دكتور محمد عبدالله
في المجتمعات التي نجحت في بناء الدولة الحديثة، لم تُمحَ القبيلة من الذاكرة، لكنها فقدت دورها السياسي والاجتماعي القديم. هناك، لم يعد الإنسان يُعرِّف نفسه بانتمائه القبلي أولاً، بل بمواطنته، وكفاءته، ومهنته، وإسهامه في مجتمعه. ولهذا، لم يعد التفاخر بالنسب يحظى بالمكانة الاجتماعية التي كان يتمتع بها في الماضي، بل أصبح أقرب إلى بقايا مرحلة تاريخية تجاوزتها الدولة الحديثة.
تاريخياً، كانت القبيلة ضرورة وجودية، لا ترفاً ثقافياً. ففي غياب الدولة، كانت هي الشرطة والمحكمة وصندوق التكافل وشركة التأمين. وكان الفرد لا يجد من يحميه سوى عشيرته وأقاربه، فغدا الفخر بالقبيلة مرادفاً للفخر بالأمان والبقاء. وما امتلأ به الشعر العربي القديم من مديح للأنساب لم يكن سوى انعكاس صادق لتلك الحقيقة التاريخية.
لكن مع قيام الدولة الحديثة تبدلت الأحوال. أصبح الاحتكام إلى القانون بديلاً عن الاحتكام إلى العصبية، وتولت المؤسسات ما كانت تقوم به الجماعات التقليدية من وظائف. وهكذا تحولت القبيلة من شرط للبقاء إلى إطار اجتماعي وثقافي يحفظ الذاكرة، لكنه لم يعد يحتكر الولاء ولا يحدد الحقوق.
وليس غريباً أن تكون المجتمعات الأكثر استقراراً هي الأقل انشغالاً بالأنساب. ففي تلك البلدان، لا يسأل المريض طبيبه عن قبيلته، ولا يطلب صاحب المنزل من المهندس نسبه قبل أن يكلّفه بالبناء، ولا يُختار القاضي لأنه ابن عشيرة، بل لأنه الأكفأ. ولم يحدث ذلك لأن الحكومات خاضت حرباً على القبائل، بل لأن المجتمع لم يعد بحاجة إلى الدور الذي كانت تؤديه في زمن غياب الدولة.
ولهذا فإن ازدهار العصبية القبلية كثيراً ما يكون عرضاً لضعف الدولة أكثر منه سبباً مباشراً له. فعندما يشعر الناس بأن القانون لا يحميهم، يعودون إلى الاحتماء بروابط الدم، وعندما تهتز الثقة في المؤسسات، يستعيدون الثقة في دوائرهم الضيقة. فالقبيلة هنا ليست أصل الأزمة، بقدر ما هي انعكاس لها.
ولعل السودان يقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فهذا البلد يضم قبائل عريقة أسهمت في تشكيل الشخصية السودانية وأغنتها بتنوعها، لكن الدولة الوطنية، منذ الاستقلال، لم تنجح في بناء مؤسسات تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين. ومع كل أزمة سياسية، عادت القبيلة إلى الواجهة، لا بوصفها هوية ثقافية فحسب، بل باعتبارها وسيلة للحماية، وسبيلاً إلى النفوذ والموارد، وأداة للتمثيل السياسي.
ومع مرور الوقت، تحولت المنافسة على السلطة إلى تنافس بين الولاءات الأولية، وتراجعت الكفاءة أمام الانتماء. وأصبح نجاح الفرد يُقرأ بوصفه نجاحاً لجماعته، وإخفاقه إخفاقاً لها، بينما ضاقت المساحة التي يفترض أن تجمع الجميع تحت راية وطن واحد.
ولا تتوقف آثار ذلك عند السياسة. فحين تصبح الهوية القبلية مدخلاً إلى الفرص، تتراجع المنافسة العادلة، ويصعب ترسيخ مؤسسات تقوم على الكفاءة وحدها. وفي مثل هذه البيئات لا يخسر الاقتصاد الاستثمارات فحسب، بل يخسر أيضاً الثقة، وهي رأس المال غير المرئي الذي لا يقل أهمية عن المال نفسه.
لكن الدعوة إلى تجاوز العصبية القبلية لا تعني الحرب على القبائل ذاتها. فالقبيلة، مثل الأسرة، جزء من النسيج الاجتماعي، وتحمل قيماً راسخة من الكرم والتكافل والشجاعة والمروءة. والمشكلة تبدأ حين تتحول من إطار اجتماعي طبيعي إلى مشروع سياسي، أو تصبح معياراً للحقوق والواجبات.
وقد سبقت دول كثيرة إلى هذه التجربة. احتفظ الناس بأنسابهم، واعتزوا بتاريخهم، لكنهم اتفقوا على أن المواطنة هي أساس العلاقة بالدولة، وأن الوظيفة العامة لا تعرف إلا الكفاءة، وأن العدالة لا تسأل عن الاسم قبل أن تصدر حكمها.
واليوم، يقف السودان عند مفترق طرق. فالتخلي عن التفاخر القبلي لن يتحقق بقرار إداري، ولا بخطاب إعلامي، ولا بقانون يجرّم خطاب الكراهية وحده. إنه يبدأ عندما يشعر المواطن أن الدولة أقوى من القبيلة، وأن القانون أعدل من العصبية، وأن مستقبله تصنعه قدراته وعمله، لا نسبه.
ومتى أصبح النجاح ثمرةً للاجتهاد لا للانتماء، سيتراجع الحديث عن القبائل من تلقاء نفسه، كما تراجع في مجتمعات كثيرة سبقتنا إلى بناء الدولة الحديثة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين اليوم ليس: إلى أي قبيلة ننتمي؟ بل: أي وطن نريد أن نبني؟
فالأوطان القوية لا تُبنى بإلغاء القبائل، وإنما ببناء دولة تجعل الانتماء إليها شأناً اجتماعياً وثقافياً، لا وسيلة للمنافسة على السلطة أو الحقوق. وعندها، لن يكون السؤال: من أي قبيلة أنت؟ بل: ماذا قدمت لوطنك؟ وسيصبح السودان هو الاسم الذي يعلو على كل اسم.
muhammedbabiker@aol.co.uk
