د. فضل محي الدين طاهر
يقول عالم النفس أبراهام ماسلو أن الإنسان لا يفكر في الحرية والإبداع وتحقيق الذات إلا بعد أن يُشبع أولاً حاجاته الأساسية: الأمن، والمأكل، والمأوى.
وهذا هو بالضبط ما فهمته ثورة ديسمبر العظيمة. وما فهمته أيضاً قوى الظلم والعدوان والحرب المضادة.
وتعتبر الحرب الدائرة في السودان وكذلك الازمات المعيشيه التي تخللتها اداة او وسيلة الذهنية الريعية لابقاء الشعب مشغولا فقط بكيفية (البقاء علي قيد الحياة) وبتلبية ابسط متطلباته بينما يتواصل نهب ثرواته.
وكان وما زال طموح الثورة هو اعادة صياغة التاريخ وصناعة التغيير بالصعود من قاع الهرم إلى قمته. ولم تخرج الملايين في ديسمبر من أجل رغيف العيش بل خرجت لأنها رفضت أن تعيش مرة اخري محبوسة في أسفل هرم ماسلو حيث الاكتفاء فقط بمتطلبات الانسان الاساسية.
وما زالت جذوة ثورة ديسمبر مشتعلة في قلوب وأفئدة الشباب رغم المؤامرات المستميتة لمقايضة الامن والامان بلقمة العيش. وهذا ينسجم تماماً مع مقولة فرانكلين روزفلت (من يضحي بالحرية من اجل الامن لا يستحق كليهما).
ووفقاً لهرم ماسلو فان الحاجات الاساسية لاي مجموعة بشرية تتكون من ثلاث طبقات متسلسلة علي شكل هرمي:
-في اسفل الهرم الحاجات الفسيولوجية والأمن. وفي السودان ثار الشعب لأن “العيش” صار ذلاً مع غياب أبسط حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فضلاً عن صفوف الخبز، وانقطاع الدواء، وانهيار الامن، واتساع لدائرة التهميش .
-في منتصف الهرم: نجد الحاجة للانتماء والتقدير. ثار الشعب لأن حق الحياة بسلام صار بالولاء لا بالحق الاساسي . لأن الشاب السوداني صار بلا اي امل في المستقبل ، ولأن المرأة تحولت من ايقونة الثورة الي ايقونة للفقر والقهر والتهميش ولأن القبيلة صارت أهم من الدولة والقانون.
-في القمة: تحقيق الذات والحرية وهذا هو جوهر شعارات الثورة الثلاث: الحرية، السلام، العدالة.
الحرية: ليست فقط لاحترام حقوق الانسان الفردية والجماعية بل ايضاً حق المواطن أن يصوغ مستقبله ويشارك في بناء دولته كما تعني أن يفكر المواطن ويقول ويبدع بلا خوف.
والسلام : ليس مجرد وقف لاطلاق النار او اتفاق لتقسيم الثروة والسلطة بل يتجاوز ذلك الي معالجة الجذور للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتي حبست السودان في هذه الحلقة المفرغة.
العدالة: أن تُقاس بقدرك لا بلونك السياسي او الاجتماعي او الاقتصادي ولا قبيلتك. والعدالة ايضاً تتضمن مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية والتي من شانها معالجة الانتهاكات الجارية و السابقة لحقوق الانسان الاساسية ورد الحقوق الخاصة والعامة وجبر الضرر.
وبمعنى آخر: طموحات الثورة السودانية وفقاً لشعارها الخالد “حرية، سلام، وعدالة” كانت وما زالت بناء دولة المؤسسات والسلام الدائم.
دولة لا يحكمها فرد ولا حزب ولا بندقية، بل يحكمها الدستور والقانون والمؤسسات. دولة يكون فيها السلام ليس هدنة مؤقتة، بل عقد اجتماعي دائم.
باختصار: الثورة كانت وما زالت مشروعاً وطنياً كاملاً لنقل السوداني من (إنسان يبحث عن البقاء) إلى (إنسان يبحث عن المعنى) من أسفل الهرم إلى قمته.
ثانياً: سلاح الحرب – إعادة الشعب إلى قاع الهرم:
ومن هنا جاءت الحرب. ليس لأن هناك خلافاً على بنود الاتفاق الإطاري .
