الصادق حمدين
الشعب السوداني، كطائر الفينيق، ما يزال ينهض من رماده، يحلّق بأجنحة الحرية كلما ظن الطغاة أنهم أحكموا قبضتهم عليه.
الطغاة يُقهَرون، والمستبدون ينكسرون، والمتسلطون يسقطون حين تصطدم إرادتهم بإرادة الشعوب. هذه ليست مجرد عبارة إنشائية، بل قانون تاريخي أثبت نفسه مراراً. فالشعوب الحية وحدها هي التي تحدد مصيرها، وهي التي تقول للطغاة متى يرحلون. ومن يظن أن كبرياء الشعب السوداني قد انكسر، أو أن كرامته قد صودرت إلى الأبد، إنما يخطئ قراءة التاريخ والواقع معاً.
هذا المقال كتبته في عام 2011، ونشرته في صحيفة الراكوبة، في لحظة كانت فيها رياح التغيير تعصف بالمنطقة، ومع ذلك، فإن ما يحمله من معان لم يفقد صلاحيته، بل ازداد رسوخاً بعد ثورة ديسمبر المجيدة التي اندلعت في السودان عام 2018، وما صاحبها من أحداث جسام أكدت أن هذا الشعب لم يمت، ولن يموت وإن أصابه مرض الديكتاتورية المميت.
لقد أثبتت ثورة ديسمبر المجيدة وما تلاها من مأساة فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو وما عقبها من مسيرة الثلاثين من يونيو المهيبة أن الشعب السوداني لا يزال قادراً على ابتداع أدواته النضالية، وعلى تجاوز القمع، وعلى إعادة تعريف نفسه في مواجهة محاولات التهميش والتفتيت. ورغم ما أعقبها من انتكاسات، وانقلابات، وصراعات، وحروب مدمرة أنهكت البلاد، فإن جذوة الثورة لم تنطفئ، بل ازدادت اشتعالًا في وجدان الشعب السوداني المناضل.
الثورات، كما كتبت سابقاً، لا تستأذن أحداً، ولا تحتاج إلى تأشيرات عبور. وهي اليوم، كما كانت بالأمس، لا تخضع لقوانين الطغاة ولا لإجراءاتهم الأمنية القمعية. كل ما تحتاجه هو تراكم الظلم والوعي بثقله، واتساع الفجوة بين الشعوب وأنظمتها، حتى تبلغ لحظة الانفجار. وقد بلغ السودان هذه اللحظة مراراً، وسيبلغها ما دامت أسبابها قائمة.
إن ما حدث في تونس ومصر وفي ليبيا قبل سنوات كان درساً بليغاً، لكن الطغاة كما هي عادتهم لا يقرؤون التاريخ، أو يقرأونه بانتقائية موغلة في الغباء والسذاجة. وفي السودان، تكرر المشهد ذاته: نظام يظن أن أدوات القمع كافية للبقاء، وأن تعدد الأجهزة الأمنية والمليشيات وجيوش الظل يمكن أن يحجب شمس الحرية. لكن التجربة أثبتت أن الشعوب حين تقرر، فإن كل ذلك ينهار كبيت من ورق.
لقد سقط رأس نظام الكيزان ممثلاً في عمر حسن البشير فقط تحت ضغط ثورة شعبية سلمية عظيمة، لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود بعد ذلك. فقد واجهت الثورة تحديات داخلية وخارجية، ومحاولات مستمرة لاختطافها أو الالتفاف عليها. وعمليات تشكيك واختراق امني إلا ان هذه الثورة المجيدة تنبع مصداقيتها ونبل أهدافها من دماء شهدائها، فالدماء أصدق إنباءً من كل محاولات تفريغها من أهدافها وتجييرها لصالح النظام مرة أخرى. ومع ذلك، فإن الوعي الذي تشكّل لدى السودانيين، خاصة جيل الشباب الثوري، أصبح من الصعب كسره أو احتواؤه.
إن مشاهد الحرب والانقسام التي يعيشها السودان اليوم لا تلغي حقيقة أساسية: أن إرادة الشعب لا تزال حية. بل ربما تزيدها هذه المآسي إصراراً على استعادة الدولة، وبنائها على أسس الحرية والسلام والعدالة، وهي الشعارات التي لم تكن مجرد هتافات، بل مشروعًا وطنياً متكاملاً.
الثورات لا تُستنسخ، لكنها تتجدد. والثابت فيها هو الإنسان، بكرامته وتوقه للحرية، والمتغير هو شكل الأنظمة التي تحاول مقاومة هذا التوق. والسودانيون، بما يملكونه من إرث نضالي عريق من ثورتي أكتوبر وأبريل، وصولًا إلى ديسمبر أثبتوا أنهم قادرون على إعادة إنتاج ثورتهم كلما دعت الحاجة.
وغداً، كما قلت في 2011، سيقول الشعب السوداني كلمته. لكنه هذه المرة أكثر وعياً، وأكثر تنظيماً، وأكثر إدراكاً لتعقيدات المشهد. لن تنطلي عليه وعود الإصلاح المتأخرة، ولا محاولات شراء الوقت. فقد تعلّم أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الكرامة لا تُستعاد إلا بثمن باهظ.
قد يطول الطريق، وقد تتعثر الخطى، لكن النهاية معروفة لكل من يقرأ التاريخ جيداً إن الشعوب تنتصر في نهاية الطريق.
وسيظل السودان، رغم الجراح، بلدا ًقادراً على النهوض… كطائر الفينيق، في كل مرة. فالشعب السوداني لا يعرف طريقاً لليأس المميت بل يسلك دائماً طريق الحرية والأمل.
umniaissa@hotmail.com
