بقلم / عمر الحويج
كتبت هذا المقال بعد بضعة أسابيع ، من تنفيذ أكبر جريمة يرتكبها المجرمون المستبدون الوالغون في سفك الدماء في تاريخ البشرية ضد انسانية الإنسان وقيمه ووجوده . وكان عن مجزرة فض الاعتصام ، وظللت من بعدها أستعيده كلما أطلت علينا ذكرى هذه الجريمة البشعة النكراء ، وإلي استعادته هذا العام . كي لا ننسى فالذكرى تجسد المأساة كما حدثت أمام أعيننا وأعين العالم واستنكاره ، وتشديدنا النكيران ، كي لايهرب الجناة من العقاب .
ما ظل يهزني ، ويهد كياني ويتركني نهبًا لأفكاري ، ووساوسي ، التي يحبطها ويحيطها بألوان الأسى والحسرة والفجيعة، ويحيل مسيرة يومي إلى هموم تثقل الصدر والعقل والقلب ، هي مشاهدة الفيديوهات التي نقلت لنا بالصوت والصورة ، بشاعة وشناعة ، ما جرى في فض إعتصام القيادة العامة ، حيث تتجاذبني حالتان من الغضب المؤرق والقاتل البطئ ، الذي لا يفش الغبينة منه ، إلا القصاص من هؤلاء القتلة عاجلًا لا آجلًا .
الحالة الأولى من الغضب ، وهو لو تدرون غضب عرمرم ذاك العظيم ، تجاه اؤلئك الكبار القابعون مع أسرهم ، أولادهم وبناتهم ، يتهنون بدنياهم الفانية ، ويتهادون ويتوادون مع زوجاتهم ، مثناهم وثالوثهم ورباعهم ، بجانب خليلاتهم ، وما ملكت إيمانهم ، لمزيد من المتعة حلالها وحرامها ، وتتويجها بالعيال زينة الحياة الدنيا ، وهم في وهج هناءات تلك اللحظات ، يبيدون فيها ، عيال الآخرين بكل برودة البال والعقل المرتاح ودون أن يرمش لهم جفن ، ولا يحسون بوخز الضمير ، لما إقترفته قراراتهم وأوامرهم ، وتنفيذ رغباتهم الشهوانية المريضة للجاه والمال والسلطة ، وليست هي لله هي لله . بل هي للسلطة هي للجاه ، كذا تبريرها لتمرير إنتهاكاتهم لحقوق الإنسان وإهدار القيم ، كما لم يشهدها بشر إلا في عهود الفاشية والنازية والخمير الحُمر مرفق بهم الهولاكية التتارية ، كما ستُّعرف مرحلتهم في التاريخ بالكيزانية ، وصمة عار في جبينهم ، وهم لا تهتز لهم شعرة ، ولا يرمش لهم جفن ، من فظاعة قرارهم بارتكاب هذه الجريمة الفظة الفظيعة .
أما الغضب الآخر ، فمن هؤلاء اللابشر ، الذين نفذوا هذه القرارات ، وتجاوزوا طريقة التنفيذ المعتادة للأوامر ، بما لايمكن أن يمارسه صاحب عقل وضمير ، ولا حتى حيوانات الغابة ، لايمكن أن تمارس عنفها ضد بعضها البعض بهذه الطريقة الوحشية ، وأعني الجند من طرفي اللجنة الأمنية ( الاسلاموكوز والجنجوكوز ) ، ومن يدعون أنهم فقط انصاعوا لأوامر رؤسائهم ، لن يكونوا صادقين ، كما لن يعفيهم هذا من جرمهم ، فحتى لو مارسوا القتل الجماعي حسب الأوامر ، لقلنا أنهم نفذوا التعليمات التي تلقوها ، ولكن التفاصيل التي مارسوا بها التعليمات تجعلهم شركاء من الدرجة الأولى ، مثلهم مثل من أعطاهم الأوامر .
