ومجلس الوزراء والأجهزة القومية المختلفة، بينما تمثل الولاية المستوى الثاني ولها حكومة وأجهزة تنفيذية وتشريعية، أما المحلية فهي المستوى الثالث للحكم ويرأسها معتمد يمثل سلطة الدولة على المستوى المحلي.
وقد أتاح قانون الحكم المحلي إنشاء وحدات إدارية تتبع للمحليات، بهدف تسهيل الإشراف الإداري، إلا أن هذه الوحدات تتحول في أكثر الأحيان إلى مستوى بيروقراطي إضافي يفصل القرية عن مركز القرار، بدلاً من أن يقرب الخدمات والإدارة من المواطنين.
مستوى القرية
برغم أن القرية، بحكم تعريفها، تمثل الوحدة البنائية للحكم، فإنها ظلت خارج التصنيف الواضح لمستويات الحكم الرسمية. ويمكن النظر إليها عمليًا بوصفها المستوى الرابع للحكم، لكنه مستوى غير مكتمل من حيث الصلاحيات والموارد والتنظيم.
وفي نظام الإدارة الأهلية السابق، كان شيخ القرية يمثل حلقة الوصل بين المجتمع والدولة، ويتولى مسؤوليات إدارية واجتماعية وأمنية، مستندًا إلى سلطات قانونية منحتها قوانين الإدارة الأهلية والمحاكم الأهلية في العهد الاستعماري. وبإلغاء الإدارة الأهلية في مطلع سبعينيات القرن الماضي، استُبدل الشيخ بنظام اللجان الشعبية، الذي نص عليه قانون الحكم المحلي. غير أن اللجنة الشعبية، رغم وصفها أحيانًا بحكومة القرية، لم تكن أكثر من كيان طوعي محدود الصلاحيات، يفتقر إلى السلطات التنفيذية والموارد والإمكانات المؤسسية.
المتغيرات في القرية
شهدت القرية السودانية خلال العقود الماضية تحولات كبيرة. فقد زاد عدد السكان، وارتفع مستوى التعليم، وتوسعت الخدمات، وظهرت الأسواق والمؤسسات التعليمية والصحية والرياضية، ودخلت الكهرباء ووسائل النقل والاتصالات الحديثة إلى كثير من القرى.
كما تغيرت البنية الاجتماعية والثقافية، وظهرت أعداد متزايدة من خريجي الجامعات والتعليم الفني، واتسعت مشاركة الشباب والمرأة في الحياة العامة، وأصبحت القرية أكثر ارتباطًا بالمدينة وبالاقتصاد الوطني والعالمي.
وفي المقابل، تعرضت الموارد الطبيعية لضغوط متزايدة بسبب النمو السكاني والتوسع العمراني والأنشطة الزراعية والرعوية والتعدينية، مما أوجد تحديات جديدة تتعلق باستخدام الأرض، وتخطيط السكن، والخدمات، وحماية البيئة.
من التغيرات إلى التعقيدات
إن التحولات التي تشهدها القرية السودانية، لم تعد مجرد تغيرات بسيطة يمكن إدارتها بالأدوات التقليدية القديمة، بل أصبحت تعقيدات حقيقية تتطلب نظم إدارة حديثة. فقد تصاعدت النزاعات حول الأراضي والموارد الطبيعية، وظهرت مشكلات تتعلق بالمياه، والبيئة، والتعدين، والبطالة، والهجرة، وانتشرت بعض الظواهر المرتبطة بالمخدرات والسلاح والعنف المجتمعي.
كما أصبحت القرى في حاجة إلى خدمات أكثر تعقيدًا، تشمل التخطيط العمراني، وتنظيم الأسواق، والصحة العامة، والتعليم، وحماية البيئة، وتطوير نظم الأمن المحلي وفض النزاعات.
ومع اتساع هذه التحديات، لم يعد من الممكن إدارة القرية بالوسائل التقليدية أو عبر لجان محدودة الصلاحيات، بل أصبحت الحاجة ملحة إلى بناء مؤسسات قاعدية حقيقية، تمتلك السلطات والموارد والكوادر الفنية اللازمة.
نماذج متقدمة لحكم القرية
تكشف تجارب عدد من الدول الإفريقية والآسيوية عن اهتمام واضح بالحكم القاعدي، حيث جرى إدماج إدارة القرية في البناء الدستوري والقانوني للدولة. ففي دول مثل الهند وكينيا وتنزانيا وفيتنام، توجد مجالس قروية منتخبة، ومديرو قرى، ومحاكم محلية، وأنظمة واضحة للعلاقة بين القرية ومستويات الحكم الأعلى.
كما اتجهت بعض هذه الدول إلى إدخال التحول الرقمي في إدارة القرى، بما يتيح تقديم الخدمات الحكومية إلكترونيًا، وربط السكان بالمعلومات والخدمات الصحية والتعليمية والمالية.
وتؤكد هذه التجارب أن التنمية الريفية لا يمكن أن تتحقق دون بناء مؤسسات حكم محلي فعالة، قادرة على إدارة الموارد والخدمات والمشاركة الشعبية.
الوحدة التنظيمية بلا تنظيم
رغم تعريف القرية بأنها الوحدة الأساسية للتنظيم الإداري، فإنها بقيت خارج البناء المؤسسي الحقيقي للدولة. فالسودان قُسم إلى ولايات ومحليات ووحدات إدارية، بينما ظلت القرية غائبة عن التصنيف الواضح لمستويات الحكم.
