الصادق حمدين
إذا طبقنا رؤية حنّة أرندت الفيلسوفة والمفكرة الألمانية على التجربة السودانية، فإننا نكتشف أن أحد أكبر الأخطاء في قراءة تاريخ السودان السياسي هو اختزال الأزمة في شخصية الحاكم، سواء كان عسكرياً أم مدنياً، وإغفال البنية الأوسع التي جعلت الاستبداد ممكناً وقابلاً للاستمرار. فالسؤال ليس كيف تمكن هذا القائد أو ذاك من السيطرة على الدولة، بل كيف تشكلت عبر العقود منظومة سياسية واجتماعية وثقافية سمحت بإعادة إنتاج السلطة الشمولية بأشكال مختلفة.
لقد اعتاد الخطاب السياسي السوداني على البحث عن “الرجل المسؤول” عن كل أزمة، وكأن سقوط ذلك الرجل كفيل بحل المعضلة الوطنية. غير أن التجربة أثبتت أن الوجوه تتغير بينما تبقى الآليات ذاتها حاضرة. فالمشكلة لم تكن يوماً في الفرد وحده، بل في الشبكات التي تحيط به: أجهزة الدولة، والبيروقراطية، والنخب السياسية، وأجزاء من المؤسسة العسكرية، وبعض المؤسسات الإعلامية والدينية والثقافية التي ساهمت بدرجات متفاوتة في إنتاج الشرعية للسلطة أو في تبرير بقائها.
ومن منظور أرندت، لا يمكن فهم الاستبداد في السودان من دون التوقف عند ظاهرة العزلة السياسية والاجتماعية التي عانى منها المواطن السوداني لسنوات طويلة. فقد أضعفت الأنظمة المتعاقبة المؤسسات المستقلة، وحاصرت الفضاءات العامة التي تسمح بالنقاش الحر وتبادل الآراء. وعندما تضيق مساحة الحوار المستقل، يصبح الأفراد أكثر عرضة لتلقي الروايات الجاهزة، وأكثر ميلاً إلى البحث عن الخلاص في السلطة المركزية أو الزعامة الفردية.
كما تكشف التجربة السودانية عن حقيقة أخرى شددت عليها أرندت، وهي أن المعرفة لا تكفي وحدها لضمان الموقف الأخلاقي. فقد شارك متعلمون ومثقفون وأكاديميون في تبرير سياسات الإقصاء أو الصمت تجاه الانتهاكات أو منحها غطاءً أيديولوجياً. وهكذا ظهر أن الشهادة العلمية لا تمنع صاحبها من الانخراط في منظومة الهيمنة إذا غاب الضمير النقدي واستُبدل التفكير المستقل بالولاء السياسي أو المصلحة الخاصة.
لقد أنتجت سنوات الاستقطاب الحاد في السودان بيئة أصبح فيها الانتماء السياسي لدى كثير من الناس أكثر أهمية من الحقيقة نفسها. ومع مرور الزمن تحولت بعض القضايا الوطنية إلى روايات متصارعة لا إلى حقائق قابلة للنقاش. وفي مثل هذه الأجواء يضعف الحكم العقلاني ويصبح المجتمع أكثر قابلية للتعبئة الأيديولوجية وأكثر استعداداً لتبرير ما كان يرفضه في ظروف طبيعية.
إن قراءة الأزمة السودانية من منظور أرندت تقود إلى نتيجة جوهرية: لا يكفي إسقاط الحاكم إذا بقيت البنية التي صنعت سلطته قائمة. فالديمقراطية ليست مجرد استبدال الأشخاص، بل بناء مؤسسات مستقلة، وحماية المجال العام، وترسيخ ثقافة المواطنة، وضمان قدرة الأفراد على التفكير والنقاش خارج وصاية السلطة أو الأحزاب أو الجماعات المغلقة. فحين تُختزل السياسة في صراع على السلطة بين النخب، يبقى المجتمع عرضة لإعادة إنتاج الاستبداد مهما تغيرت الأسماء والشعارات.
لهذا فإن مستقبل السودان لا يتوقف فقط على من يحكم، بل على الكيفية التي يُحكم بها، وعلى قدرة المجتمع على إنشاء فضاء عام حر لا تستطيع أي سلطة احتكاره أو احتكار تعريف الحقيقة داخله. فالدكتاتورية ليست مجرد رجل قوي يجلس في القصر، بل منظومة كاملة من العلاقات والأفكار والمصالح التي تجعل وجود ذلك الرجل ممكناً. وعندما يفهم المجتمع هذه الحقيقة، يكون قد خطا الخطوة الأولى نحو التحرر الحقيقي.
umniaissa@hotmail.com
