باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 1 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
أبكر محمد أبوالبشر
أبكر محمد أبوالبشر عرض كل المقالات

ضرورة التدخل الأممي في السودان

اخر تحديث: 30 يونيو, 2026 9:42 مساءً
شارك

(1): لماذا التدخل الأممي؟ بعد اندلاع الحرب اللعينة في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023م، والتي شملت كل أرجاء البلاد، كتبتُ مقالاً بتاريخ 27 أبريل 2023م نُشِر آنذاك في الصحف الإلكترونية السودانية، ناشدتُ فيه ضرورة التدخل الأممي العسكري لتحقيق أربعة أهداف أساسية، هي: أولاً: وقف الحرب كاملاً في كل أقاليم البلاد. ثانياً: نزع السلاح من جميع المواطنين بلا استثناء. ثالثاً: حصر الجيوش في ثكناتها، وفي الوقت نفسه يتم احتواء الحركات المسلحة خارج التجمعات السكنية المدنية. رابعاً: أن يتم أثناء وجود القوات الأممية العسكرية في البلاد وضع دستور وطني دائم، يُبنى على فلسفة العقد الاجتماعي، وبرضاء وإجماع مواطني السودان. وتضامناً لذكرى 30 يونيو 2019م، أجدد مناشدتي تلك بصيغة أخرى.

الشاهد في الأمر أن مقالي ذاك واجه استهجاناً واستنكاراً من عدد غير قليل من السودانيين، السياسيين والمتعلمين غير السياسيين على حدٍّ سواء، وهذا ليس عيباً، بل يدل على حرص الناس على مصلحة وطنهم. فقد كان بعضهم يعتقد أن هذه دعوة لاستعمار أجنبي، بينما يستند آخرون في رأيهم إلى فشل التدخل الأممي في العراق. ومع ذلك ظل الناشطون – خاصة التنظيمات النسوية – يرفعون شعار “لا للحرب” دون أي إشارة إلى آلية فعّالة توقف هذه الحرب.

زد على ذلك أنه تمت عدة محاولات تصالحية – دون جدوى – على الصعيدين الإقليمي والدولي للجمع بين قائدي الحرب للتوصل إلى وقفها، وكان “نداء جدة” مثالاً على ذلك. فضلاً عن ذلك، أُقيمت عدة ورش ولقاءات سياسية في عواصم دول شرق إفريقيا من أجل التوصل إلى وقف الحرب وإقامة نظام سياسي مدني ديمقراطي. لكن المفارقة العجيبة أن الكتلة الأولية التي سُمِّيَت بـ”تقدّم” انقسمت بعد زمن قصير من تكوينها إلى كتلتين: إحداهما باسم “صمود”، والأخرى باسم “تأسيس”. وبالتالي فإن كل تلك المحاولات لم تبارح مكانها بتاتاً، بل ازداد الأمر دماراً وتشرذماً، أوصل البلاد إلى حكومتين: إحداهما مقرها الرئاسي في مدينة بورتسودان شرق البلاد، والأخرى في مدينة نيالا غرب السودان.

في هذه المقالة سوف أتناول – بقدر المستطاع – ما يلي: (أ) مفهوم الدولة وتاريخ نشأة الدولة السودانية وأسباب فشل تماسك وحدتها. (ب) المأساة الإنسانية وخطر الاستعمار الإقليمي القادم. (ج) مفهوم العقد الاجتماعي. (د) مبررات التدخل الأممي والنتيجة المرجوة.

(2): نشأة الدولة السودانية الحديثة

في إطار السعي الدؤوب والبحث الموضوعي والفاعل لحل الأزمة السودانية المستفحلة، تقتضي الحاجة أولاً النظرة الواقعية إلى نشأة الدولة السودانية الحديثة، حتى نتمكن من طرح حلول ناجعة ومستدامة. فالرقعة الجغرافية المسماة بالسودان كانت حتى عام 1820م مكوّنة من عدة ممالك وسلطنات مستقلة تماماً عن بعضها، بل لم تكن هناك حدود مشتركة بين كثير منها. فعلى سبيل المثال، لم تكن هناك حدود مشتركة بين سلطة سلاطين النوير في الجنوب أو البجا في الشرق مع سلطنة دارفور في أقصى الغرب.

والذي جمع كل هذه الممالك والسلطنات في دولة واحدة، ومن ثمّ منحها اسماً جديداً هو “السودان”، هما سلطتا الاستعمار التركي/المصري (1820–1885م) والبريطاني/المصري (1899–1956م). والجدير بالذكر ما يلي: (أ) أن السلطات البريطانية أمضت ثلاثة وثلاثين عاماً في حكم الشمال قبل أن تتمكن من استعمار قبائل الدينكا والنوير والتبوسا في الجنوب. (ب) أن سلطنة “دار المساليت” في أقصى غرب البلاد انضمت طوعاً إلى السودان – المستعمرة البريطانية آنذاك – عام 1925م، لتفادي المزيد من محاولات الغزو الفرنسي القادم من غرب إفريقيا. (ج) أن الإدارات الأهلية في قمة “جبل مرة” لم تخضع للاستعمارين الأجنبيين المذكورين، وذلك لطبيعة الحصن الطبيعي الذي تتمتع به المنطقة.