اللافت أن الدراسات والتقارير الرسمية نادرًا ما تقدم بيانات دقيقة عن عدد القرى السودانية أو أوضاعها الإدارية والتنموية، رغم أن أغلب السكان يعيشون في الريف. كما أن كثيرًا من البرامج الحكومية ركزت على المحليات والوحدات الإدارية، دون بناء مؤسسي حقيقي لمستوى القرية.
كذلك انشغلت دراسات عديدة بقياس الفقر والهجرة والنزوح والتحولات السكانية، لكنها لم تتناول بصورة كافية قضية إدارة المجتمع المحلي وتنظيم القرى وتطوير مؤسسات الحكم القاعدي.
الحاجة إلى الحوكمة (تطوير الإدارة) في القرية
أصبحت الحاجة ملحة لإعادة بناء نظام الإدارة القاعدية في السودان، بما يجعل القرية وحدة حقيقية للحكم والتنمية، قادرة على مواكبة التحولات الكبيرة التي شهدها الريف. فالتحديات التي تواجه القرى اليوم تشمل الزيادة السكانية، والتوسع العمراني، والضغط على الخدمات، وتدهور البيئة، وتصاعد النزاعات، وظهور أنشطة اقتصادية جديدة، إلى جانب الحاجة إلى نظم حديثة للتخطيط والإدارة والأمن المحلي. ونظام حديث وقوي للتواصل والإدارة الرقمية.
على ضوء تجارب البلدان، المسنودة بعلوم وممارسات الحوكمة الرشيدة، وبرامج التنمية، التي تقوم على تحديد التحديات (المشكلات) وتحويلها إلى أجندة للتنمية، هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء نظام الإدارة القاعدية في السودان، التي تجعل من القرية وحدة حقيقية في الإدارة، بما يواكب التحولات الكبرى التي شهدها ويشهدها الريف. ومن أبرز التحديات التي تواجه إدارة القرية:
الزيادة السكانية المتسارعة والحاجة إلى توسيع الخدمات الأساسية.
تنامي الطلب على الأراضي السكنية والإنتاجية والخدمية.
التوسع العمراني والحاجة إلى تخطيط المساكن والطرق والخدمات.
التدهور البيئي والحاجة إلى حماية واستدامة الموارد الطبيعية.
تزايد النزاعات والحاجة إلى آليات فعالة لمنعها، ثم فضها إذا حدثت.
ظهور أنشطة اقتصادية جديدة تحتاج إلى تنظيم ورقابة.
الاعتماد والحاجة المتزايدة على وسائل الاتصال والتحويلات الرقمية والتعليم.
تحديات النقل من وإلى القرية، والحاجة لتحسين الطرق وتنظيم النقل.
ظهور وحدات ومؤسسات خدمية حديثة تحتاج إلى إدارة وصيانة وتدريب.
التوسع في المدراس، والحاجة إلى تطوير واستدامة خدمات التعليم.
تزايد الضغوط على الخدمات الصحية والتعليمية.
تعقيدات تربية الحيوان داخل القرية، والحاجة لتبني نظم حديثة في التربية.
توسع فئة الشباب والحاجة إلى استيعاب طاقاتهم.
تحديات خدمات صحة الأمومة والطفولة.
تنامي دور المرأة والشباب والجمعيات القاعدية، والحاجة للتنظيم والتدريب.
ضعف التنظيم الإداري، وحاجة قيادة القرى للتدريب والتاهيل.
الحاجة إلى التعاون بين القرى المجاورة في إدارة الموارد والخدمات المشتركة.
هذه التحديات، وغيرها، تؤكد أن القرية السودانية، قد صارت في حاجة إلى تطوير نظام إدارة حديث، يقوم على الإسناد الفني، في التنظيم والتخطيط والتدريب والتمويل وتطوير نظم المشاركة، ذلك ليمنح المجتمعات الريفية دورًا حقيقيًا في إدارة شؤونها. وينقل ثقل الحكم إلى المجتمع. وأن تنمية نظم الحكم لا تتم بمجرد التسميات المعهودة من لجان شعبية أو شيخ، لكنها ممارسة وتوطين لثقافة إدارة المستوطنات البشرية. في وقت صار الإشراف أيسر بكثير من عهود سابقة. كما أن تطوير الحكم القاعدي يتطلب بناء قدرات القيادات المحلية، وتوفير الموارد، وتطوير التشريعات، وإشراك الشباب والمرأة والمجتمع المحلي في إدارة شؤون القرية.
خاتمة
تكشف هذه الورقة أن القرية السودانية، برغم وصفها بأنها الوحدة البنائية للحكم، لم تحظَ بالاهتمام المؤسسي الذي يؤهلها للقيام بدورها الحقيقي في الإدارة والتنمية. كما أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية التي شهدها الريف السوداني أوجدت واقعًا جديدًا تجاوز صورة القرية التقليدية القديمة.
ومن هنا، تصبح الحاجة ملحة لإعادة النظر في موقع القرية داخل نظام الحكم السوداني، ومنحها وضعًا إداريًا أوضح، وسلطات وصلاحيات مناسبة، وتشريعات حديثة، وموارد معلومة، إلى جانب تأهيل القيادات القاعدية للتعامل مع متطلبات الإدارة الحديثة.
إن تطوير الحكم القاعدي لا يعني مجرد إضافة مستوى إداري جديد، بل يعني بناء دولة أكثر قربًا من مواطنيها، وأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية والعدالة في الخدمات. فالريف القوي يصنع دولة مستقرة، والقرية المنظمة تخفف الضغط على المدن، وتفتح آفاق الإنتاج والاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.
مع صادق المودة
الصادق عبدالله أبو عياشة
الرياض، مايو 2026
sadigabdala@gmail.com
