بقلم : حسن ابوزينب عمر
ان كانت هناك دروس وعبر يمكن استخلاصها من الحرامي الذي لم يكتفي في أمسية واحدة بكسر زجاج سيارتي بل أضاف اليها زجاج سيارات اثنين من الجيران فهو انه مجرم فريد من نوعه لم يرف له جفن ولم يكن مستعجلا في أمره وهو يتناوب على ثلاثة سيارات بكل هدوء وطمأنينة .. فالمفترض وهو يرتكب جريمة يكافيء عليها بعقوبة ربما تصل الى هدر دمه من قبل المالك أو السجن والغرامة الرادعة من الأجهزة العدلية وعليه انه يكون مرتبكا وخائفا وحريصا على انهاء المهمة في لمح البصر والاختفاء من مسرح الجريمة في غمضة عين وانتباهتها للافلات من العقاب ,, أما انتقاله من سيارة لأخرى في ليلة واحدة يمشي ثابت الخطوة يمشي ملكا يعني أنه كان في حالة استرخاء تام وقناعة راسخة رسوخ الجبال وثقة لا يهزها خوف ان الأمن هو الضرورة القصوى المفقودة في هذا البلد الذي يتهان ويذل فيه انسانه ليل نهارأزاح خلالها عنوة واقتدارا من جان فال جان لقب بطولة رواية (البؤساء) للروائي العالمي جان جاك روسو صاحب نظرية العقد الاجتماعي .
(2)
مواطن فيه مايكفيه وهو يركض حينا للحاق بأسعار مجنونة تتطاول الى عنان السماء
Sky rocketing
وتارة لتأمين علاج انقاذا لحياة طفل أو بحثا عن خدمات نادرة دخلت الآن في قائمة الشاعر صفي الدين الحلى اذ يقول
أيقنت ان المستحيل ثلاثة ..الغول والعنقاء والخل الوفي .
(3)
أنا لا أتحدث عن قضية شخصية بل أتطرق لشأن عام أصبح الآن ظاهرة عامة تروع أمن وسلامة المجتمع يتعلق بالسيولة الأمنية فالذين يطلق عليهم 9 طويلة استأسدوا واستباحوا كل شيء حتى لو كانت الغنيمة ليست بثمن المغامرة ..بدأوا بخطف الهواتف النقالة من أيدي الرجال الى خطف أكياس الخضار من أيدي النساء الى نهب الماعز والضأن من شوارع الأحياء . بعض هذه المواجهات غير المتكافئة بين لص يشهر سكينا وساطورا في وجه رجل أو امرأة في رابعة النهار لا تستهدف التهديد فقط بل الجاهزية لتسديد الطعنات الى مالانهاية حتى تستلسم الضحية أما بالخوف أو بالسقوط مضرجة بدمائها وقد حدث أن لفظ مهندس كهرباء أنفاسه وسقط ميتا أمام منزله في حي الميرغنية (بورتسودان) تحت الطعن المبرح وهو يدافع عن جواله ولا ندري ماذا تم من اجراءات لتعويض الأرملة والأيتام .وحتى لو تمت عقوبة فقد تمت تحت أستار من السرية وهذه أقبح من الذنب فالتشهير هنا واجب حتى يكون عظة وعبرة للآخرين .
(4)
ماكان لجرائم 9 طويلة أن تتزايد وتتناسل بوجهها المخيف المرعب لولا تفشي العبارة الشائعة (من أمن العقاب أساء الأدب) .. في حي ديم النور أحد الأحياء الطرفية في بورتسودان حرص لص تخصص في الحي على تهشيم لمبات الأنوار حتى يمارس جرائمه تحت جنح الظلام مصداقية للعبارة الانجليزية الشهيرة التي تقول
Where there is darkness there is criminality
وترجمتها بالعربي الفصيح انه حيث يسود الظلام تعشعش الجريمة ولكن حرامي الحي لم يكتفي بذلك بل حرص على قتل كلب الحي الذي كان يوقظ السكان بنباحه الحاد المتواصل حتى يصفو له الجو .
(5)
التحدي والرهان المطروح هو اذا كنت (راجل بن راجل) ويقف الصقر على شعر شنبك تفتح جوالك للحديث في الشارع العام ..أحد أهم ركائز الاستقرار والطمأنينة في أي بلد هي نعمة الأمن ودونه الفوضى والدمار وشيوع الجريمة وسفك الدماء والنتيجة ان من يبحث عن الأمن ولا يجده من الدولة التي تتولى حكمه فسوف يأخذ الحق من ذراعه ليتحول البلد كله الى غابة يأكل فيها الغني الضعيف . وهذا يعني ان حربا أهلية لا تبقي ولاتذر تتقدم بخطى وئيدة نحو السودان سيما و ان هذه الجماعات الاجرامية تنتمي لأثنية محددة و(أنا ما أفسر وانت مابتقصر) كما يقول البوني فقبل شهر كانت منطقة (آرياب) غرب بورتسودان مرشحة لحدوث مجازر دموية بين عناصر من هذه الجماعة تغولت لوضع يدها على أرض اهالي المنطقة لولا احتواء الموقف من قبل بعض عقلاء المجتمع ولكن الجرة لن تسلم دائما .
(6)
السؤال ماذا عن تجارب الدول الأخرى لمكافحة جرائم الاعتداء على المواطن؟ .. الجواب انها بلد مثل الجارة أريتريا يترك التاجر متجره وأبوابه مشرعة على مصراعيها للذهاب الى المسجد لأداء الصلاة أو لقضاء بعض أعماله ويعود ولا أحد يتجرأ على الدخول في غيابه خوفا من العقوبات الرادعة التي لا ترحم .. في البرازيل أجازت سلطة وزارة الداخلية بدهس لصوص الجوالات تحت اطارات السيارات المسرعة أما في بلد العجائب والغرائب والمآسي فان الضرب في الميت حرام .
(7)
قلت لابني في بورتسودان ماذا ستفعل الآن والسيارة دون زجاج فجائئي صوته من بعيد يقول (والله جارنا ذهب الى السوق لشراء زجاج) فقلت له (وماذا ستستفيد اذا عاد اللص المستهتر الحقار أدراجه مرة أخرى بعد تركيب الزجاج) فكان رده (نتركها لله ) فقلت بصوت المظلوم الذي ليس بين دعوته وبين الله حجاب (اللهم أرحم ضعفنا وتولى أمرنا ولا تترك أمننا ومصيرنا لحكومة ضاعت بوصلتها وتاهت بصيرتها ) .
oabuzinap@gmail.com
