من أحاجي وسط السودان- 1
حُمْرَة قُرْقُدَانة مَرَة الجِقِر بَابِكِر
ترويها أميمة زُمراوي
حررها عادل سيد أحمد
الراوي:
- كان ياما كان، في قديمِ الزمان، ولا يحلو الكلام إلَّا بذكر النبي عليه أفضلُ الصلاةِ والسلام.
جُوقة الأطفال: - صلى الله عليه وسلم.
كان في كُدُندارة (أنثى الجُعران) اسمها (حُمْرَة قُرْقُدَانة)، وكانت متزوجة من جِقِر (فأر كبير) اسمه بَابِكِر.
كانت (حُمْرَة قُرْقُدَانة) تقوم منذ الصباح لتنظف بيتها، وتجهز الشاي لزوجها، فيشربانه ويتآنسان مع بعضهما بعضاً، ثم يذهب لعمله، بينما تظل هي تقوم بالأعمال البيتية، فتنظف وتطبخ لتجهز له طعام الغداء، إلى أن يرجع. وكان هذا هو برنامجهم اليومي.
في يوم من الأيَّام خرج بَابِكِر لشغله في الصباح الباكر دون أن يفطر، فطبخت هي الأكل بعد أن رتبت البيت وعملت كل ما يجب عليها عمله. فصار لديها فائض من الزمن، فجلست فوق حفرة الدخان (حمام بخار من حطب الطلح العطري) فتدخنت، ثم خرجت لزيارة جاراتها بعد صنعت طعام الغداء ورفعته له في المشلعيب (شبكة منسوجة من السعف يوضع فيها الطعام لا سيما اللبن والروب وتعلق في سقف المطبخ)، على اعتبار انه لن يفطر وسيكون جائعاً عندما يعود، لكنها لم تطفئ الحفرة ونستها مشتعلة.
وجاء بَابِكِر راجعاً في غيابها، وتوجه من فوره إلى المشلعيب، ومد يده ليتناول الغداء، فظهرت له عقرب وسَلَّت ذنبها تهمُّ بلدغِهِ، فخاف منها وحاول أن يتفاداها، ولكنه، للأسف، في أثناء محاولته الهرب خرَّ واقعاً في حفرة الدخان، وأحترق ومَاتْ.
وجاءت (حُمْرَة قُرْقُدَانة) راجعة من عند الجيران، فوجدت بَابِكِر في حفرة الدخان محترقاً وميتاً، فطفقت تصحيح وتولول:
- بَابِكِر مَاتْ! بَابِكِر مَاتْ…
جاءت طويرات فوجدتها تبكي وتصيح، فسألنها عمَّا حدث، فقالت لهن: - بَابِكِر وقع مَاتْ!
الطويرات، من الحزن على بَابِكِر، نتفوا رِيِشتهن، فصارن بلا رِيِش، ولا ريشة واحدة. ثم ذهبن لشجرةٍ بعيدة رَكَّن فوقها، فقالت الشجرة لهُّن: - يا شَنْقَرِيِش بلا رِيِش؟
قالوا لها - شَنْقَرِيِش بلا رِيِش؟
حُمْرَة قُرْقُدَانة… أم مَطْمُوُرَة مَليَانَة
عَقرَب سِلِّي سِلِّي
بَابِكِر وقع مَاتْ
فحتَّت الشجرة، هي الأخرى، كل صفقها (أوراقها) من الحزن على بَابِكِر، وصارت واقفة عُود فقط، بدون أي صفق. فجاءت غنيمَاتْ فوجدنها عاريةُ من الصفق، وليس فيها ولا صفقة وحدة، فاستغربن، وقُلن لها: - يا شِجْرنَا حِتِيْتُوُن؟
قالت لهم: - شِنْ شِجْرنَا حِتِيْتُوُن؟
شَنْقَرِيِش بلا رِيِش
حُمْرَة قُرْقُدَانة… ام مَطْمُوُرَة مَليَانَة
عَقرَب سِلِّي سِلِّي
بَابِكِر وقع مَاتْ
وضربت الغنيمَاتْ، من الحزن على بَابِكِر، الشجرة بقرونهن، فضربن وضربن إلى أن تكسَّرت قرونهن فصرن بلا قرُون. ثم ذهبن للبحر (النيل) ليشربن من ماءه، فلما رَآهِنَّ قال لهن: - يا بنات عِصِيْ بلا قرُون؟
قالن له: - شِنْ بنات عِصِيْ بلا قرُون؟
شِجْرنَا حِتِيْتُوُن
شَنْقَرِيِش بلا رِيِش.
