بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
في معظم الحروب الأهلية، لا يكفي أن نطالب المتحاربين بإلقاء السلاح، بل يجب أن نسأل: ما الذي سيدفعهم إلى اتخاذ هذا القرار؟ فالجنرال الذي يعتقد أن نهاية الحرب تعني نهايته الشخصية، أو سجنه الفوري، أو استبعاده الكامل من مستقبل بلاده، يصبح أكثر ميلاً إلى مواصلة القتال، مهما كانت كلفته على الوطن. ولهذا فإن كثيراً من تجارب السلام الناجحة لم تقتصر على الضغوط والعقوبات، بل اقترنت أيضاً بوجود مخارج آمنة ومدروسة تشجع الأطراف المتحاربة على وقف القتال والانخراط في عملية انتقالية. لكن المخرج الآمن لا يعني الإفلات من العدالة، ولا يعني تجاهل حقوق الضحايا، ولا منح حصانة مطلقة لمن ارتكبوا انتهاكات جسيمة. بل يعني توفير إطار قانوني وسياسي يميز بين من يمكن إدماجهم في عملية السلام، وبين من تستوجب أفعالهم المساءلة وفقاً للقانون الوطني أو الدولي.
وفي الحالة السودانية، فإن إنهاء الحرب يتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين هدفين متكاملين: الأول: تشجيع المتحاربين على اختيار السلام بدلاً من استمرار القتال. والثاني: ضمان حقوق الضحايا، وترسيخ مبادئ العدالة وعدم الإفلات من العقاب. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين السلام والعدالة، بل في تصميم مسار يحقق كليهما. ولهذا فإن المخرج الآمن ليس تنازلاً عن العدالة، بل قد يكون أحد الشروط العملية التي تجعل العدالة والسلام ممكنين معاً.
ومضة فكرية
إذا أغلقنا كل أبواب الخروج أمام المتحاربين، سنطيل أمد الحرب. وإذا فتحناها بلا عدالة، سنطيل أمد الظلم. الحكمة أن نصمم مخرجاً يحمي السلام ويصون حقوق الضحايا. المخرج الآمن ليس طريقاً للإفلات من العدالة، بل جسراً للانتقال من الحرب إلى السلام في إطار القانون وليس بدافع الانتقام.
melshibly@hotmail.com
