بقلم: هشام الحلو
تظل سيرة “ملك البوب” مايكل جاكسون عصية على الاختزال؛ فهي ليست مجرد مسيرة فنان حقق المجد، بل هي ظاهرة سوسيولوجية وثقافية معقدة، تشابكت فيها خيوط العبقرية المطلقة بالهشاشة الإنسانية المفرطة. ومع الصعود المدوي لفيلم السيرة الذاتية الأحدث “Michael” ــ وتجاوزه حاجز المليار دولار عالمياً ليعتلي عرش الأفلام البيوغرافية منذ انطلاقه في دور العرض العالمية في الرابع والعشرين من أبريل لعام 2026 ــ يُعاد فتح كتاب هذه “الحياة الخاطفة” التي عاشها جاكسون تحت أضواء كاشفة لم ترحم خلوته قط.
إن تناول سيرة جاكسون سينمائياً، ومن خلال الرؤية الإخراجية لأنطوان فوكوا، يضعنا أمام بنية تشبه إلى حد بعيد التراجيديا الإغريقية الصارمة؛ حيث البطل محكوم بقدره، والموهبة تتحول إلى عبء وجودي. إذ برع الفيلم في التقاط تلك المفارقة الصارخة: كيف لطفل قُذف به مبكراً إلى لظى الشهرة العالمية برفقة فرقة “The Jackson 5″، وعُجنت طفولته بالانضباط الحديدي والقسوة، أن يتحول لاحقاً إلى أيقونة كونية، وفي الوقت ذاته إلى كائن هارب، باحثٍ أبدي عن طفولة مفقودة لم يعشها.
وفي هذا السياق، لم يكن أداء جعفر جاكسون (ابن شقيق الراحل) مجرد محاكاة حركية أو تقمص بصري بارع، بل كان نوعاً من “الحلول” السيكولوجي في الشخصية؛ فقد نقل للمشاهد النخبوي ذلك التناقض الداخلي الحاد لعمّه: الجسد الذي ينفجر طاقة وحيوية وثورة على خشبة المسرح محطماً القواعد الفيزيائية للرقص، في مقابل الصوت الهامس والملامح المنكسرة خلف الكواليس. وهو التماهي الذي أعاد صياغة جاكسون ليس كرمز أسطوري فحسب، بل كإنسان من لحم ودم، مُثقل بالآلام والانقسامات النفسية. ولعل أزمة مايكل جاكسون الوجودية تكمن في أنه كان يبحث عن الخصوصية في أكثر الأماكن عامية، ويبحث عن النقاء في عالم ملوث بحسابات السوق والبروباغندا.
ورغم هذا النجاح الجماهيري الكاسح، وتحطيم الأرقام القياسية في شباك التذاكر العالمي، وتحقيقه أعلى إيرادات لأفلام السيرة الذاتية في تاريخ السينما العالمية، فإن الانقسام النقدي حول الفيلم يعكس عمق المعضلة التي تفرضها سيرة جاكسون؛ فهل نجح العمل في تفكيك العقد النفسية والاتهامات المعقدة التي حاصرت النجم الراحل، أم أنه مال أحياناً إلى الميثولوجيا التي تعيد أنسنة الأسطورة وحمايتها؟
إن القراءة النخبوية لهذا الفيلم لا تقف عند حدود الاحتفاء بالنجاح المالي، بل تتأمل في كيفية “إعادة تدوير” الذاكرة الإنسانية والأرباح معاً؛ فقد كان مايكل جاكسون ضحية لعصر الصورة، وفيلم “Michael” جاء ليعيد صياغة هذه الصورة، مانحاً إيانا فرصة جديدة لتأمل تلك “الحياة الخاطفة” التي احترقت مبكراً لتضيء سماء الموسيقى العالمية إلى الأبد.
hishamissa.issa50@gmail.com
