محمد عبد المنعم صالح
mmoniem855@gmail.com
هنلك الكثير من البشر يشتاقون إلى الله، فيقومون الليل، ويواصلون الأذكار، وتفيض على قلوبهم الاأنوار للقرب، وفجأة وبلا مقدمات يشعرون بثقل غريب يطبق على أروحهم ، وكأن أحدهم أرخى ستارا من حديد بينه وبين حلاوة الذكر، وكأن فيض السماء توقف عن نزوله على قلوبهم ؟ هذا ليس وهما، ولا هو ضعف إيمان، بل هو حقيقة يعرفها أهل السلوك والتصوف، هي أن هناك أقفالا روحية تضرب على القلوب، ليست دائما من شيطان أو من شيخ فاسد، بل أحيانا من أناس عاديين، بل من قرابة الدم ، أخوات ، أخوان ، أصدقاء و..و.. ، تدب الغيرة في قلوبهم عندما يرون النور قد سرى في أحد غيرهم.
إنها الغيرة التي تتحول إلى حسد، والحسد الذي لا يكتفي بأن يتمنى زوال النعمة عن الغير، بل يدفع صاحبه إلى استئجار من يضرب قفلا روحانيا على قلب ذلك الطالب للنور المسكين، فيوقف فيض الله عنه، ويسده عن أذكار كان يلهج بها ليل نهار. وهذا ما نبه إليه كبار المشايخ، كابن عطاء الله السكندري الذي قال في حكمه قد يفتح على المريد باب من الأنوار فيحسده من حوله، فيسعى الشيطان على أيديهم ليغلقوا ذلك الباب بسحر التعطيل، وأبو مدين الغوث كان يحذر مريديه قائلا احفظوا سركم ممن لم يذقه الله من فيضه شيئا، فإن الحاسد إذا عجز عن بلوغ ما بلغتم، ضرب عليكم قفلا روحانيا بعلمه أو بجهله، وعبد الوهاب الشعراني ذكر في لطائف المنن أن بعض العوام المبتلين بالحسد يستأجرون من يعطل ألسنة الذاكرين ويقفل قلوبهم ظنا منهم أن هذا سيرفع قدرهم، وهو من الجهل بالله.
وليس الأمر مقصورا على شيخ ظالم يريد تبعية مريديه بالخوف، بل كثيرا ما يكون الفاعل إنسانا عاديا، لم يذق طعم الأذكار قط، فإذا رأى قرابة الدم يتلألأ نورا في وجهه، ويشهد حلاوة في صلاته لم يشهدوها هم ، تحرك في صدرهم دبيب الحسد، فيذهبو إلى من يزعمون علم الروحانيات وطلب منهم أن يقفلوا على قلب هذا الطالب للنور ، فيجلس طالب بعد ذلك في حلقته الذاكرين فيجد نفسه فجأة كأنه جدار أصم، لا يطرب لسماع اسم الله، ولا يخشع لقراءة القرآن، وكأن سحابة سوداء قد غطت على قلبه. والمصائب لا تقف عند هذا الحد، بل تجده ينسى أوراده اليومية التي كان يحفظها عن ظهر قلب، ويتكاسل عن صلاة الفجر التي كان يقوم إليها بفرح، ويرى في منامه أبوابا مغلقة، وجدرانا تمنعه من الوصول إلى نور أو ماء صاف، وكوابيس عن أقفال ضخمة تطبق على صدره.
هذا هو سحر القفل الروحاني الذي تمارسه الغيرة الخبيثة، وهذا هو ألد أعداء الطريق إلى الله. لكن هل يستطيع حاسد أو ساحر أن يوقف فيضا إلهيا نازلا من السماء على قلب طالب النور المخلص؟ كلا والله، فإن مفاتيح الأقفال كلها بيد الله وحده. ولكن الشيطان يدخل من باب الخوف، فالمريد الذي يجهل ما حدث له يظن أن الله قد هجره أو أن الطريق ليس له، فييأس ويرتد على عقبيه، وهذا هو المطلوب من الحاسد. أما المؤمن العارف فإذا شعر بثقل غريب على قلبه، وأحس بأن أذكاره قد تعطلت فجأة، فليعلم أن عينا حاسدة أو نفسا غيورة ، حاسدة ،كريهة قد ضربت عليه قفلا، فليهرع إلى حصن الله الحصين، آية الكرسي بعد كل صلاة، وسورة الفلق والناس في الليل والنهار، والصلاة على النبي بأعداد كثيرة، فإنها تذيب الأقفال الشيطانية كما تذيب النار الشمع، وليقل بلسانه وقلبه اللهم إني أعوذ بك من شر كل قفل يغلق فيضك عني، وليتيقن أن نور الله لا يطفئه حاسد، وأن فيضه لا يحجبه إلا ذنب مصر عليه، أو خوف مفرط من سحر لا يضر إلا بإذنه.
ولا يفوتني أن أنبه الساعين الي النور إلى أدب عظيم، هو كتمان النور الروحي عن غير أهله، فلا تخبر كل من تراه بما فتح الله عليك، فقلوب الناس خاصة زوي القربي فيها من أمراض الغيرة والحسد ما لا يعلمه إلا الله، واحفظ سرك مع ربك، ودم على الاستغفار، فإن الاستغفار يذيب كل ما يلقى عليك من حجب سحرية، وتذكر دائما أن من حسدك على نعمة الأذكار فإنما يخوض في بحر لا ساحل له، لأن الله إذا أراد بعبده خيرا فتح عليه، ولا يستطيع أحد أن يقفل ما فتحه الله، ولا أن يفتح ما قفله الله، فثق بالله وامض في طريقك ولو تخلى عنك الناس كلهم، فمن مع الله لا يخاف شيئا..
mmoniem855@gmail.com