الحرب استراتيجية معروفة ومقصودة لوقف قطار الثورة و لإعادة السودانيين قسراً إلى قاع هرم ماسلو. كيف؟
عندما تشتعل الحرب يختفي كل شيء فوق الأمن والمأكل كما هو مشاهد اليوم.
هذه هي الاستراتيجية: أشغل المواطن بإطعام بطنه وحماية ظهره، حتى ينسى أنه كان يحلم بوطن.
عندما تكون في قاع الهرم، تصبح أي تسوية تقول لك “سنوفر لك الكهرباء او الخبز” تبدو مغرية، حتى لو كانت على حساب حريتك.
ثالثاً: لماذا فشلت الخطة؟ لأن الثورة فهمت اللعبة وتدرك تماماً حجّم وابعاد المؤامرات الداخلية والخارجية .
الذين أشعلوا الحرب ظنوا أن الجوع والخوف وفقد الارواح والاستقرار كافية لكسر الإرادة. لكنهم نسوا شيئين:
- أن السوداني ذاق القمة مرة ومن خرج في ديسمبر وفي ساحة الاعتصام وهتف “حرية سلام وعدالة” عرف أن هناك حياة أعلى من صف العيش. ومن ذاق الكرامة لا يرضى بالذل حتى لو جاع.
- أن إرادة الشعوب لا تُقاس ببطونها فالتاريخ يقول: الهند استقلت وهي جائعة. وجنوب أفريقيا انتصرت وهي محاصرة. والشعب السوداني نفسه أسقط ثلاثة انظمة عسكرية في أكتوبر وأبريل وديسمبر وهو في ظروف أسوأ.
لأن الإنسان عندما يقرر أن يصعد الهرم، لا يستطيع أحد أن يرجعه بالقوة. قد يُبطئه، قد يجرحه، لكنه لا يستطيع أن يقتل الحلم.
رابعاً: طريق العودة إلى القمة – من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام
إذا كانت الحرب أداة لإرجاعنا للقاع، فإن السلام والبناء هو أداة صعودنا للقمة. وهذا لن يتم بالشعارات فقط.
الانتقال يحتاج إلى 3 جسور:
- جسر الأمن : جيش واحد، شرطة واحدة، تحت سلطة مدنية منتخبة. لا سلام بلا أمن.
- جسر الاقتصاد المنتج : ننتقل من ” العقلية الريعية” إلى ” عقلية إنتاج”. زراعة، صناعة، طاقة شمسية. نُشبع الحاجات الأساسية بكرامة لا بذل.
- جسر القانون : وهذا هو الأهم. دستور، انتخابات، قضاء مستقل.
وهنا ينبغي القول مرة اخري بان الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية WTO يمثل “دستور اقتصادي” يمنع عودة اقتصاد التمكين والاحتكار الذي يعيدنا للقاع وهو الدليل بان الحرب لن تهزم حلما.
نعم، الحرب اليوم تشغل الناس بالبحث عن الماء والدواء وأساسيات الحياة.
نعم، الحرب اليوم تجعل الحديث عن “الحرية والعدالة” يبدو رفاهية.
لكن الحقيقة التي لا تقبل النقاش هي: أن من أشعلوا الحرب هم أنفسهم أسرى قاع الهرم. أسرى الخوف والسلطة والغنيمة. والدليل هو التشبث المهووس بالسلطة فوق اشلاء الوطن المكلوم. وهذا يجسد تماماً مقولة غاندي المشهورة (كثيرون حول السلطة… وقليلون حول الوطن).
أما هذا الشعب الذي فقد كل شيء وقدم الشهداء، وذاق اللجوء، والجوع، والتشريد، ثم قرر أن يواصل… فهذا شعب قرر أن يصعد.
قد يطول الطريق. وقد نضطر للقتال اليوم من أجل “رغيف” اليوم.
لكننا لن ننسى أبداً أننا خرجنا من أجل “وطن” الغد. وطن عنوانه دولة المؤسسات والسلام الدائم.
من أسفل هرم ماسلو إلى قمته… هذا هو طريق الثورة. وطريق لا رجعة عنه.