وفي هذا المقام، من المهم ذكر مختصر لمفهوم الدولة القومية الحديثة ونشأتها. إذ يمكن إرجاع بداية ظهورها في أوروبا إلى معاهدة وستفاليا التي وُقِّعت عام 1648م لتنهي حروباً دينية طويلة الأمد استمرت مئة عام، وتمّ بمقتضى هذه المعاهدة تقسيم أوروبا إلى دول وفق ديانة كل حاكم. وفي هذه المعاهدة زالت فكرة توحيد العالم المسيحي – التي كانت سائدة آنذاك – بزعامته الزمنية والدينية، وحلّت محلها الدولة القومية ذات السيادة التاجية من الناحيتين الزمنية والدينية. وبناءً على ذلك فقد النبلاء أهميتهم، كما فقد رجال الكنيسة سلطاتهم.

وثمة عامل مهم سهّل عملية إنشاء الدولة القومية في أوروبا، يتمثل في التجانس الثقافي النسبي الذي كانت تتميز به القارة آنذاك، مما يسّر عملية بناء الدولة القومية. ومع التسليم بأن هذا التجانس الثقافي النسبي لا يقود وحده إلى بناء الدولة، إلا أنه على الأقل يحدّ من صعوبة إقرار ترتيبات إدارية مشتركة وموحدة على جميع السكان، ويجعل التحالف بينهم أكثر يسراً ومرونة. وبعبارة أوضح، فإن الدولة القومية ظهرت في أوروبا مع نزوع كل قومية نحو بناء دولتها، وهي في هذا السعي إنما تهدف إلى بناء دولة الأمة.

وانطلاقاً من أن الأمر يتعلق بالدولة القومية، دعنا نورد بصورة مختصرة ومفيدة مفهوم “الدولة” في العرف الدولي. فقد ورد في مجلة العلوم والابتكار الدولية، المجلد 3، العدد 9، سبتمبر 2024م أن مفهوم الدولة وجوهرها هو الكيان الذي يشكّل أساس النظام السياسي، ويؤدي وظائف ومهاماً مهمة للمجتمع، إذ يجسّد حقوق وحريات المواطنين. في الواقع تظهر الدولة كظاهرة معقدة ومتنوعة، تُفسَّر بشكل مختلف عبر العصور. وللدولة سيادتها، أي السيطرة على أراضيها بما تحتويه من موارد طبيعية وكذا على سكانها، ومن ثمّ ممارسة أنشطتها دون أي ضغط خارجي في سياستها الداخلية والخارجية.

لذلك فالدولة في معناها العام تعني منظمة سياسية تمارس سلطة عليا في منطقة معينة – حيز جغرافي ذو حدود معلومة – ولها جهاز إداري خاص يدير مصالح جميع الفئات الاجتماعية والسياسية في المجتمع، ويوحّد بينها وينسّق مصالحها. وفي موضع آخر يتجسد مفهوم الدولة القانوني في أنها منظمة سياسية تمارس سلطة عامة في منطقة معينة، وتضع معايير ملزمة بشكل عام، ولها سيادة.

ومن هذا المنطلق تتكون الدولة من أربعة عناصر أساسية: (أ) امتلاك الدولة حدوداً إقليمية معلومة “رقعة جغرافية”، تشمل موارد مائية وبرية وجوية، تمارس عليها سلطتها، ويمكن أن تديرها بتقسيمها إلى وحدات إدارية إقليمية. (ب) وجود تجمع سكاني في منطقة محددة “الشعب”، ويجب أن تكون للدولة حدود إقليمية محددة بدقة، ويُعدّ سكان هذه الحدود مواطنين في الدولة. (ج) وجود هيكل إداري خاص “السلطة الحاكمة”، إذ تمتلك الدولة آلية معقدة لتحقيق أهدافها وغاياتها، مما أدى إلى ظهور الموظفين المدنيين. ويتميز الجهاز الإداري للدولة بحجمه الكبير الذي يجعله ذا صلة بالمجتمع بأسره. (د) وجود نظام قانوني – دستور أي سلطة الحكم – إذ لا وجود للدولة دون قانون. فالنظام القانوني ضروري لتمكين الدولة من ممارسة أنشطتها على أساس قانوني، وينظم عمل جهاز الدولة، ويضمن شرعية العلاقات بين الدولة والمجتمع، وبين الدولة والدول الأخرى.

لذلك هناك إجماع عام بين علماء السياسة على أن الدولة تكون مكتملة التكوين عندما تتوفر فيها العناصر الأربعة المذكورة آنفاً: الشعب، الإقليم، الدستور، والسلطة الحاكمة.

انطلاقاً من الفهم الصحيح للدولة، نصل إلى قناعة راسخة بأن الدولة السودانية المزعومة غير مكتملة بتاتاً في كل عناصرها الأربعة، ويُستدل على ذلك بما يلي:

(أ) النخب النيلية الشمالية الحاكمة، التي ورثت السلطة من الاستعمار، لا تعترف ببقية شعوب البلاد كمواطنين يجب أن يتمتعوا بحقوق وواجبات متساوية. فالحروب الأهلية التي اندلعت منذ ما قبل الاستقلال برهنت على عدم اعتراف هذه النخب الإثنيات البشرية التي يقع مواطنوها خارج دائرة الوسط الشمالي. فقد صنعت هذه النخب صراعات دموية أدت إلى فصل الجنوب، وتعمل حالياً على فصل غرب السودان. أما من الناحية الاجتماعية، فالمستعربون يودّون جعل الشعوب الإفريقية الأصل عرباً، وهي مسألة تخالف الفطرة الإنسانية ولا يمكن تحقيقها. فعلى سبيل المثال: ما معنى أن يُوجَّه طالب الجنسية السودانية إلى الإقرار بأن أجداده وجدوا في السودان منذ دخول العرب إليه؟ أو أن يتغاضى مخططو المناهج عمداً عن ذكر أي منطقة في دارفور في كتاب سبل كسب العيش المعدّ للتربية الوطنية لتعريف الطلاب بمناطق الطبيعة المختلفة في وطنهم؟

