دكتور محمد عبدالله
لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين متحاربين، بل تحولت إلى حرب على مؤسسات الدولة نفسها. ومن بين أكثر القطاعات التي أصابها الخراب ذلك القطاع الذي يحتاج إلى عقود طويلة لبنائه، لكنه قد ينهار في أيام معدودة: التعليم الطبي والمستشفيات التعليمية.
فالطبيب لا يُصنع في قاعات المحاضرات وحدها، وإنما يتشكل عبر رحلة طويلة تبدأ بالعلوم الأساسية، ثم تنتقل إلى التدريب السريري المنظم داخل المستشفيات الجامعية، تحت إشراف أساتذة واستشاريين تتراكم لديهم الخبرة جيلاً بعد جيل. هذه المنظومة التي احتاج السودان إلى ما يقرب من قرن لبنائها، تلقت خلال الحرب ضربة قد تكون الأقسى في تاريخ التعليم الطبي بالبلاد.
يعود تاريخ التعليم الطبي الحديث في السودان إلى عام 1924، مع تأسيس كلية كتشنر للطب في الخرطوم، التي أصبحت لاحقاً كلية الطب بجامعة الخرطوم. وعلى امتداد العقود التالية، برزت كليات الطب في جامعات الخرطوم والجزيرة وأم درمان الإسلامية وغيرها بوصفها مدارس طبية ذات سمعة متميزة، خرّجت آلاف الأطباء الذين شغلوا مواقع مرموقة في مستشفيات وجامعات العالم.
غير أن هذه المؤسسات كانت تواجه، حتى قبل اندلاع الحرب، تحديات متراكمة. فقد أدى التوسع الكبير في إنشاء كليات الطب، منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى اختلال واضح بين أعداد الطلاب والإمكانات المتاحة للتدريس والتدريب. تضاعف عدد الكليات، بينما لم يواكب ذلك توسع مماثل في المستشفيات التعليمية أو المختبرات أو أعداد أعضاء هيئة التدريس، فأصبحت المستشفيات نفسها تستقبل أعداداً متزايدة من الطلاب، على حساب جودة التدريب السريري.
ثم جاءت الحرب لتقلب هذا الواقع الهش رأساً على عقب.
فالمستشفيات التعليمية التي كانت تمثل القلب النابض للتعليم الطبي أصبحت ساحات قتال، أو خرجت من الخدمة، أو تعرضت للنهب والتخريب. وتشير دراسات حديثة إلى أن أكثر من نصف كليات الطب الواقعة في مناطق النزاع تعرضت لهجمات مباشرة، فيما تحولت بعض مبانيها إلى مواقع عسكرية، وتعرضت أخرى لعمليات نهب واسعة.
ومع توقف معظم الخدمات الصحية في العاصمة وعدد من الولايات، فقد طلاب الطب البيئة التي يكتسبون فيها مهاراتهم السريرية، بينما اضطر عدد كبير من الأساتذة إلى النزوح أو الهجرة. وأظهرت دراسة حديثة أن نحو 70 في المائة من المؤسسات التعليمية الطبية اضطرت إلى الانتقال من مقارها الأصلية، فيما غادر نحو ثلث أعضاء هيئة التدريس مواقعهم، سواء بالنزوح داخل السودان أو بالهجرة إلى الخارج. كما شهدت بعض الكليات نسباً مرتفعة من تسرب الطلاب، كان العامل الاقتصادي أحد أبرز أسبابها.
ولجأت جامعات إلى التعليم الإلكتروني حفاظاً على استمرار الدراسة، لكن هذا الحل ظل محدود الفاعلية في ظل انقطاع الإنترنت، وضعف البنية التحتية، وصعوبة وصول الطلاب إلى المنصات التعليمية. وحتى عندما نجحت المحاضرات الافتراضية في سد جزء من الفراغ الأكاديمي، بقي التدريب السريري الحلقة المفقودة التي لا يمكن تعويضها.
فالطب، بخلاف كثير من التخصصات، يقوم على التعلم بالممارسة. يبدأ الطالب بالملاحظة، ثم يشارك تدريجياً تحت إشراف أساتذته، حتى يكتسب الثقة والمهارة اللتين تؤهلانه لتحمل المسؤولية. ولا يمكن لأي منصة رقمية أن تحل محل الوقوف إلى جانب سرير المريض، أو تعلم مهارات الفحص السريري، أو التعامل مع الحالات الطارئة في بيئة المستشفى.
ومن هنا تكمن خطورة ما حدث.
فالحرب لم تدمر المباني فحسب، بل قطعت سلسلة انتقال الخبرة بين الأجيال. والمختبرات يمكن إعادة بنائها، والأجهزة يمكن شراؤها، لكن الأستاذ الذي أمضى عقوداً في التدريس والإشراف والبحث العلمي لا يمكن تعويضه بسهولة. ولذلك فإن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط نقص الأطباء، وإنما تراجع أعداد من يدرّبون الأطباء.
