بقلم: هشام الحلو
ماذا يتبقى من الجسد حين يتحول إلى لغة بصرية؟ وما الذي يتبقى من النجمة حين يبتلعها الكادر السينمائي ليعيد إنتاجها كأيقونة عابرة للزمن؟
في الأول من يونيو/ حزيران عام ألف وتسعمائة وستة وعشرين، لم تولد “نورما جين مورتنسون” في لوس أنجلوس كطفلة عادية في دور الرعاية، بل وُلدت كشروع قلق وجودي كُتب عليه أن يحمل أعباء الجمال الإنساني في أقصى تجلياته الهشة. واليوم، بعد مرور مائة عام على ذلك الميلاد، لا نحتفي بمجرد ذكرى رحيل ممثلة غادرتنا في السادسة والثلاثين من عمرها، بل نعيد اكتشاف “مارلين مونرو” كظاهرة تفكيكية، هزم وجهها الغياب، وظل عصيًا على المحو أو النسيان.
لم تكن مارلين مونرو نتاج صدفة بيولوجية وهبتها الملامح الفاتنة فحسب، بل كانت ابتكارًا واعيًا من قِبل آلة هوليوود الضخمة في منتصف القرن العشرين، في ذلك العصر الذي بدأت فيه الثقافة الجماهيرية تصعد بقوة، وتتحول معها الصورة إلى سلطة بديلة تنافس السيرة الذاتية للإنسان؛ وهنا تحديدًا انشطرت الذات بين “نورما جين” الطفلة المأزومة، الباحثة عن الاعتراف والاحتضان، وبين “مارلين مونرو” القناع البصري المصمّم بعناية، بدءًا من نبرة الصوت المتهدجة، مرورًا بالشعر الأشقر البلاتيني، وصولًا إلى هندسة الحركة أمام العدسة.
لقد عاشت مونرو في هذا البرزخ المأساوي بين الذات والصورة، ورغم أن الاستوديوهات أرادت حصرها في قالب الفتاة الشقراء الساذجة، إلا أن ذكاءها الفطري جعل من هذا القالب وسيلة للمقاومة والبقاء؛ فكانت تؤدي دور السعادة المفرطة على الشاشة، بينما يشي بريق عينيها بحزن دفين، كأنها تمارس طقسًا جنائزيًا مبطنًا وهي تبتسم للجمهور.
وفي المشهد الشهير حيث يرتفع الفستان الأبيض بفعل هواء مترو نيويورك، أو في الثوب الوردي اللامع وهي تؤدي أغنيتها الشهيرة في فيلم “Gentlemen Prefer Blondes”، استقر الوعي الجمعي على اختزال مارلين كرمز للإغراء، لكن القراءة النخبوية المعاصرة لإرثها تعيد الاعتبار لموهبتها المتوارية خلف هذا الوميض؛ فإن تأمل أدائها الكوميدي والدرامي المذهل في تحفتها السينمائية “Some Like It Hot” يكشف عن ممثلة تملك إيقاعًا أدائيًا صارمًا، وقد تجلت ذروة تماهيها الوجودي المكسور في فيلمها الأخير “The Misfits”، حيث حوّلت الهشاشة إلى أداة تعبيرية، ولم تكن مجرد وجه يملأ الفراغ، بل كانت طاقة قادرة على بناء دراما كاملة من نظرة مكسورة أو التفاتة مربكة.
كانت مارلين مونرو, دون أن تدري، السوسيولوجية الأولى التي فككت آليات النجومية الحديثة، وتختصر عبارتها الشهيرة: “الكاميرا تحب مارلين، لكن لا أحد يعرف نورما جين”، مأساة الشيء الذي عانت منه؛ فقد حاولت بكل قوتها التمرد على هذا السجن، فدرست التمثيل بجدية، وقرأت الفلسفة، وكتبت الشعر، بل وأسست شركة إنتاج خاصة بها لتنتزع حريتها الفنية، في صراع محتد بين فنانة تطمح إلى التقدير العقلي والنقدي، وصناعة تصر على استهلاكها كسلعة بصرية مبهجة.
هذا التناقض الوجودي هو ما يجعلها اليوم أقرب إلى إنسان هذا العصر، ففي زمن منصات التواصل الاجتماعي، حيث يعيش الجميع هوس صناعة الصورة الرقمية وتحويل الذات إلى محتوى، تبدو حكاية مارلين نبوءة تراجيدية مبكرة لما يحدث عندما تلتهم الصورة صاحبها.
إن احتفاء المتاحف والمعاهد السينمائية اليوم بمئوية مارلين مونرو ليس احتفاءً بفساتينها أو مقتنياتها الشخصية, بل هو وقوف أمام المعادلة القاسية لصناعة الشهرة، وهي أن تمنحك الشهرة وجهًا، وتأخذ منك الإنسان؛ وبعد مائة عام، لا تزال مارلين مونرو تجسد ذلك الفارق التراجيدي بين فعلين صاغا حياتها وموتها: “نورما جين” التي عاشت تموت رغبة في أن تُحَب كإنسانة، و”مارلين مونرو” التي أُريد لها من العالم بأكمله أن تُعْشَق كأيقونة، وبينهما، يظل وجهها مائة عام من الجمال الهش، والقلق النبيل، والخلود الذي كُتب بدموع لم تجف.
hishamissa.issa50@gmail.com
