د. أسامة خليفة محمد
أكاديمي وأستاذ جامعي
” أولئك الذين يعلمون الأطفال جديرون بالاحترام والتبجيل أكثر من الذين ينجبونهم،
لأن هؤلاء يمنحونهم الحياة فقط، بينما أولئك يمنحونهم فن الحياة الفاضلة.”
-أرسطو
قبل ثلاثة أيام، أصدرت لجنة المعلمين السودانيين بيانا صحفيا دانت فيه حادثة الاعتداء على أحد معلمي مدرسة التدريب النموذجية للبنين في الحارة الثالثة بمحلية كرري. وتعود تفاصيل الحادثة إلى أن المعلم تعامل مع تلميذ بسبب سلوك معين داخل المدرسة، فما كان من ولي أمر التلميذ، وهو مسؤول حكومي سابق في المحلية نفسها، إلا أن حضر إلى المدرسة وتعدى على المعلم بالصفع أمام زملائه وطلابه. ولم يكتف بذلك، بل أقدم على إشهار سلاحه الناري (طبنجة)، مهددًا به كل من حاول التدخل لفض النزاع، فضلًا عن توجيه عبارات مهينة للمعلمين، وفقًا لإفادة أحد معلمي المدرسة.
تعكس هذه الحادثة واقعاً مؤلماً، يتجاوز مجرد خلاف فردي بين ولي أمر ومعلم. إنها تجسد كيف التهمت ثقافة الحرب وعسكرة المجتمع قدسية المؤسسات التربوية، وأدت إلى انهيار هيبة المدرسة والمعلم. فلم يكتف المعتدي بصفع المعلم، بل أقدم على إشهار سلاحه داخل الحرم المدرسي، في مشهد يعلن بوضوح سقوط سيادة القانون وانهيار هيبة المعلم والمدرسة. هذه الحادثة، تؤكد أن منطق القوة والسلاح قد صار لغة الحوار السائدة بين السودانيين.
نعود ونكرر، ان تداعيات عسكرة المجتمع على التعليم وتكريس ثقافة الإفلات من العقاب يجعل من يمتلك السلاح يعتقد أنه القاضي والجلاد، مما يسلب المعلمين حقهم في الحماية ويقوض مكانتهم المهنية والتربوية. وان استبدال أدوات الحوار والتربية بلغة التهديد يقتل الشعور بالأمان لدى التلاميذ. التساؤل المروع حول “ماذا لو انطلقت رصاصة طائشة في المدرسة؟”. ما أقدم عليه هذا (المسؤول) الحكومي له تداعياته الخطيرة في تشويه الوعي الطلابي وذلك برؤية التلاميذ لمعلمهم يُهان أمام أعينهم، الشيء الذي يمكن ان يزرع في عقولهم أن القوة الجسمانية والنفوذ العسكري هما السبيل الوحيد لحل النزاعات، مما يعمق ثقافة العنف في المجتمع.
إن حماية المعلم والتلميذ ليست مجرد مطلب نقابي، بل هي خط الدفاع الأخير عن مستقبل السودان. لا يمكن معالجة الأخطاء التربوية مهما بلغت من سوء، إن وجدت، بخطايا جنائية واعتداءات مسلحة، ولا يجوز أن تختفي واقعة إشهار السلاح خلف تبريرات الدفاع عن النفس. تتطلب هذه الحادثة تحقيقاً شفافاً يعيد للمعلم وللمدرسة هيبتها، ويجرد ساحاتها من لغة العنف، ويرسخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون أياً كانت رتبته السابقة أو الحالية.
اثبتت تجارب الأمم الناهضة، ان احترام المعلم، وتوقير التعليم، لها أثرها المباشر على النهضة الاقتصادية والاجتماعية . فقد أثبتت التجارب العالمية أن التحول من أزمات الحروب أو الفقر إلى مصاف الدول المتقدمة يمر حتماً عبر بوابة رد الاعتبار للمعلم والمؤسسة التعليمية.
في كوريا الجنوبية اعتمدت الدولة على النظرة (الكنفوشيوسية) التي تضع المعلم في مرتبة تقارب الوالدين، وفي اليابان يحظى المعلم بتقدير مجتمعي استثنائي يتجسد في الثقافة اليابانية، حيث وضعت الحكومة تشريعات تضمن للمعلمين أجوراً تفوق أحياناً موظفي القطاع العام الآخرين لضمان استقطاب الكفاءات العالية، مما عكس مباشرة على انضباط المنظومة وجودة المخرجات التعليمية. نموذجا اخر هي دولة فنلندا، حيث مُنح المعلمون استقلالية وثقة كاملتين داخل الفصول بعيداً عن الرقابة الأمنية أو البيروقراطية، مما جعل المنظومة التعليمية الفنلندية النموذج الأول عالمياً في جودة التعليم والابتكار. في سنغافورة يُنظر إلى المعلم كمهندس لبناء المستقبل والسيادة الوطنية.
تستدعي هذه الحادثة المؤسفة تفعيل وسنّ تشريعات صارمة، تُجرم دخول الأسلحة أو الأفراد العسكريين والمسلحين إلى الحرم المدرسي تحت أي ظرف، وتعتبر أي اعتداء على المعلم جريمة لا تقبل التسويات العرفية. كما يجب إنشاء نظام للبلاغات والتدخل السريع في المدارس لحماية المعلمين والتلاميذ من أي شكل من أشكال الاعتداء الجسدي أو اللفظي، مع منح الإدارات المدرسية سلطة تعليق الدراسة فوراً في حال تعرُضها لأي تهديد أمني. إضافة إلى ذلك، ينبغي إشراك مجالس الآباء والمجتمع المحلي في حماية المدارس ومراقبة أدائها، لضمان وجود جسم مدني يدافع عن الحرم المدرسي في مواجهة أي اعتداء كالذي وقع في مدرسة التدريب النموذجية بمحلية كرري.
د. أسامة خليفة محمد
abuduaa74@gmail.com
