لم يكن الإسلام السياسي في السودان مجرد حركة عابرة في تاريخ البلاد، بل كان “مشروعًا كليًا” حاول إعادة صياغة الدولة والمجتمع على أسس مرجعية محددة
ومع ذلك، فإن القراءة الموضوعية لهذه التجربة—بعيدًا عن سجالات الاستقطاب—تكشف أن الأزمة لم تكن في “الدين” كمرجعية روحية، بل في “المشروع السياسي” الذي اصطدم بتعقيدات الواقع وتناقضات الممارسة
أولاً- معضلة “الأسلمة” واختزال الدولة
لقد وقع الإسلام السياسي السوداني في فخ تداخل المجالين “الدعوي” و”السياسي”
و هذا التداخل لم يضعف العمل السياسي فحسب عبر “قدسنة الخلاف”، بل أدى إلى تآكل مفهوم الدولة الحديثة التي تُبنى على “المواطنة” لا على “الانتماء العقدي”
لقد أدى هذا إلى تحويل الدولة إلى ساحة لتطبيق مشروع تنظيمي (حزبي) بدلاً من أن تكون وعاءً إداريًا ومؤسساتيًا يخدم جميع المواطنين، مما جعل مؤسسات الدولة مرآة للولاءات التنظيمية لا للكفاءة الوطنية
ثانياً– تحدي إدارة التنوع في سياق “الأحادية”
مثّل التعدد العرقي والثقافي في السودان الاختبار الوجودي الأخطر لهذا المشروع. لقد عجز الإسلام السياسي عن بلورة “هوية وطنية جامعة” تتجاوز الخطاب الأيديولوجي الضيق
إن محاولات فرض نموذج قيمي واحد على مجتمع متعدد في أعراقه ومعتقداته أدت إلى تعميق الشعور بالتهميش لدى الأطراف، مما فاقم الحروب الأهلية وأضعف فرص “التعاقد الوطني” الذي كان يمكن أن يخرج السودان من أزماته التاريخية.
ثالثاً– مفارقة المعارضة والسلطة
كشفت التجربة السودانية عن فجوة بنيوية بين “خطاب المعارضة”—الذي اتسم بالشعارات الإصلاحية—وبين “واقع السلطة” الذي واجه تعقيدات الاقتصاد، وإدارة الأزمات، والسياسة الخارجية. هذا الانتقال أظهر غياب “رؤية الدولة” (Statecraft) مقابل “رؤية التنظيم” (Party-craft)
فالمؤسسات التي كانت تدار بمنطق الولاء التنظيمي لم تصمد أمام تحديات العولمة، والفساد، والبيروقراطية، مما خلق فجوة ثقة عميقة بين الشارع والتجربة الحاكمة
رابعاً- المؤسسة العسكرية و “الاستعصاء الديمقراطي”
تُعد العلاقة بين الإسلام السياسي والمؤسسة العسكرية المعضلة الأبرز في السودان
لقد أدى الارتهان لآليات السيطرة الأمنية إلى تجميد مسار التحول الديمقراطي , و إن هذا التحالف، الذي تبرره التيارات الإسلامية أحيانًا بـ “الضرورة الأمنية”، أدى في المحصلة إلى تآكل استقلالية القرار السياسي، وربط مصير المشروع الإسلامي بمصالح المؤسسة العسكرية، وهو ما أضعف—في المدى الطويل—قدرة الإسلام السياسي على تقديم نموذج مدني جاذب
خامساً- أزمة التجديد الفكري وجمود “المنظومة”
واجه الإسلام السياسي أزمة فكرية حادة؛ إذ ظل خطابه أسير أدبيات “التنظير التقليدي” في مقابل تحديات الدولة الحديثة (الحوكمة، حقوق الإنسان، الذكاء الاصطناعي، العولمة)
هذا العجز عن تطوير خطاب يلامس “الإنسان السوداني المعاصر” جعل التيار يعيش حالة من الجمود الفكري، حيث لم تكن المراجعات الداخلية سوى ردود أفعال على الانقسامات التنظيمية (مثل المفاصلة)، وليست إعادة بناء معرفي شامل
نحو قراءة نقدية للتاريخ
إن أزمة الإسلام السياسي السوداني هي في جوهرها أزمة “ملاءمة”؛ أي عدم القدرة على الموازنة بين الثبات في المرجعية والتحول في آليات الحكم
إن تقييم هذه التجربة اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد حكم بالقيمة، بل دراسة نقدية في “فشل الدولة” وعجز المشاريع الأيديولوجية عن استيعاب تعقيدات مجتمع كالسودان
إن دراسة هذه التجربة تعد ضرورة معرفية ليس لمحاسبة الماضي فحسب، بل لفهم مسارات تطور الدولة السودانية، ولتجنب تكرار أخطاء احتكار الحقيقة والمؤسسات في المستقبل.
zuhair.osman@aol.com
