دكتور محمد عبدالله
لم تكن الخرطوم مجرد مقر للوزارات والسفارات، بل كانت شاهداً على تاريخ السودان الحديث. عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق نشأت مدينة أصبحت، مع مرور الزمن، قلب البلاد السياسي والإداري والثقافي. إليها كان يتجه الطلاب، ومنها يبدأ الباحثون عن العمل، وفيها يجد المرضى مستشفياتهم، كما احتضنت السودانيين القادمين من مختلف الأقاليم حتى غدت صورة مصغرة للوطن كله.
لم تنشأ الخرطوم دفعة واحدة. فبعد إنهيار الدولة المهدية أُعيد تخطيطها وتوسعت تدريجياً مع قيام مؤسسات الدولة الحديثة. وبعد الاستقلال ازداد اتساعها بصورة سريعة، لكنها حملت معها مشكلات لم تجد حلولاً حقيقية، مثل النمو العمراني غير المنظم، وتزايد الهجرة من الأقاليم، والضغط المستمر على الخدمات الأساسية.
ومع ذلك، ظلت الخرطوم مدينة لها طابعها الخاص. تبدأ الحركة فيها مع ساعات الصباح الأولى، وتمتلئ شوارعها بالموظفين والطلاب، بينما كانت الجامعات والمراكز الثقافية والمسارح ودور السينما تعكس حيوية المدينة وتنوعها. وعلى ضفاف النيل كانت الأسر تجد متنفساً، فيما بقيت الأسواق القديمة، مثل السوق العربي وأم درمان، شاهدة على تاريخ طويل من النشاط التجاري والاجتماعي.
ثم جاءت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لتغير المشهد كله. لم تقتصر آثارها على المباني التي دمرها القتال، بل أصابت الحياة اليومية في صميمها. أحياء واسعة فرغت من سكانها، ومستشفيات ومدارس توقفت عن العمل، وتعرضت شبكات الكهرباء والمياه لأضرار كبيرة، بينما امتلأت الشوارع بالأنقاض وبقايا الحرب.
ومن يزور الخرطوم اليوم يدرك أن ما أصابها يتجاوز الدمار المادي. أشجار كثيرة جفت بعد انقطاع الري، وحدائق فقدت ملامحها، والخدمات الأساسية ما زالت تعاني اضطراباً واضحاً. في بعض الأحياء أصبح الحصول على المياه تحدياً يومياً، بينما تحولت الانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى عبء يطال المنازل والمحال التجارية والمرافق الصحية على حد سواء.
غير أن تحميل الحرب وحدها مسؤولية ما جرى لا يقدم صورة كاملة. فقد كشفت الحرب عن مشكلات كانت موجودة قبل اندلاع الحرب ، أبرزها هشاشة البنية التحتية وضعف الإدارة المدنية. فالمدينة التي يعيش فيها ملايين السكان لا يمكن أن تعتمد على حلول مؤقتة في المياه والكهرباء والصرف الصحي، ثم يُنتظر منها أن تصمد أمام أزمة بهذا الحجم.
ولهذا، فإن إعادة إعمار الخرطوم ينبغي ألا يقتصر على إصلاح ما تهدم، بل يجب أن يكون فرصة لمعالجة الاختلالات القديمة أيضاً. فالطرق تحتاج إلى إعادة تأهيل وفق رؤية حديثة، وشبكات المياه والكهرباء ينبغي أن تُبنى بما يلبي احتياجات السنوات المقبلة، كما أن التخطيط العمراني يحتاج إلى معالجة جادة للتوسع العشوائي الذي رافق نمو المدينة لعقود.
ولا تقل أهمية عن ذلك عودة مؤسسات الدولة إلى أداء دورها الطبيعي. فالمدرسة والمستشفى والمحكمة ومراكز الشرطة ليست مجرد مبان، بل هي أساس الاستقرار وثقة المواطنين. ولن تحقق الدعوات إلى العودة أهدافها إذا ظلت الخدمات الأساسية غائبة أو متعثرة.
كما أن الخرطوم تحتاج إلى مشروع متكامل يعيد إليها وجهها الحضري. فالمدينة في حاجة إلى تشجير واسع، وتأهيل الحدائق العامة، وتحسين الإنارة، وإنشاء نظام فعال للنظافة وإدارة النفايات، إلى جانب المحافظة على ما تبقى من معالمها التاريخية. فالعاصمة ليست مجرد مقر للحكم، بل هي الانطباع الأول الذي يخرج به الزائر عن البلاد.
وتبقى الشفافية شرطاً أساسياً في أي مشروع لإعادة الإعمار. فالسودانيون دفعوا ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، ومن حقهم أن يعرفوا كيف ستدار الأموال التى ستخصص لإعادة البناء، وأن تكون الأولوية للمشروعات التي تمس حياة الناس اليومية، بعيداً عن الهدر أو الفساد أو الإنفاق على ما يمكن تأجيله.
لقد مرت عواصم كثيرة حول العالم بتجارب مشابهة، ونجحت في النهوض لأنها لم تكتف بإزالة آثار الدمار، بل أعادت النظر في طريقة إدارة المدينة وتخطيطها. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الخرطوم اليوم.
فالخرطوم ليست مجرد عاصمة ادارية للسودان، بل ذاكرة وطن بأكمله. وإذا أُحسن التخطيط لإعادة بنائها، وأُديرت العملية بكفاءة وشفافية، فبإمكانها أن تستعيد مكانتها مدينة للحياة والتعليم والثقافة. أما إذا اقتصر الأمر على حلول مؤقتة وإدارة يومية للأزمات، فإن آثار الحرب ستظل ماثلة حتى بعد أن تتوقف أصوات البنادق.
وفي النهاية، فإن إعادة بناء الخرطوم ليست مشروعاً هندسياً فحسب، بل مشروع لاستعادة الثقة بين الدولة والمواطن. فحين تتوفر المياه والكهرباء، وتعود المدارس والمستشفيات إلى العمل، وتصبح الشوارع آمنة ونظيفة، عندها فقط يمكن القول إن الخرطوم استعادت عافيتها، واستعادت معها شيئاً من روح السودان.
muhammedbabiker@aol.co.uk