من أين أتى هؤلاء اللاناس اللا بشر . هنا يصدق فيهم ، قول راحلنا الطيب صالح ، وإن اختلفت الرؤى في البحث عن إجابة سؤاله ، إلا أن هؤلاء الذين يسمونهم قوى أمنية ليسوا كذلك ، فهم تعدوا استفسار كاتبنا من أين آتى هؤلاء الناس وفاته أن يسميهم اللاناس اللابشر ، وإن كانوا من ذات المنشأ الأول ، ولكنهم تعدوا وصف الناس ، فهؤلاء بالتأكيد فصيلة من الكائنات شبه الحية ، تكوينها من جينات مرت بطفرات دراكولية ، صممت خصيصًا لهذه الصناعة البشعة في السودان، كما صنع لنا الانجليز سجائرنا في أيام عجائبنا المتعددة .
أحكي لكم في زماننا حين شبابنا ، ونحن نعارض نظامًا عسكرًيً ، وكنا يفعًا ، كما جيلنا الراكب راس ، وكان ذلك النظام يدافع عن نفسه ، كما كل ديكتاتور ، لكن الفرق كان في أدواته ، فقد كانوا ، بشرًا أدوات التنفيذ تلك ، القوات الأمنية ، كانوا لم يئن أوان طرح ذلك السؤال عليهم بعد ، فقد كانوا ، لازالوا هم الأهل والأقارب والجيران ، أما أولئك الذين طرح عليهم الطيب صالح سؤاله فقد كانوا حينها تحت التدريب اللا بشري ، يتحسسون مسيرتهم ، التي وصلوها ليلة إنقلابهم الأول ، في 30 /يونيو / 1989م . بعدما تشرنقت فصيلتهم الجينية ، فاخرجت لنا الشر من قمقمه ، وظل يفرز سمومه فينا حتى يومنا هذا .
قلت أن نظام عبود كان يدافع عن وجوده بأوامر يصدرها لعساكره ، بتراتبية مهنية ، وهم يحملون نفس التسمية قوات أمنية ، لكن أنظروا الفرق .
في حادثة حدثت لي ش٩خصيًا ، “لم يحكها لي أحد !! ” استطراد خفيف عفوًا ، تذكرون مقولة المخلوع المشهورة ، وعلى فكرة بالصدفة بعد الرجوع لكبسولاتي ، وجدت واحدة ، بتاريخها ولحظة كتابتها ، لم تتعدى اللحظات عند سماعها من فم المخلوع ، فقد اكتشفت أنني كنت أول من قبضت عليه متلبسًا بتلك المقولة الهزلية الغبية ، والتي سارت بها الركبان ، فأذعتها بعد لحظات من سماعها ، فأحسست بأني فشيت بعض غبينة من نظامهم .. حين هتفت بالصوت العالي تسقط بس .
عفوًا هذا استطراد عابر ، دعوني أعود لحادثتي تلك المعنية ، بغرض المقارنة ، فقد كان عبود وطغمته الفاسدة ونظامه الديكتاتوري ، برغم أولئك الذين قابلوه وهتفوا له “ضيعناك وضعنا وراك” تلك الكانت في الأصل موجهة رفضًا للحكام الجدد أكثر مما هي موجهة اليه شخصيًا ولفترة حكمه ، أليس كذلك ياأستاذ/عثمان ميرغني ، فقد قرأناك كثيرًا ، وأنت تذرف الدمع الحزين والخزين على اضاعة شعبنا لبضاعة عبود العسكرية ، التي تعرف ميزاتها أنت وحدك ، دون ثوار أكتوبر الذين ازاحوه ، وتركوك وحيدًا حزينا عليه ( وأتاريك ياعثمان بلبوس بالميلاد من يومك ، إن لم يكن بالأثر الرجعي ) ، وعفوًا للخروج عن النص ، فالذكريات تتداعى . فقد كان عبود يدافع عن نظامه بذات الأجهزة الأمنية ، التى أكلها سوس الكيزان فيما أتى من الزمان . ففي تجمع طلابي التأم ضد نظامه ، خرجنا طلاب وطالبات جامعة القاهرة فرع الخرطوم في مظاهرة عاتية قبيل سقوط النظام بداية إندلاع ثورة اكتوبر ٦٤م ، هاجمتنا الشرطة من خلفنا ، وتفرقنا أيدي سبأ ، وأنا أهرول مع المهرولين ، فاذا بي ” أتكعبل” وأقع واطه ، علمًا بأني كنت أحسب نفسي من الرياضيين ، حيث لعبت كرة القدم ، التي أوصلتني لمرة واحدة فقط ، لم تتكرر لإستاد عطبرة الرياضي ، حين استلمني الأدب والسياسة من عالم الرياضة العامر بالإمتيازات ، لا العامر ببؤس الكتابة من الكتاب والكاتبات .