(ب) منذ الاستقلال، ولمدة تزيد على سبعة عقود، لم نشهد حكومة وطنية – مدنية كانت أم عسكرية – تدير مصالح جميع الفئات الاجتماعية والسياسية في المجتمع، وتوحّد بينها وتنسّق مصالحها.

(ج) الرقعة الجغرافية التي رسمها المستعمر نجد أن أجزاء منها مبتورة، بل محتلة من قبل بعض دول الجوار، مثل مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد في أقصى الشمال الشرقي للبلاد، ومنطقة الفشقة على الحدود الإثيوبية بطول 725 كيلومتراً، وكرب التوم على الحدود مع ليبيا. والشاهد أن كل الحكومات المتعاقبة لم تكترث بمتابعة هذه القضايا مع المحكمة الدولية.

(د) “الدستور” أو لنقل “سلطة الحكم” – أصبح السودان دولة بلا وجدان، أي بلا روح – وهذا الأمر يمثل جوهر الدولة الحديثة، لكن السياسيين تجاهلوه. وكل ما يحدث هو صراع مستميت لتفصيل دستور يناسب فئة سياسية محددة، وليس لصالح البلد وشعبه. لذلك ظللنا نُحكَم بدستور مؤقت وضعه المستعمر منذ أكثر من سبعين عاماً، ويتم تعديله حسب أهواء النظام المسيطر على زمام السلطة. إن عدم وجود دستور دائم يقرّه الشعب السوداني هو الذي أدى إلى الانهيار التام في كل مناحي الدولة – التي لم تكتمل أصلاً – كما يتضح من الخلل الذي أصاب عناصرها كافة. وفي ظل هذا الوضع يصبح وضع دستور دائم أمراً ضرورياً وملحّاً قبل الحديث عن استعادة الديمقراطية، التي لم تكن يوماً ديمقراطية حقيقية في مسيرة العمل السياسي السوداني.

(3): التدخل الإقليمي في السودان

أزاء هذا التدهور المريب، طالعتنا الأخبار في الأسبوع الماضي عن قصف الطيران المصري لأراضٍ سودانية ومقتل وجرح العديد من المواطنين، وهذا الخبر المتداول على نطاق واسع مصدره مواطنون يعملون في التعدين التقليدي، ومنظمات حقوقية سودانية، وتقارير صحيفة مداميك وراديو دبنقا. وتشير هذه التقارير والتحليلات السياسية إلى أن الغرض من القصف المصري هو التمهيد لإخلاء الأرض لإقامة مشاريع استثمارية تخص شركة التعدين المصرية “ديب ميتالز Deep Metals”، وهي الشركة التي حصلت مؤخراً على حقوق واسعة لاحتكار وتنقيب التعدين من حكومة بورتسودان في أربع ولايات سودانية تحتوي على مربعات الذهب الرئيسية، وهي: ولاية نهر النيل، الولاية الشمالية، ولاية البحر الأحمر، ولاية القضارف. وتضم هذه الولايات ثلاث مربعات امتياز كبرى ومنجماً صغيراً.

لذلك تريد شركات الاستثمار المصرية تطهير هذه المربعات من التعدين الأهلي العشوائي، بهدف تسليم هذه المساحات الشاسعة “نظيفة وآمنة” لشركات الاستثمار الكبرى التي يقودها مستثمرون مصريون مقربون من دوائر القرار – حسب التقارير – وعلى رأسها شركة “ديب ميتالزDeep Metals ” التابعة لمحمد الجارحي وشركائه. وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن محمد الجارحي يمتلك 47.5% من أسهم الشركة، بينما تعود النسبة المتبقية لشريكيه السودانيين: مبارك أردول (المدير العام السابق للشركة السودانية للموارد المعدنية، وهو ما يمنح الشركة خبرة وعلاقات قوية داخل السودان)، وعمر النمير (رجل أعمال سوداني بارز يشغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب).

مما سبق، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه في السودان، ربما بصورة مختلفة، لكن الغرض هو نفسه. فالاستعمار الأول للسودان – التركي/المصري عام 1820م – كان من أجل المال والرجال (الذهب في منطقة بني شنقول)، والاستعمار الثاني – البريطاني – كان أيضاً بمعاونة المصريين. لذلك فإن التدخل المصري العسكري في أربع ولايات سودانية تحت غطاء حماية الحق القانوني للتنقيب هو استعمار جديد للسودان بعينه. والفارق البغيض المثير للاشمئزاز هذه المرة هو أن بعض النفوس المريضة من السودانيين يشاركون المصريين في استعمار بلدهم.

أزاء هذا الاستعمار الجديد، يبقى السؤال: ماذا أنتم فاعلون أيها السودانيون؟

(4): المأساة الإنسانية

بعد اندلاع الحرب البغيضة والدموية في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023م، تشعّبت عواقبها الوخيمة فأنتجت مأساة إنسانية لا مثيل لها في العصر الحديث. وفي هذا الصدد نورد هنا – بالتوثيق – بعض جوانب حصيلة هذه الحرب ليستبين لنا حجم وحشيتها المروّعة.