وتشير الدراسات إلى أن الحرب عمّقت أيضاً ظاهرة هجرة الكفاءات. فقد أظهرت دراسة أجريت على طلاب خمس كليات طب سودانية أن أكثر من نصفهم يفكرون في مغادرة البلاد بعد التخرج، مدفوعين بالرغبة في الحصول على تدريب أفضل، ومستقبل مهني أكثر استقراراً، وحياة آمنة. والحقيقة أن السودان كان يعاني من هجرة الأطباء قبل الحرب، لكن النزاع دفع هذه الظاهرة إلى مستويات غير مسبوقة.
ولا تقف تداعيات الأزمة عند حدود التعليم، بل تمتد إلى مستقبل النظام الصحي بأكمله. فقد خرجت غالبية المستشفيات في مناطق النزاع من الخدمة، وتعرضت مرافق صحية للقصف والاحتلال، وسُجلت اعتداءات متكررة على العاملين في القطاع الصحي والمنشآت الطبية. وفي ظل هذا الواقع، يواجه السودان احتمال أن يفقد جيل كامل من الكوادر الطبية المؤهلة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خدمات الرعاية الصحية أكثر من أي وقت مضى.
ومع ذلك، فإن الأزمة، على قسوتها، ليست مستعصية على الحل.
فإعادة بناء التعليم الطبي يجب أن تكون جزءاً من مشروع إعادة بناء الدولة، لا مجرد ملف يخص الجامعات وحدها. كما أن إعادة تأهيل المستشفيات التعليمية ينبغي أن تحظى بأولوية خاصة، لأنها ليست مرافق للعلاج فقط، بل مؤسسات لإعداد الأطباء وصناعة المستقبل الصحي للبلاد.
وتشير تجربة كلية الطب بجامعة الجزيرة، التي واصلت نشاطها عبر حلول مرنة شملت تطوير المناهج والاستفادة من التقنيات الحديثة، إلى أن المحافظة على استمرارية التعليم ممكنة حتى في أصعب الظروف، إذا توافرت الإرادة والإدارة الرشيدة.
ويملك السودان أيضاً رصيداً بشرياً هائلاً يتمثل في آلاف الأطباء والأساتذة العاملين في بريطانيا ودول الخليج وأوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا. ويمكن لهذا الامتداد الأكاديمي أن يتحول إلى قوة داعمة من خلال برامج منتظمة للتدريس والإشراف والامتحانات، تجمع بين الحضور المباشر والتعليم عن بُعد، وتربط الجامعات السودانية بشبكاتها العلمية في الخارج.
وفي الوقت نفسه، لا بد من إعادة النظر في سياسة التوسع في إنشاء كليات الطب. فالمعيار الحقيقي ليس عدد الكليات، وإنما قدرتها على تخريج أطباء يمتلكون الكفاءة التي تتطلبها المهنة. وقد يفرض ذلك دمج بعض الكليات أو تعليق القبول مؤقتاً في الكليات التي تفتقر إلى الحد الأدنى من متطلبات التدريب السريري، إلى جانب بناء شراكات مع جامعات ومستشفيات عربية وأفريقية ودولية، تتيح للطلاب استكمال جزء من تدريبهم إلى أن تستعيد المؤسسات السودانية قدرتها الكاملة.
لقد أثبت السودان، على امتداد تاريخه، أن مدرسته الطبية كانت قادرة على تخريج أطباء نافسوا في أرقى المؤسسات الصحية حول العالم. ولم يكن سر هذا النجاح في المباني أو الأجهزة، بل في منظومة أكاديمية احترمت معايير المهنة، وربطت بين المعرفة النظرية والتدريب العملي والانضباط العلمي.
فالحروب تنتهي، عاجلاً أم آجلاً، لكن آثارها على التعليم قد تمتد جيلاً كاملاً. وإذا كانت إعادة بناء الجسور والطرق تستغرق سنوات، فإن إعادة بناء المدرسة الطبية السودانية قد تحتاج إلى عقود، ما لم يبدأ العمل عليها منذ الآن.
إن إنقاذ التعليم الطبي ليس إنقاذاً للجامعات وحدها، بل هو دفاع عن حق السودانيين في أن يجدوا، بعد انتهاء الحرب، طبيباً مؤهلاً يقف إلى جوار سرير المريض، يحمل العلم والخبرة والضمير معاً. فذلك، في نهاية المطاف، هو الاستثمار الذي لا يجوز لأي دولة تتطلع إلى النهوض أن تؤجله.
muhammedbabiker@aol.co.uk