والذكريات أيضاً تتداعى . المهم رفعت رأسي وأنا على الأرض ، ورأيت الشرطي على هذا الرأس المرفوع إلى أعلى ، وعلى يده عصاته السميكة المدببة ، وليس خرطوشه أو كلاشنكوفه أو دوشكته أو علبة بمبانه القاتلة ، كما هو حادث الآن ، عصاته فقط تلك السميكة المدببة لا غير ، رأيتها مرتفعة ، تود الإنقضاض ، ظننتها ستكون على أم رأسي ، الذي لم يشوف جديده بعد !! ، ولكن ما حدث ، كان غير ذلك وحَسُّن ظني بتلك العصاة ، ولم أهابها من بعد ، فما حدث ، أن يد الشرطي اليسرى إمتدت تجاهي وأمسكت بي من يدي اليمنى لترفعني ، من وقعتي السودة تلك !! ، بل يقودني هذا الشرطي من هذه اليد ذات نفسها ، ويوجهني إلى مخرج آمن ، أهرول بعدها مع المهرولين -شاكرًا له في سري طبعًا تعاطفه معي- وكانت هرولة السلامة ومخرج الأمان هكذا كانت شرطتنا ، قبل أن يلوثها الملوثون ، الحاقدون على شبابهم وشاباتهم صانعوا ثورة ديسمبر العظيمة .
لنرى الآن كيف كان فض الإعتصام ، كم واحد من الشباب والشابات ، وقع على الأرض ، وكانت الرصاصة تخترق صدره ، في لحظتها ، فأسكتت منه القلب والجسد نهائيًا ، كم من الشباب والشابات ، تم حرقه داخل خيمته حيًا ، كم منهم ، رُبط بكتلة أسمنتية والقى به في نيلنا الخالد ، خلود هؤلاء الأبطال الشهداء ، كم شابة أُخذت مقهورة للإغتصاب ، وكان ساترها وحائطها من أعين الأخرين وعيون الكاميرات ، العشَرة المبشرون بالجحيم ، والمدججون بالسلاح ، يحوطونها إحاطة السوار بالمعصم حول محيط جسدها النحيل المتهالك ، بفعل الثلاثينية العجفاء ، هؤلاء المنتظرين المناوبة عليها لإفتراسها ، هذا قليل من كثير ، لم تستطع عيون الكاميرات نقله الينا ، سترة أو خوفًا أو سنسرة للأشرطة ، وإلا كان أغلبنا قد مات قهرًا لما يرى أمامه من فظائع ، بيد هؤلاء اللا ناس واللا بشر ، ولكن رغم ذلك يأبي الخيال إلا أن يجبرنا على أن نراه عيانًا ييانًا ، في تخيلنا لو لم نجده على الأشرطة لأخترعنا تفاصيله من ممارساتهم الحية السابقة واللاحقة ، وبعد ما شاهدنا ما نقلته الينا الكاميرات ، من وقائع يشيب لها شعر الرأس والولدان . ولا تطاوعني نفسي الأمارة بالخير ، لذكر هذه الوقائع ، فهي ليست للحكي وإنما للحفظ في ذاكرة الشعب أبد الآبدين ، فقد رأها الجميع ، وعلينا فقط استرجاعها ، فإن الذكرى تنفع المناضلين والثوريين ، وذوي القلوب والضمائر الحية ، وفي النهاية تجدون كل ماحدث ليس تنفيذًا لأوامر وتعليمات يتم تفعيلها ، بين جيشين متقاتلين ، وإنما هي ذاتها بصفاتها ، تلك الإبادة الجماعية للسلميين من البشر العزل وهم نيام ، ولمن لم يرها في دارفور ، تلك الإبادة الجماعية ، أو في جنوب كردفان ، أوالنيل الأزرق ، وإنما سمع بها ، فها هو قد رأى بشاعتها ورأى تفاصيلها ، راي العين ، في فض إعتصام القيادة العامة ويا للهول..!! .
