الجريدة هذا الصباح
بهذا الخطاب الكيزاني المنسوخ، فالكتلة الديمقراطية تقف في نقطة وسطية مشلولة لا توصلها إلى غاياتها، لا بالحرب ولا بالسلام.
أطياف
صباح محمد الحسن
طيف أول:
السلام هو أن تنتصر الإنسانية لا الجيوش.
ومن قبل تحدثنا عن أن الكتلة الديمقراطية فقدت تأثيرها السياسي كرقم يمكن أن يغيّر في المعادلة السياسية في السودان، وما يحدث الآن يثبت ذلك وأكثر إذ أجرى تحالف الكتلة الديمقراطية محادثات في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، تناولت سبل إنهاء الحرب وإرساء السلام، وتطورات الأوضاع السياسية والإنسانية بالبلاد في إطار الآلية الخماسية.
وترى الكتلة الديمقراطية أن إنهاء المعاناة يبدأ بدعم مسار وطني شامل للحل السياسي يقوم على حوار (سوداني – سوداني) يُعقد داخل البلاد بمشاركة الجميع دون إقصاء، للوصول إلى دولة العدالة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية.
وما طرحته الكتلة الديمقراطية في أديس أبابا من مقترح “حوار سوداني – سوداني لا يُقصي أحد” و”تصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية” هو ذاته الخطاب القديم الذي ظلت تتمسك به الحكومة الكيزانية منذ بداية الحرب، والذي لم يجد آذاناً صاغية.
ففي الداخل، أي دعوة لـ”حوار بلا إقصاء” لا تفسير لها سوى محاولة لإعادة تموضع الفلول، كما أن المطالبة بتصنيف الدعم السريع إرهابياً تُقرأ بأنها تسميع مباشر من الورقة التي حملها الكيزان إلى كل المحافل الدولية دون النظر في ماهية الأسباب التي تقف عقبة أمام هذا التصنيف.
والتمسك بالشرطين اللذين تطرحهما الكتلة يتجاهلهما المجتمع الدولي لأنهما يتعارضان تماماً مع خطته فهو يدرك أن التصنيف سيضرّ الجيش أكثر من الدعم السريع، ويعرف أن إشراك الإسلاميين سيقوّض أي عملية سياسية، ولهذا يترك هذه المطالب جانباً منذ بداية الحرب.
ففي ميزان الحرب، يرى المجتمع الدولي أن الجيش والدعم السريع يقفان في كفتين متقاربتين من حيث الانتهاكات الموثقة.
ولذلك، فإن أي خطوة لتصنيف الدعم السريع إرهابياً ستجرّ تلقائياً إلى تصنيف الطرف الآخر معه. فالمجتمع الدولي لا يريد أن يفقد القدرة على جمع الطرفين في طاولة واحدة.
كما أن تصنيف الدعم السريع إرهابياً يعني عملياً استحالة التفاوض معه، واستحالة إدماجه في أي تسوية، وصعوبة وقف الحرب عبر الحوار.
وعدم إقصاء الإسلاميين سياسياً يتعارض أيضاً مع الطرح الدولي القائم على ضرورة إبعادهم عن العملية السياسية وعدم السماح لهم بالعودة إلى السلطة بأي شرعية سياسية جديدة.
لذلك، بهذا الخطاب الكيزاني المنسوخ، فالكتلة تقف في نقطة وسطية مشلولة لا توصلها إلى غاياتها، لا بالحرب ولا بالسلام، فتبقى خارج مربع التأثير، بلا مشروع، وكذلك بلا طريق واضح للمستقبل.
ولذلك، حتى لو كانت نوايا الكتلة مختلفة، فإن هذا الخطاب نفسه يجعلها تبدو كأنها بوق للنظام البائد في نظر قطاع واسع من السودانيين.
والخطاب الذي يطالب بـ”حوار شامل” هو خطاب رنان عندما يقع على مسامع الأمم المتحدة والآلية الخماسية لأنه يبدو معتدلاً، لكن المشكلة أن هذا الخطاب غير منطقي في ظل الظروف المحيطة، فيصبح واحداً من أنواع الاستهلاك المتكرر.
ويبدو أن الكتلة الديمقراطية لا تريد أن تظهر كخصم سياسي مباشر للجيش، لذلك تتبنى خطابه السياسي. فكونها شريكة ميدان ليس بالضرورة أن يسلب منها هذا الموقف شخصيتها السياسية، مما يجعلها تتحول إلى جسم يعاني من غياب مشروع سياسي واضح.
فعندما لا تمتلك القوى السياسية مشروعاً متمايزاً، فإنها تلجأ إلى الخطاب العام الذي يبدو آمناً لكنه غير فعّال، وهذا يجعلها امتداداً للمنظومة القديمة وليس قوة سياسية مستقلة. فلماذا لا تطرح الكتلة مشروعاً سياسياً مختلفاً؟
الإجابة: لأنها تخشى أن طرح رؤية خاصة سيؤثر على اتفاقياتها المبرمة مع الفلول والجيش فيما يتعلق بالحرب، وهذا ما يمنعها من حرية الممارسة السياسية، وبالتالي لا تكون لديها القدرة على مخاطبة قواعدها استعداداً لتحمل كلفة المواقف.
وبهذا تصبح كياناً سياسياً عاجزاً عن طرح مشروع سياسي مستقل لا يشبه خطاب الفلول، وغير قادر على الاعتراف بانتهاكات كل الأطراف وليس طرفاً واحداً، ولا يستطيع أن يتبنى رؤية للسلام لا تقوم إلا على عدم الإقصاء. فهذا يضعها في خانة القوى غير المستقلة سياسياً، لأنها لا تقدم مشروعاً جديداً ولا رؤية مختلفة، بل تعيد إنتاج خطاب قديم فقد شرعيته.
فالكتلة قد تتخوف من أنها ربما لا تكون جزءاً من أي تسوية قادمة، ولذلك تتجنب الخطاب الصدامي، مما يجعلها تتمسك بالحل العسكري وتقدّم نفسها للمجتمع الدولي كقوة سلام حتى لا تُستبعد من أي تسوية قادمة.
ففي الداخل تستخدم لغة عسكرية صدامية، وفي الخارج تتبنى لغة السلام، وهذه الازدواجية تكتيك قاتل لا يحقق البقاء السياسي، لكنه يعجل بالزوال السياسي.
طيف أخير:
لا_للحرب
لجنة إخلاء ولاية الخرطوم تُبعد 162 أجنبياً إلى بلادهم، وترحّل 144 لاجئاً من الولاية إلى معسكرات اللجوء بالولايات.
وماذا عن اللاجئين السودانيين في معسكرات اللجوء الذين هُجّروا من الخرطوم بسبب الحرب!