ذكرت سكاي نيوز عربية – أبو ظبي في 25 يوليو 2025م أن أربع منظمات دولية تابعة للأمم المتحدة كشفت عن أرقام كارثية للخسائر التي لحقت بالسودان بعد 27 شهراً من الحرب التي اندلعت في العاصمة الخرطوم منتصف أبريل 2023م. واتهمت منظمات الأمم المتحدة الجانبين بارتكاب فظائع مثل التطهير العرقي والقتل خارج نطاق القضاء والعنف الجنسي ضد المدنيين، بمن فيهم الأطفال.

وفي الوقت نفسه، قدّرت بيانات نشرتها منظمة الهجرة الدولية عدد الذين أُجبروا على ترك بيوتهم منذ اندلاع الحرب بأكثر من 16 مليون شخص، منهم 12 مليوناً نزحوا إلى مناطق داخلية أقل خطورة، بينما عبر أكثر من4 ملايين الحدود إلى الدول المجاورة. كما ذكرت المنظمة أن 15.9 مليون طفل فقدوا القدرة على مواصلة الدراسة؛ إذ لم يتمكن 9 ملايين من العودة إلى مدارسهم بسبب النزوح أو اللجوء أو استمرار إغلاق المدارس في العديد من المناطق، في حين أضاع نحو 6 ملايين طفل ممن بلغوا سن الدراسة فرصة الالتحاق بالمدارس بسبب الظروف الأمنية التي أدت إلى ضياع ثلاثة أعوام دراسية في مناطق واسعة من البلاد.

وفي 24 ديسمبر 2025م، أورد راديو دبنقا أن عدد القتلى من المدنيين في النصف الأول من عام 2025م – من يناير إلى يونيو – بلغ قرابة 4 آلاف شخص، بينهم 191 طفلاً، حسب ما وثقته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. وأفاد الراديو بأن السودان شهد منذ انفجار الحرب وحتى الآن أكبر حالة نزوح ولجوء في العالم، حيث بلغ عدد النازحين داخلياً 12 مليون شخص، وعدد اللاجئين إلى دول الجوار أكثر من 4 ملايين، تواجد معظمهم في مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وأوغندا وليبيا وإفريقيا الوسطى.

كما أفاد الراديو ببشاعة القتل خارج نطاق القانون والمتمثلة في الإعدامات الميدانية، حيث وثقت الأمم المتحدة مقتل آلاف المدنيين خلال هجمات قوات الدعم السريع، أبرزها الهجوم على مخيم زمزم للنازحين في أبريل 2025م. وأوردت أيضاً وجود مقابر جماعية؛ إذ كشفت تقارير رسمية ودولية عن اكتشاف ما يقرب من 965 مقبرة جماعية في ولايات الجزيرة ودارفور (الجنينة وأردمتا) وكردفان، ويُعتقد أنها تضم جثامين لأسرى تمت تصفيتهم ومواطنين فُقدوا قسرياً. كما ذكرت أن هذه الحرب اللعينة تستخدم الاغتصاب كسلاح حرب، حيث تعرضت النساء والفتيات لانتهاكات جنسية “مروّعة وواسعة النطاق”.

وبما أن الأوضاع الأمنية والمعيشية والسياسية تزداد سوءاً وتدهوراً كل يوم، فإن إقامة دولتي شرق وغرب السودان – إن حدثت فعلياً – لن تقود إلى وقف الحروب، لأن الدلائل تشير إلى عدم استقرار كلتا الدولتين. ويظهر ذلك في انقسام الحركات المسلحة إلى فئتين – خاصة تنظيمات غرب السودان – إذ تناصر كل فئة أحد طرفي النزاع. ويبدو جلياً أن هذا الانقسام لن ينحصر على الحركات المسلحة فقط، بل سيشمل أيضاً المجتمعات الإثنية السودانية، ويظهر ذلك في صوت الكراهية الذي أصبح يعلو سماء المجتمعات السودانية بشكل مشين آثم.

لذا سيحدث الانهيار الكامل في السودان لا محالة، وستصبح الدولة السودانية – التي لم تكتمل أصلاً – في “خبر كان”، هذا إن لم تكن قد باتت مفككة بالفعل. لذلك أجدد دعوتي بأن نتقدم نحن السودانيين – بمحض إرادتنا – بطلب إلى الأمم المتحدة للتدخل عسكرياً لوقف الحرب وحماية المدنيين. فالتدخل الإنساني الدولي لا يتطلب تفويضاً من مجلس الأمن أو موافقة الجمعية العامة، كما حدث في كوسوفو عام 1990م وتيمور الشرقية وليبيا والعراق، بل هو من أجل حماية الأرواح البشرية البريئة.

وفي هذا النداء نستند إلى وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تم في باريس في العاشر من ديسمبر 1948م بموجب القرار 217، بوصفه معياراً مشتركاً ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم. وقد جاء ملخص هذا الإعلان بأن “حقوق الإنسان هي حقوق نتمتع بها جميعاً لمجرّد أننا بشر، ولا تمنحنا إياها أي دولة. وهي حقوق عالمية متأصلة في جميع البشر، مهما كانت جنسيتهم، أو نوعهم الاجتماعي، أو أصلهم الوطني، أو العرقي، أو لونهم، أو دينهم، أو لغتهم، أو أي وضع آخر. وهذه الحقوق تتراوح بين الحق الأكثر جوهرية، وهو الحق في الحياة، والحقوق التي تجعل الحياة جديرة بأن تُعاش، مثل الحق في الغذاء والتعليم والعمل والصحة والحرية”.