فهل ياترى هؤلاء منفذين لأوامر تلقوها ، أو تعليمات أتوها ، أم هم فاعلين أصيلين وليسوا متلقين لأوامر قادتهم ، فعلى القضاء الآتي بعد الإنتصار ، أن يفحص في كل الوجوه ، فردًا فردًا ، التي ظهرت في كل الفيديوهات التي شاهدناها وشاهدها معنا كل العالم ، من أدناه إلى أقصاه ، ليتم جلبهم للعدالة ليحاكموا ، مثلهم وأولئك المجرمين أصحاب القرار وصدق الشباب حين هتفوا ، يا المشنقة يا الزنزانة ، وأظن الأصح ، يا .. المشنقة يا .. المشنقة ، ومعهم كل الذين ارتكبوا الجرائم المشابهة ، منذ إنقلاب 25 اكتوبر وحتى الآن وحتى ما سيأتي من جرائم سيرتكبونها حتمًا “وقد جاء الأفظع فعلًا ، في حرب الكرامة ، من الطرفين كما فض الإعتصام – خارج النص القديم” طالما ظلوا ممسكين بأسنانهم وأظافرهم على السلطة ، وذلك لحين الإنتصار النهائي ، وسقوط الإنقلاب وتوابعه من القائمين عليه والمساندين له . أولئك الذين إعترفوا بعضمة لسانهم بأنه “حدس ما حدس”!! .
وكلمة أخيرة ، وأشدد عليها مكررة . على الشعب السوداني ، أن يُعامل يوم فض الإعتصام يومًا للحداد الوطني ، يحمله الناس في جوانحهم وذواكرهم عنوانًا ، وتذكارًا للبشاعة والشناعة ، والفظاعة ، يقومون سنويًا بالإصطفاف حول النيل ، يحملون الورود اليه ويجعلونها ، تحلق وتبحر حول مجراه وعلى ضفافه ، لتحي أرواح شهدائنا الذين ما ماتوا فهم أحياء بيننا ، وأن يتواصل ذات اليوم ، بزيارة قبور الشهداء قبرًا قبرًا ، ووضعه تقليدًا لنا جديدًا وحميدًا ، بوضع الورود عليها ، تخليدًا لذكراهم الخالدة لغرس أخلاقية جديدة ونقية في وجدان أجيالنا القادمة .
أما الأجهزة الأمنية ، وحتى تُكفِر عن سيئاتها في هذه الجريمة الشنعاء ، التي فارقت فيها دورها ووظيفتها في حماية الوطن ، عليها أن تخصص في هذا اليوم ، وقفة أمام القيادة العامة سنويًا ، اصطفافًا رمزيًا وسلوكًا فعليًا ، مضمونه يكون ، بحملهم ليس سلاح مهنتهم ، ذلك اليوم وإنما أداة يعاقبون بها أنفسهم ، (يفضل فروع الأشجار كما الثورات السلمية )، شيئًا يكون قريبًا مما يفعله شيعة العراق وغيرهم عند التطهر من الجريمة ، وليس بالضرورة أن يكون مطابقًا ، وإنما شكلًا مقاربًا يشكل تطهيرًا لأنفسهم من ثقل مجزرة فض الاعتصام ، التى لن يمحوها ويخفف من وقع ذكراها في النفوس ، حتى أبد الآبدين ، إلا هذا التقليد السنوي التكفيري التطهري ، من قبل القوات المسلحة ، بالطريقة الرمزية التي يرونها مناسبة ، حتى تزيل آثام وأثار هذه الجريمة النكراء ، وكل الجرائم التي أرتكبت باسم القوات المسلحة منذ الإستقلال وحتى تاريخه ، وتتحمل هي وزرها .
ولكم شهداء الشعب السوداني الخلود :
منذ معركة كرري لنصل شهداء ثورة 24م ، كما الخلود لشهداء الأستقلال حتى الوصول لشهداء مابين قرن الدكتاتوريات الثلاث
إلى شهداء الإنقلاب الرابع 25 اكتوبر ، وامتداداته شهداء حرب الكرامة بين العبثيين وحرب سباق السلطة .. أين ومتى ولما ولماذا وكيف كان استشهادكم .. لكم المجد والخلود .
omeralhiwaig441@gmail.com
