نزار عثمان السمندل
من فظائع الحروب أنها لا تكتفي بأخذ الذين يقفون في ساحاتها، فهي تمتد كذلك إلى الذين لم يصلوا إليها بعد.
تبحث عن أعمار لم تبدأ، وعن ذاكرة لم تتشكل، وعن أطفال لم يعرفوا بعد معنى أن يكون الوطن مكاناً للحياة لا مساحة للخوف.
المدرسة كانت دائماً الوعد الأكثر براءة في حياة المجتمعات. باب يدخل منه الطفل حاملاً حقيبته، ويخرج منه وهو يحمل فكرة عن العالم وعن نفسه وعن الآخرين. في المدرسة تبدأ علاقة الإنسان بمستقبله. لكن الحروب الطويلة تغيّر وظيفة الأشياء. يصبح المكان الذي صُمم لحماية المستقبل جزءاً من الصراع عليه. لا تعود المعركة فقط حول المدن والموارد والسلطة، وإنما حول الإنسان الذي سيبقى بعد انتهاء الصراع.
المشهد المتداول لقادة من تشكيلات مسلحة داخل بعض المدارس السودانية يختصر هذا التحول. فالقضية لا تتعلق بصورة أو خطاب هامشي، بل بالمعنى الذي تحمله الصورة: وصول الصراع إلى المكان الذي كان يفترض أن يبقى خارج دائرة النار.
الأوطان لا تخسر أطفالها عندما يحملون السلاح. خسارتهم تبدأ قبل ذلك بكثير؛ عندما يُطلب منهن أن يروا العالم من نافذة واحدة، وأن يقيسوا الانتماء بقدر قربهم من المعركة، وأن يتعلموا الخوف قبل أن يتعلموا الاختلاف.
الحرب تحتاج دائماً إلى ألسُن تبرر استمرارها. لهذا تصبح عقول الصغار هدفاً بالغ الأهمية؛ لأنها لم تمتلئ بعد بتجاربها الخاصة، ويمكن أن تُحمّل بروايات الآخرين. والمجتمع الذي يفقد قدرة حماية مدرسته، يفقد جزءاً من قدرته على حماية غده.
وفي بلدنا المنكوب هذا، لم يبدأ حضور السياسة والأيديولوجيا داخل المؤسسات التعليمية مع الحرب الحالية، فقد شكلت المدارس والجامعات، عبر عقود، إحدى ساحات التنافس على تشكيل المجتمع السوداني.
منذ وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة عام 1989، اتجهت السلطة الجديدة إلى بناء نفوذها داخل المؤسسات التعليمية، عبر الاتحادات الطلابية والمناهج والهياكل الإدارية. لم تعد المدرسة فضاءً محايداً دائماً، بل أصبحت في مراحل مختلفة جزءاً من مشروع أوسع لإعادة صياغة المجتمع وفق رؤية سياسية وفكرية محددة.
بلغ هذا المسار مرحلة أكثر خطورة خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما ارتبطت التعبئة الطلابية بالمشروع العسكري، ودُفع آلاف الشباب إلى ساحات القتال في حرب الجنوب.
التجربة لم تكن تلك مجرد صفحة في كتاب التاريخ، فقد تركت أثراً عميقاً في مجتمع دفع ثمناً باهظاً، وانتهت سنوات طويلة من الصراع إلى انفصال الجنوب عام 2011، في واحدة من أكبر لحظات الانكسار التي عاشتها الدولة السودانية الحديثة.
تتغير أسماء الجماعات وشعارات المعارك، لكن الخطر الأكبر يبقى ثابتاً: تحويل الإنسان إلى امتداد للصراع.
كل حرب تحمل معها محاولة لكتابة روايتها الخاصة. وكل طرف يريد أن يترك بصمته في الجيل الذي سيأتي بعده. لكن الطفل الذي يدخل المدرسة لا ينبغي أن يكون صفحة في كتاب الحرب، ولا مساحة لتعويض خسائر الكبار، ذلك أن المدرسة ليست مجرد جدران ومقاعد. إنها المكان الذي يتعلم فيه الإنسان أن الآخر ليس عدواً بالضرورة، وأن الاختلاف ليس تهديداً، وأن الوطن أوسع من أي جماعة أو مشروع.
ولهذا فإن حماية التعليم في زمن الحرب ليست قضية خدمات فقط، بل قضية تتعلق بشكل الإنسان الذي سيولد بعد انتهاء الحرب.
ستتغير خرائط السيطرة يوماً ما وتصمت أصوات البنادق. ستُفتح طرق أغلقتها الحرب، وتعود مدن إلى محاولة استعادة نبضها. لكن آثار الحرب التي تستوطن الإنسان فتحتاج زمناً أطول من إعادة بناء الحجر.
ليس مهماً من ينتصر في الميدان، المهم ماذا سيبقى في نفوس الذين عاشوا الحرب وهم أطفال. فالوطن لا يُبنى فقط بإيقاف الرصاص، وإنما بمنع الرصاص من الاستقرار داخل الذاكرة.
كيف يستعيد طفلٌ عاش الحرب داخل مدرسته؛ حقه في أن يحلم بوطن لم يعرفه إلا من خلال الخوف؟