وعليه، نورد هنا ثلاثة من البنود التي جاءت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للاستناد إليها في طلب التدخل الأممي:

المادة 1: يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وقد وُهبوا العقل والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء.

المادة 3: لكل فرد الحق في الحياة والحرية والأمان على شخصه.

المادة 5: لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب، أو للمعاملة أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة.

(5): ماهية دولة التعاقد الاجتماعي في السودان

في الظرف المأساوي الذي يمر به السودان، تصبح ضرورة نداء التدخل الأممي ليست فقط لوقف الحرب فوراً، بل ليمتد إلى عمق مساعدة الشعوب السودانية في تأسيس دولتها الحقيقية الكاملة، مهتدية في ذلك بفلسفة العقد الاجتماعي. راجع كتاب “دولة التعاقد الاجتماعي في السودان: ليست خياراً بل ضرورة” الصادر عام 2015م لمؤلفه أبكر محمد أبوالبشر.

وكما ذكرنا سابقاً، فقد فشلت النخب السياسية السودانية في: (أ) الحفاظ على تماسك وحدة البلاد التي أسسها الاستعمار. (ب) على مدى سبعين عاماً، فشلت هذه النخب في وضع دستور وطني دائم. (ج) عملت هذه النخب بخطى حثيثة على تفكيك النسيج الاجتماعي، فخططت وطبّقت برامج الإقصاء والتهميش بمنهج محكم، ليس فقط في كيفية حكم البلاد، بل أيضاً في تحديد مَن يحكمها. (د) وفوق كل ذلك أدخلت هذه النخب الجيش السوداني في العمل السياسي، مما عجّل بانهيار البلاد. فهذه المؤسسة العسكرية الوطنية كانت في الأصل قوة دفاع السودان، وبعد تلوثها بالسياسة أضحت قوة عسكرية تدافع عن النخب السياسية.

وبما أن الشعب هو مصدر القوة، ومنه تستمد السلطة السياسية وجودها وإليه ترجع من أجل حماية حقوق الأفراد وخير المجتمع، فإن وجود حكومة مستبدة يجعل مقاومة هذه الحكومة والثورة عليها واجبة وفق القانون الطبيعي، كما يرى الفيلسوف جون لوك. فالقانون الطبيعي – قانون الجنس البشري – يحرم على الإنسان أن يخضع نفسه لمن يدمر حريته وحياته، فلا يسمح الله الخالق ولا الطبيعة للإنسان بأن يتخلى عن حريته أو يهمل المحافظة على ذاته.

أزاء هذا الفشل والانهيار المجتمعي، تصبح الحاجة ماسّة ووطنية، بل مطلباً إلهياً، بأن تقوم الشعوب السودانية – صاحبة السيادة الوطنية – بتأسيس دولتها الحرة التي ستضع حداً نهائياً للعبث الضار المستمر منذ الاستقلال.

وفي هذا الصدد دعني ألخص – باقتضاب – ماهية العقد الاجتماعي ودوره في تأسيس دولة المواطنة. نستند هنا بشكل أساسي إلى أفكار فلاسفة التنوير مثل توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، الذين بدأوا أولاً بوصف الطبيعة الإنسانية، ولخصوها بأنها حالة الحق الطبيعي في الحرية، وهذا الحق قد يقود إلى حالة الحرب بين الناس إذا اعتقد كل إنسان أن له الحق في كل شيء حسب قدرته على امتلاك ذلك الشيء بأية وسيلة كانت. فهي حرية بلا حدود أو قيود، والحرية بهذا الشكل لا تفضي إلا إلى الصراعات والحروب.

وترتبط أسباب الصراعات بين البشر بالطبيعة الإنسانية، كما يربطها البعض بالبحث الدائم عن السلطة. وهذه الصراعات لم تكن قاصرة على الواقع الأوروبي آنذاك، بل تحصل وتتكرر في كل مكان وزمان، فهي موجودة بوجود الإنسان، وما تجلبه من خطر الموت والبؤس وافتقاد السعادة. ومن هذا المنطلق تبدو حياة البشر في حالة الطبيعة – كما يصفها هوبز – محكومة برغباتهم المتجددة باستمرار، فلا يمكن إشباعها مرة واحدة أو في لحظة واحدة. ولهذا يرغب الإنسان في طريق مؤكد لتحقيق رغباته المستقبلية، وهذا هو واقع حكام السودان اليوم.

لذلك يبحث الإنسان عن المزيد من القوة حتى بعد أن يكتسب قوة كافية للوصول إلى أهدافه، ويعيش في خوف دائم من أن يسلب الآخرون منه ما يملك، فيؤدي ذلك إلى حالة من العنف المتبادل، فلا يثق أي إنسان في الآخر. ومن هنا يصبح تأمين القوة – أي حالة التعاقد المجتمعي – ضرورياً ليحرر الإنسان نفسه من حالة الخوف الدائم التي يسببها له الأذى من الآخرين.

