🖊بقلم : محمد عبدالرحيم أبوه
ليست مأساة السودان أنه بلد أنهكته الحرب، فالحروب حدث عرفته أمم كثيرة ثم نهضت من ركامها، وإنما مأساته الحقيقية أن الدولة جعلت الفساد جزءًا من بنيتها. ولهذا لم يكن الفساد ظاهرةً طارئة، بل أصبح، مع مرور الزمن، نظامًا لإدارة الدولة. وتحولت الوظيفة العامة إلى وسيلة للتكسب وتوزيع الامتيازات، وأصبحت المؤسسات تدار وفق معايير الولاء السياسي والقبلي والجهوي، لا وفق معايير الكفاءة والاستحقاق. وبذلك تحولت الدولة من أداةٍ للتنمية إلى بنية تكرّس إستمرار الأزمات.
إن أخطر ما يواجه السودان ليس الفساد المالي وحده، على الرغم من خطورته، وإنما الفساد الأداري الذي يضرب جذور الدولة نفسها. فعندما يضعف القضاء، وتفقد الخدمة المدنية استقلالها، تتاجر بالنفوذ ويساء أستخدام السلطة بتسيس القوات النظامية، وتستخدم القوانين لحماية أصحاب النفوذ بدلًا من حماية المجتمع، يغدو الفساد منطقآ يحكم إدارة الشأن العام، لا مجرد انحراف يمكن احتواؤه بإجراءات إدارية.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه على السودانيين بعد الحرب ليس: كيف يرمم ما هدم ؟ وإنما : كيف يراجع الأساس الذي شيدت عليه الدولة منذ الاستقلال ؟ فترميم ما دمرته الحرب لا يعني بالضرورة إصلاح الدولة، كما أن استبدال الحكومات لا يغير طبيعة النظام إذا بقيت القواعد التي أنتجت الفشل على حالها.
لقد انشغل الخطاب السياسي، طوال عقود، بملاحقة أعراض الأزمة، بينما ظل يتجنب الاقتراب من أصل الداء. فكانت الحكومات تتبدل، والانقلابات تتعاقب، والدساتير تكتب ثم تلغى، لكن القواعد التي أُديرت بها الدولة ظلت ثابتة؛ إذ بقيت السلطة غاية في ذاتها، لا وسيلة لإدارة الشأن العام، وبقيت المؤسسات تصاغ بما يخدم استمرار النفوذ، لا بما يضمن استقرار الدولة .
لقد كشفت الحرب أن الأزمة ليست أزمة جيشين يتقاتلان، ولا أزمة معارضة، وإنما أزمة دولة فقدت البوصلة في ادارة التنوع، وتراجعت فيها فكرة المواطنة لصالح الولاءات القبلية والجهوية والحزبية. وهذه ليست نتيجة الحرب، بل هي حصيلة عقود طويلة من الإخفاق في بناء دولة المؤسسات.
ومن هنا فإن مشروع بناء السودان لا ينبغي أن يبدأ بإعادة بناء العقد الاجتماعي الذي يحدد العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة الحديثة لا تقوم على العصبيات، ولا على المحاصصات، ولا على تقاسم النفوذ، وإنما على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وخضوع الجميع للمساءلة. كما أن مكافحة الفساد لا تتحقق بإصدار المزيد من القوانين وحدها، لأن الدول الفاسدة غالبًا ما تمتلك أفضل القوانين وأضعف الإرادة في تطبيقها. فالتحدي الحقيقي يكمن في تأسيس مؤسسات مستقلة تمتلك القدرة القانونية والسياسية على محاسبة الجميع دون استثناء، وإخضاع المال العام لرقابة شفافة، ومنع تضارب المصالح، وإعادة الاعتبار للكفاءة بوصفها المعيار الوحيد لتولي المسؤولية.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل البعد الثقافي للأزمة. فالفساد لا يعيش داخل مؤسسات الدولة فقط، بل يتغذى أيضًا من ثقافة إجتماعية تتسامح مع المحسوبية والوساطة، وتخلط بين الولاء للأقارب والولاء للوطن، وتعتبر الوظيفة العامة فرصة للثراء، لا تكليفًا لخدمة المجتمع. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ أيضًا من المدرسة والجامعة والإعلام والأسرة، حيث تبنى منظومة القيم التي تحكم علاقة الفرد بالدولة.
إن السودان يمتلك كل المقومات التي تؤهله للنهوض؛ موقع جغرافي استراتيجي، وموارد طبيعية هائلة، وإرث حضاري ممتد، وشعب أثبت في أكثر من محطة تاريخية قدرته على الصمود. لكن هذه المقومات ستظل عاجزة عن إنتاج التنمية ما لم تتحول الدولة من دولة ولاءات إلى دولة مؤسسات، ومن دولة أشخاص إلى دولة قانون.
إن التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تنهض عندما تتغير الحكومات فقط، وإنما عندما تتغير قواعد الحكم نفسها. فالإصلاح الحقيقي ليس استبدال نخبة بأخرى، بل تفكيك المنظومة التي قامت على الاحتكار والإقصاء والفساد، وإحلال منظومة تجعل السلطة عقدًا مع الشعب، لا امتيازًا عليه.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل سوداني على نفسه قبل أن يطرحه على السياسيين : هل نريد إعادة بناء ما هدمته الحرب، أم نريد بناء دولة لم تولد بعد ؟ لأن السودان لن يتغير إذا اكتفينا بإصلاح الواجهات، بينما بقيت الأسس التي أنتجت الفشل على حالها. ولن يبدأ التحول الحقيقي إلا حين ندرك أن أخطر معاركنا ليست مع الأشخاص، بل مع البنية التي تعيد إنتاجها في كل مرة، وأن أعظم انتصار يمكن أن يحققه السودان هو الانتقال من دولة تدار بالمصالح الضيقة إلى دولة يحكمها القانون والعدالة والإرادة الوطنية.
abohmohammed123@gmail.com
