محمد عبد المنعم صالح
مصطلح منتشر عند المتصوفة في السودان (ماء سكر القوم ) بشكل عام و خاص عند مسيد (طيبة الشيخ عبد الباقي ) (السادة الأعراك ) .. ولاذلت أتزكر عند أول زيارة لي لمسيده ، تلك البقعة المباركة علي تخوم مدينة ودمدني .. وما أن وصلت بمايسمي (الصالون) بهو بسيط يستقبل فيه الشيخ والمربي الفاضل سيدي( الشيخ عبد الله_ أزرق طيبة ) رحمه الله .. وعند المدخل وأنا بصحبة الصديق(( صفي الدين سنهوري)) ، إلتقينا بصديق فاضل آخر يدعي(( محمد الأمين حمد النيل)) .. تسالمنا بشوق جارف ، ثم أصرا الأثنين علي أن نجتهد في شق الجموع عند المدخل ، وبينما كان بادي علي التزمر ، سمعت همسا من الرجل الفاضل ((محمد الأمين حمد النيل)) بأن:(( ياصفي الدين محمد دا لاذم يشرب موية السكر )) ..
بعد سنين عددا وجريان ماء كثير تحت الجسر وتحولت ضخمة حصلت لي تعلمت أنها ليست الشربة كأسا يشربها الإنسان بفمه فقط ، ولا جرعة ماء سكر تروي عطش جسد ، بل هي مجازا تقال ..
فهي شيء خفيف كالنسيم يمر على الروح من حيث لا يدري العقل ولا تدركه الحواس. هي فيض ينزل على القلب في لحظة صفاء، فتشرب الروح منه بقدر ما يمنحها الله، فتصبح كمن ذاق طعم الحياة دون أن يستعمل فمه، ورأى النور دون أن يفتح عينيه..
وهي ليست منزلة يصل إليها الإنسان بعد كثرة العبادة، بل هي هبة تأتي فجأة كالبرق، تنزل على من يشاء الله في وقت لا تعرفه النفس ولا تختاره الإرادة، فتغير مجرى الحياة كلها في لمحة..
وتختلف هذه الشربة بحسب حال من يشربها، فمنهم من يشرب فيذوق طعم القرب والأنس، ومنهم من يشرب فيمتلئ قلبه هيبة وخشية حتى يكاد يسكت، ومنهم من يشرب فينسى نفسه تماما ويبقى حائرا لا يدري من الشارب ومن المشروب. لكن أرفع الشربات هي التي يعود بعدها الإنسان إلى نفسه وعقله، لكن بعين جديدة، كأنه يرى الدنيا لأول مرة، وهذه هي شربة الصحو، لأن من يشرب ولا يفيق يبقى أسير حاله، أما من يشرب ويصحو فهو الذي نال الخير كله..
والغريب أن الشربة ليست نهاية الطريق، بل هي بدايته، فمن ظن أنه شرب فانتهى كل شيء فقد أخطأ، لأن الشربة الصادقة تزيد العطش ولا ترويه، وتفتح الأبواب ولا تغلقها، وكلما اقترب السالك من ينبوعها (الشيخ أو المربي) شعر أنه ما زال بعيدا. فالعطش نفسه هو الدليل على صدق الشربة، وليس الشعور بالارتواء..
ولطالما كان من ذاقوا هذه الشربة يتحاشون الكلام عنها، لأنها عندهم أمر شخصي لا يصلح للعلن، وكانوا يرون أن من أفشاها فقد عرضها للزوال، وأن كتمانها هو الذي يحفظها. ولهذا ضاعت أكثر هذه التجارب في صدور أصحابها، ولم يصلنا منها إلا كلمات قليلة متفرقة، لكن فيها من العمق ما لا تجده في غيرها، لأنها خرجت من قلب ذاق لا من عقل تأمل..
ومن أجمل ما يقال عنها أنها تشبه رجلا تائها في صحراء واسعة يسمع فجأة خرير ماء من بعيد، فلا يرى العين ولا يجد الظل، لكنه يسمع ذلك الصوت الخافت فيظل يمشي نحوه طول عمره. هذه هي الشربة بالضبط، ليست حالة تملكك، بل وعد تحمله في صدرك، وليست جائزة على تعبك، بل اختبار بحمل الشوق. فمن شربها أصبح غريبا بين الناس، لأنه ذاق ما لم يذوقوا، وعرف ما لم يعرفوا، لكنه لا يستطيع أن يصف لهم ما جرى له، لأن الكلمات تعجز أن تنقل تلك الرعشة التي لا تترك أثرا في الجسد لكنها تغير القلب إلى الأبد.
وهكذا تبقى الشربة سرا مكشوفا لمن ذاق، ومحجوبا لمن سأل. ليست علما يدرسه الطلاب، ولا طقسا يؤديه المريدون، بل هي لحظة نادرة تجعل من عاشها يقضي بقية عمره في دهشة لا تشبه دهشة أحد. فمن شرب شربته صدقها مع نفسه، حتى لو لم يصدقه الناس، ومن سئل عنها فلم يرد ربما كان أعرف الناس بها، لأن الوعي الحقيقي بها لا يتكلم، والصحو الحقيقي لا يتباهى. وما وصلنا من كلمات في هذا السياق ليس إلا صدى خافتا لتلك اللحظات التي لا تعود ولا تتكرر، وهي تبقى كوصية خفيفة لمن يبحث عن النبع خلف السراب، وعن المعنى خلف كل ما نراه..
mmoniem855@gmail.com