ولعلاج حالة الحرية غير المحدودة المتأصلة في الطبيعة البشرية، خرج فلاسفة العصور الوسطى بمشروع التعاقد الاجتماعي. وتشير بعض الدراسات إلى أن بداية تطور مفهوم العقد الاجتماعي كانت في القرن الثالث عشر الميلادي، حين أفضى الصراع بين الملك جون وعدد من رعاياه (البارونات) في إنجلترا إلى ثورة مسلحة ضد الملك وإجباره على توقيع وثيقة الحقوق “ماقنا كارتا Magna Carta سنة 1215م”، أي وثيقة الشرعة الكبرى. وكانت هذه الوثيقة أساساً لمبادئ الدستور ولتحديد نفوذ الملك وسلطته.

ومن هذا المنطلق يَكْمُن دور العقد الاجتماعي في وضع المبادئ الأساسية للدستور. لذلك تُعد وثيقة ماقنا كارتا – التي تُسمى أحياناً “الميثاق العظيم للحريات” – من أهم الوثائق القانونية في تاريخ الديمقراطية، وكان لها وما زال، تأثير واسع في العملية التاريخية التي أدت إلى سيادة الدستور اليوم. ولهذا نقرأ في يومنا هذا بعض سماتها في بنود الدساتير، مثل “لن يُسلب أي رجل حر أملاكه أو يُسجن إلا بمحكمة عادلة، ولن نبيع العدالة لأحد، ولن ننكرها على أحد، ولن نؤخرها عن أحد”.

إن مفهوم العقد الاجتماعي يعني – في معناه العام – إبرام اتفاق بين الناس الذين تجمعهم رقعة جغرافية محددة، يتحدون بموجبه ويكوّنون هيئة معنوية لإدارة الإرادة العامة، يسمونها دولة، يصبحون رعاياها ومواطنين فيها، يتساوون في الحقوق والواجبات. وهذا هو ما نصبو إليه في السودان.

فالتجربة البشرية التي مرت بها أوروبا، ونتجت عنها مفاهيم إنسانية نبيلة – العقد الاجتماعي بصورته الحالية – يمكن أن تصلح نموذجاً علاجياً قيّماً للأزمات السياسية في دول العالم الثالث، وفي السودان على وجه الخصوص. فالعقد الاجتماعي يعمل على تأسيس تربية إنسانية تتمحور حول التعايش السلمي المستدام للأجيال المتعاقبة، وعلى احترام الإنسان للإنسان في قيمته البشرية، وعلى احترام القانون وحب الوطن.

ويرى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز أن سلب الحريات من الناس مسألة غير إنسانية، إذ يصف الناس بأن “معظمهم يعتقدون أنهم أسمى من الآخرين، وهم يتصفون كذلك بغرور باطل”، ويؤكد أن البشر بالطبيعة متساوون في قدراتهم الجسدية والعقلية، وأن ادعاء التميز غرور باطل لأن أساس المساواة قائم على التكامل والتعارض بين القدرات الجسدية والعقلية للإنسان الفرد.

ومن هذا المنطلق يتطلب الأمر فهماً عميقاً وإيماناً راسخاً بأن طبيعة العقد الاجتماعي هي الآلية الفعالة التي يشترك فيها الجميع لتصميم فعالياتها، حتى تكون نتائجها مقبولة للكل كأساس للمجتمع الذي يعمل على تثبيت حقه في البقاء. وفي مسألة تثبيت حق البقاء يقول هوبز إن “العامل الأساسي هو الحرية أو الحق المنظم بالطبيعة أو العقل”. لذلك فإن روح الاتفاق الجماعي تتلخص في الشرط الذي يسمح لهذه المجموعة البشرية بأن تعيش معاً، يحترم فيه كل فرد الآخر. لذا فإن حاجة المجتمع المدني إلى السلطة الحاكمة أو الدولة هي الحاجة إلى المحافظة على الحياة والحرية والملكية، وهي حقوق مهددة بالتعدي.

ولعلاج الفكر الجامد لإدارة الدولة السودانية، نستصحب بعض أفكار الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، الذي يطرح السؤال: “كيف تستطيع السياسة الفاسدة أن تتحول إلى سياسة جديدة للفضيلة المدنية؟” ويجيب بأن ذلك يتم من خلال التربية المدنية التي تعلم الأفراد واجباتهم وتعلمهم جعل حب الوطن في المقدمة، أي التوصل إلى السلام المستدام في المجتمع المدني.

وهكذا يتبين لنا أن فلاسفة عصر التنوير قد أجمعوا على أن مبرر حاجة المجتمعات البشرية إلى السلطة الحاكمة أو الدولة هو الحاجة إلى الأمن والسلام والحياة الطيبة. وبينما لم يخرج جون لوك عن هذه القاعدة، إلا أنه لخص السلطة الحاكمة بأنها الحاجة للحفاظ على الحياة والحرية والملكية، وهي حقوق مهددة بالتعدي، والاستمتاع بها في حالة الطبيعة غير مؤكد.

فالأمن والسلام والحياة الطيبة والحرية والملكية أمور لا تستقر في المجتمعات البشرية إلا بوجود سلطة حاكمة مرئية. والسلطة الحاكمة ليست حكماً مطلقاً، بل حكماً مقيداً مشروطاً بحقوق البشر والخير العام. فالمحافظة على حقوق البشر وتحقيق الخير العام صفتان مهمتان لتقييد حكم الأغلبية، وهما يشكلان ذراعي الحكومة، فلا يمكن أن يتعديا على الاتفاق الأصلي الذي صنعه البشر عند دخولهم في التعاقد المجتمعي.

