هناك، في أرض الجزيرة التي صاغتها الزراعة وشكلت وجدان أهلها، لفت انتباهنا استعمال كلمتين ظلتا حاضرتين في حديث المزارعين جيلاً بعد جيل: التقاوي والتقا.
وللوهلة الأولى قد يظن المرء أن هناك صلة مباشرة بين هاتين الكلمتين بحكم التشابه في اللفظ، لكن وفي الواقع أن لكل منهما معنى مختلفاً وموقعاً خاصاً في دورة الإنتاج الزراعي
فالتقاوي هي البذور التي يختارها المزارع بعناية من محصوله ليحتفظ بها للموسم القادم، لذلك كانت تمثل أساس العملية الزراعية وبدايتها. أما التقا فهي مساحة أو بقعة تُخصص وسط مزارع الذرة، تُجمع فيها القناديل بعد الحصاد ليتم فرزها وتجميعها استعداداً للاستفادة منها أو تخزينها. وهكذا ارتبطت التقاوي ببداية الموسم، بينما ارتبطت التقا بنهايته وما يتبع الحصاد من أعمال.
وإذا تأملنا هاتين المفردتين وجدنا أنهما تقوداننا إلى تاريخ طويل من المعرفة الزراعية التي تراكمت في السودان عبر القرون. وكما أشرنا في مواضع سابقة، فإن كثيراً من المفردات الزراعية المتداولة في الجزيرة جاءت مع القادمين من شمال السودان، الذين سبق استقرارهم في المنطقة بمئات السنين. فقد حملوا معهم خبراتهم الزراعية وأساليبهم في التعامل مع الأرض والنهر، كما نقلوا كثيراً من المصطلحات التي أصبحت جزءاً من لغة المزارعين في المنطقة.
وكان النوبيون بحكم ارتباطهم التاريخي بالنيل أكثر ميلاً إلى الاستقرار والزراعة، فسكنوا ضفاف النيل الأزرق ومارسوا زراعة الجروف وغيرها من الأنشطة الزراعية المعروفة. كما أسهموا في نقل بعض أساليب البناء والاستقرار في تلك المناطق التي كانت تسود فيها المساكن التقليدية المشيدة من القش وحطب السنط.
ومع بداية مشروع الجزيرة الزراعي دخلت المنطقة مرحلة جديدة من تاريخها. فقد توافدت إليها مجموعات بشرية من مختلف أنحاء السودان وخارجه، بحثاً عن العمل والاستقرار. واستعانت الإدارة البريطانية بعمال من بعض البلدان الإفريقية للعمل في حقول القطن التي كانت تحتاج إلى أعداد كبيرة من الأيدي العاملة وتلك الخبرات المتخصصة. واستقر كثير من هؤلاء لاحقاً في مناطق متفرقة من المشروع وأصبحوا جزءاً من نسيجه الاجتماعي.
وكان غالب سكان الجزيرة من المسلمين الناطقين بالعربية، كما أن كثيراً منهم مارسوا الرعي إلى جانب الزراعة. ففي موسم الخريف كانوا ينتشرون في السهول حيث تتوفر المراعي والمياه، وعندما يشتد الصيف ويقل الكلأ يعودون إلى القرى الواقعة على ضفاف النيل الأزرق بحثاً عن الماء والمراعي لمواشيهم.
ومن خلال هذا التداخل بين الزراعة والرعي، وبين الهجرات والاستقرار، وبين الثقافات والخبرات المتنوعة، تشكلت شخصية الجزيرة المعروفة اليوم. ولم تنتقل بين الناس المحاصيل وأساليب الزراعة فحسب، بل انتقلت كذلك الكلمات والمفردات التي تحمل في داخلها ذاكرة المكان وتجارب أهله.
ولذلك فإن كلمات مثل «التقاوي» و«التقا» ليست مجرد ألفاظ زراعية عابرة، بل هي شواهد حية على تاريخ طويل من العمل في الأرض، وعلى كم من خبرات متوارثة حفظها المزارعون في لغتهم كما حفظوها في مزارعهم، جيلاً بعد جيل..
لاهلي في الجزيرة كل حبي وتقديري..
osmanyousif1@icloud.com