حُمْرَة قُرْقُدَانة… أم مَطْمُوُرَة مَليَانَة
عَقرَب سِلِّي سِلِّي
بَابِكِر وقع مَاتْ
البحر بعد أن سمع كلام الغنيمَاتْ (بنات عِصِيْ بلا قرُون)، شرد هو أيضاً من الحزن على بَابِكِر، وانحسر بعيداُ، وصار عبارة عن جدولٍ صغير.
فجاءت بنت تحمل قُلَّة أو بُرمة، فجاءت ووجدت أن البحر قد سرح بعيداً، وصار جدولاً صغيراً. فقالت له متعجبة: - شِنُو يا بَحَرْنَا شِرِيْدُوُن؟
قال لها: - شِنْ بحركم شِرِيْدُوُن؟
بنات عِصِيْ بلا قرُون
شِجْرنَا حِتِيْتُوُن
شَنْقَرِيِش بلا رِيِش
حُمْرَة قُرْقُدَانة… أم مَطْمُوُرَة مَليَانَة
عَقرَب سِلِّي سِلِّي
بَابِكِر وقع مَاتْ.
فكسرت البنت، من حزنها على بَابِكِر، برمتها وعادت إلى البيت دون ماء وهي تبكي وتصيح، فلقيها أبوها، وقال ليها: - يا بِنيَّتنا كِبيرُون… بُرمتنا كِسِيرُون؟
قالت له: - شِنْ بِنَيَّتكم كِبيرُون؟
بَحَرْنَا شِرِيْدُوُن
بنات عِصِيْ بلا قرُون
شِجْرنَا حِتِيْتُوُن
شَنْقَرِيِش بلا رِيِش
حُمْرَة قُرْقُدَانة… أم مَطْمُوُرَة مَليَانَة
عَقرَب سِلِّي سِلِّي
بَابِكِر وقع مَاتْ
والأب، من شدة الحزن على بَابِكِر (ولا أعرف لماذا كل الناس حزينة على بَابِكِر هذا)، فأخذ الأب حجراً وكسَّر به أسنانه، وسار في الطريق إلى بيتها وهو حزين يبكي، وعندما دخل الى بيته وحد زوجته (تفرك في مُلَاح أخضر)، فلما رأته قالت له: - شِنُو يا راجِلنا فِلِيْجُوُنْ؟
فقال لها: - شِنْ راجلكم فِلِيْجُوُنْ؟
بنيتنا كِبِيْرُون بُرْمَتنا كِسِيْرُون
بَحَرْنَا شِرِيْدُوُن
بنات عِصِيْ بلا قرُون
شِجْرنَا حِتِيْتُوُن
شَنْقَرِيِش بلا رِيِش
حُمْرَة قُرْقُدَانة… ام مَطْمُوُرَة مَليَانَة
عَقرَب سِلِّي سِلِّي
بَابِكِر وقع مَاتْ.
المرأة بدورها، من الحزن على بَابِكِر، كَشَحَتْ (دفقت) مُلَاحها الأخضر، وجرت وهي مكتَّحة (مُعفرة) بالغبار ومَكَنْدَكة بالتراب لتعزي (حُمْرَة قُرْقُدَانة) في بَابِكِر، ولكن المفاجأة كانت أنها وجدت حُمْرَة جالسة فوق حفرة الدخان، فقالت لها: - شنو يا جارتنا حزينون؟
يعني تريد أن تقول لها: (إنت راجلك مات فكيف تتدخني).
فردت عليها حُمْرَة، وقالت لها: - شنو جارتنا حِزَينُون؟
- بابكر مات الله يرحمه، وهو كفيلٌ به، وأنا شحذت الله وهو منحني البديل!
واختتمت حديثها بالقول متعجبة: - (حُمْرَة قُرْقُدَانة) غفرت الجيران مالها كفرت؟
وهكذا انتهت حكاية حُمْرَة قُرْقُدَانة مَرَة الجِقِر بَابِكِر.
amsidahmed@outlook.com