واليوم تثبت لنا حالة السودان أن السودانيين الذين فرّوا من مساكنهم ولجأوا إلى دول الجوار، أو الذين نزحوا إلى أماكن أخرى داخل السودان، لم يفعلوا ذلك إلا لأنهم فقدوا ممتلكاتهم ومنازلهم وسبل معاشهم، فلم يبق لهم إلا أن يفرّوا حفاظاً على أرواحهم.

(6): مهام الأمم المتحدة في الفترة الانتقالية

في الفقرات السابقة تمّ وصف الانهيار السياسي الكامل في السودان وتبعه وصف لنسق وصيغة العقد الاجتماعي وما يمكن أن تجلبه من خير للبشر، وانطلاقاً من ذلك، نورد فيما يلي الأهداف الأساسية التي يمكن أن يحققها التدخل الأممي العسكري في السودان. فمن المسلم به وبلا جدال أن المسار السياسي السوداني قد بدأ بالغش والتحايل بين الأطراف السياسية المختلفة منذ ما قبل الاستقلال، وتبع ذلك التنصّل من العهود والاتفاقات السياسية بعد الاستقلال وحتى يومنا هذا. لذلك أصبح السياسيون السودانيون متمرّسين في عدم المصداقية، فصار التنصّل من العهود هو سيد المواقف في المسار السياسي، وهذه مصيبة كبيرة، والشواهد كثيرة على ذلك.

فعلى سبيل المثال لا الحصر:

تمّ الاتفاق بين الشماليين والجنوبيين على تطبيق النظام الفيدرالي حال الاستقلال، لكن الشماليين تنصّلوا من تطبيق الفيدرالية مباشرة بعد الاستقلال.
التنصّل من إعلان "ميثاق" كوكا دام 1986م.
التنصّل من اتفاقية أديس أبابا 1972م.
التنصّل من مقررات أسمرا 1995م.
التنصّل من التحالف العسكري بين البشير وحميدتي.

لذلك أصبحت حالة اللاسلم مستمرة في السودان منذ أن بدأ توحيده عام 1821م عن طريق الغزو التركي للممالك والسلطنات التي كانت دولاً قائمة بذاتها قبل الغزو. ولتذكير حالة عدم الاستقرار السياسي نورد الآتي:

(أ): حقبة الاستعمار التركي التي استمرت خمسة وستين عاماً (1820–1885م). لم يستقر الأمن فيها لطبيعة أهداف الاستعمار نفسه، فكانت ثورات المقاومة القبلية قد عمّت كل أركان البلاد. (ب): حقبة الحكم الوطني (المهدية) التي استمرت أربعة عشر عاماً (1885–1899م). كانت هذه الحقبة مليئة بالحروب من أجل إدخال المجتمع في الطريقة المهدية والجندية، مما عُرف في دارفور ب”أم كواكية” نسبة لوحشيتها، وبالتالي كانت المقاومة المسلحة أمراً طبيعياً. (ج): حقبة الاستعمار البريطاني التي استمرت سبعة وخمسين عاماً (1899–1956م). فقد أمضت السلطات البريطانية ثلاثة وثلاثين عاماً في حكم شمال السودان قبل أن تتمكن من إخضاع كل الأراضي القبلية في الجنوب. فضلاً عن أن سلاطين الظل في دارفور كانوا متواجدين في قمم جبل مرة بعد مقتل السلطان علي دينار، آخر سلاطين دارفور. (د): حقبة الحكم الوطني منذ الاستقلال عام 1956م، حيث أصبح السودان بلداً موحداً بفعل الاستعمار لكن بلا وجدان. وحتى بعد انفصال الجنوب عام 2011م لم ينبعث أي وجدان لدولة شمال السودان، بل أُشعلت الحروب في كل شبر من أرض الوطن. لذلك اتضح جلياً أن النخب السياسية قد أدمنت منهج دمار البلد، فأصبح السودان اليوم بلداً منهاراً ومفككاً بدرجة امتياز.

مما سبق توصلتُ إلى قناعة تامة بأن الحلول التقليدية لن تُخرج السودان إلى بر الأمان، بل قد تقوده إلى مزيد من الانشطار. لذلك لا بد من دخول منظومة الأمم المتحدة في عملية الاستقرار باستخدام الفصل السابع من ميثاقها، من أجل صناعة السلام المستدام في السودان. فالمقاصد والنوايا السابقة منذ الاستقلال لبناء دولة المواطنة أثبتت عدم مصداقيتها، وبالتالي لم يتمكن السياسيون من الوصول إلى سلام مستدام واستقرار سياسي في البلاد، لأن تجربة سبعين عاماً ونيف – وهي عمر السودان المستقل – دلّت على ذلك.

لذلك لا نرى غير أن الظرف الحالي في السودان مواتٍ تماماً لاستخدام الأمم المتحدة للبند السابع من ميثاقها لتوصل البلاد إلى السلام والاستقرار. ولنا في حاضرنا تجارب دولية ناجحة مثل تيمور الشرقية وكوسوفو.

(أ): في البدء، على الأمم المتحدة أن تتولى فرض وقف إطلاق النار بين الطرفين المتحاربين، ثم تعمل على نزع السلاح كلياً من كل المواطنين، مع حصر الجيوش في ثكناتها، وفي المدى الوسيط إخراج الجيوش من العاصمة القومية ومن عواصم الولايات. (ب): على الأمم المتحدة أن تدير الفترة الانتقالية، ومدتها تتوقف على إنجاز المهام الموكلة لها من الشعب السوداني، والتي تتمثل في أربع مراحل أساسية. وقد تمتد هذه الفترة الانتقالية لخمسة عشر عاماً أو تزيد، لتتمكن من استتباب الأمن في كل ربوع السودان وتحقيق الاستقرار السياسي. ويجب أن يكون تنفيذ العمل السياسي بيد شخصية وطنية مدنية غير حزبية، ومعه وزراء وحكام ولايات يتمتعون بنفس الصفات.

وعلى السودانيين أن يحددوا – بمحض إرادتهم وبدون أي تدخل خارجي – مهام الفترة الانتقالية للأمم المتحدة، والتي يمكن تلخيصها في الآتي:

(1): فرض وقف إطلاق النار بين الأطراف المتحاربة، ورعاية السلم والأمن في كل ربوع البلاد. (2): نزع السلاح من كل المواطنين، وعودة الجيش إلى ثكناته تمهيداً لإخراج قياداته خارج العاصمة القومية وعواصم الولايات. أما قوات الحركات المسلحة وقياداتها فيجب إخراجها من المدن والقرى إلى معسكرات خارجية، ولا يسمح لها بدخول المدن إلا بعد اكتمال مشروع الترتيبات الأمنية للأمم المتحدة. (3): تنفيذ برنامج العدالة الانتقالية، وهي إحدى آليات النظام القانوني الدولي التي تبحث عن العدالة الممكنة في مراحل التحول السياسي. إذ يحق للضحايا رؤية معاقبة المرتكبين الذين تسببوا في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، لكن الهدف السامي للعدالة الانتقالية يتمثل في تهيئة المناخ للتخلص من آثار الاستبداد والفساد والإقصاء والعنصرية وتضميد الجراح للذين تضرروا من قتل ذويهم أو تعرضوا للاغتصاب… إلخ. وتهدف العدالة الانتقالية بشكل منهجي لتحقيق المصالحة الوطنية وسط المجتمعات السودانية، فهي تكشف الحقائق عما جرى، لا للانتقام، بل لمساءلة كل شخص متهم بارتكاب جرم في حق الإنسانية. (4): مواصلة أعمال إزالة التمكين للنظام البائد، مع تصحيح أي خلل حصل في بداية عملها. (5) وبما أن كل الحكومات المتعاقبة على مدى سبعين عاماً فشلت في وضع دستور وطني، يصبح من مهام الأمم المتحدة الأساسية في الفترة الانتقالية تقديم المساعدة الإجرائية لوضع دستور وطني دائم، وذلك على هدى فلسفة العقد الاجتماعي – كما ذكرناه سابقاً – بمشاركة مناديب كل المجتمعات السودانية للتوصل إلى صيغة حكم مقبولة للجميع في كيفية التعايش السلمي داخل الوطن الموحد. (6): الإشراف على تكوين الأحزاب السياسية. فالأحزاب الحالية – رغم كثرتها غير المبررة – تُصنّف إما طائفية دينية، أو عقائدية راديكالية، أو إقليمية. لذلك فهي جميعاً غير قومية، بمعنى أنها إقصائية دينياً، أو طائفياً، أو عقائدياً، أو جهوياً. وقد لعبت الأحزاب السياسية الدور الأساسي في إدخال الجيش في العمل السياسي. لذلك لا بد من إعادة تكوين الأحزاب على أسس وطنية لتمارس الديمقراطية الليبرالية على الوجه الصحيح. (7): الإشراف على إجراء الانتخابات بشكل نزيه وحر حسب ما ينص عليه الدستور.

أبكر محمد أبوالبشر

مانشستر، المملكة المتحدة. ‏الثلاثاء‏ 30‏ يوليو 2026م.

abakerabuelbashar@gmail.com

الكاتب
أبكر محمد أبوالبشر

أبكر محمد أبوالبشر

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
سنار بوابة التاريخ (5): العودة إلى سنار .. بقلم: السر النور أبو النور
الأخبار
هيئة الاستعلامات المصرية: خطة إعلامية للتوعية بأهمية المشاركة السياسية، والمكتب الإعلامي للسفارة بالخرطوم يجدد دعوة المصريين للمبادرة بسرعة تسجيل بياناتهم
منبر الرأي
احتفالية محضورة
بيانات
دخل أساسي مضمون لكل مواطن: (اطروحات ليبرالية لمواجهة الفقر وتنشيط الإقتصاد)
أكثر من عشرين سنه عشتها عاملاً تحت تاج الملكة الراحلة إليزابيث الثانية .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

التغيير الذي صنعته الثورة حقيقي وستنتصر .. بقلم: محمد علي مسار الحاج

طارق الجزولي
منبر الرأي

بيوت الاشباح دين التُرابيين .. بقلم: اسماعيل عبد الله

طارق الجزولي
منبر الرأي

دكتور محمد جلال هاشم يرد علي حميدتي: إن كان فعلا يعنينا، إذن فحميدتي يكذب كما يتنفس!

طارق الجزولي
منبر الرأي

فصل الدين عن الدوله!! .. بقلم: مصطفى محمد

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss