قراءة في رواية “الفراغ العريض” للكاتبة ملكة الدار محمد، الصادرة عن المجلس القومي للآداب والفنون، في ٢٠٠ صفحة.
أن تكتب امرأة، يعني أن تنصت لرهافة الحس واتساع المعنى ونبض المشاعر، كظلٍ رقيقٍ يصاحب صفحات الحياة حيث تمضي رحلة المعرفة. قد نتنفس وجعًا، وقد نفيض حنينًا، وبينهما ينهض نهر الحياة بفراغٍ عريض، يحمل في كنهه خيطًا رفيعًا من الألم والحب.
هكذا نكتب حين يعترينا الألم، ونكتب حين يخذلنا الحب، ونكتب عند الفقد والحاجة. فالأنثى، وإن شقّ عليها البكاء، تصمت وتنزوي، وتتوارى تفاصيل دهشتها، حتى يملكها ذلك الفراغ… فراغٌ ينخر بهدوء، ويتركها بلا معنى.
وهنا، على ناصية الحب والفقد والقمع، تلمع أحرف الرائدة ملكة الدار محمد في «الفراغ العريض»، حيث اختارت أن تكتب من منطقة حساسة بين القيد والرغبة، بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. نصٌّ يروي… ويفضح بصمت، ويلتقط لحظة تشكّل الفراغ داخل النفس، كقدرٍ يتكوّن ببطء. وفي هذا الامتداد الغني، تتداخل ظلال المجتمع، وضيق المساحة، وارتباك الوعي، حتى يغدو الصمت امتلاءً… لا فراغًا.
كيف يتكوّن “الفراغ العريض” عبر مستويات متداخلة:
١ـ البنية الاجتماعية وصناعة الفراغ:
«كانت تسمع منذ صغرها ما يدور حولها من أحاديث الزواج» (ص ٦)
«وكانت ترى أن كل ما يشغل النساء هو هذا الأمر» (ص ١١)
«أحاديث الحب وأقاصيص الزواج» (ص ٨٠)
يتشكّل الوعي منذ البداية داخل إطار اجتماعي ضيّق، يختزل المرأة في الزواج وحده. هذا التكرار الممتد من الطفولة إلى الشباب لا يترك مساحة لتكوين ذات مستقلة، بل يزرع فراغًا مبكرًا يتخفّى خلف العادة والتلقين.
٢ـ الأسرة وقمع الوعي:
«لم تكن أمها تحب لها هذا الاتجاه» (ص ٦)
«كانت تصدها عن القراءة وتضيق بكتبها» (ص ١١)
«كتبك الكثيرة هذه التي تضايقني» (ص ٨٠)
إذا كان المجتمع يضع الإطار، فإن الأسرة تُحكم إغلاقه. رفض المعرفة إقصاء للوعي. وهكذا يتعزز الفراغ بغياب المعنى وبمنع الوصول إليه.
٣ـ الوعي الفردي وبداية التصدّع:
«كانت تشعر أن في نفسها شيئًا لا يشبعه ما حولها» (ص ١٢)
في هذا الموضع الدقيق تعي “منى” نقصها. غير أن هذا الوعي لا يحررها، بل يضعها في صراع صامت: إدراك بلا قدرة على التغيير، وهو ما يجعل الفراغ شعورًا داخليًا لا مجرد ظرف خارجي.
٤ـ القهر والتجارب القاسية:
«يصفعها مرة ومرة…» (ص ٣٢)
«وهن مستسلمات لا يستطعن الدفاع» (ص ٣٣)
«علينا أن نتوقع رحيلها» / «توقفت أنفاس الفتاة» (ص ٧٠)
ينتقل النص من التكوين إلى النتائج: قهر جسدي ونفسي، ثم موت (كما في سارة) وهو ذروة هذا المسار. هذه النماذج امتداد طبيعي لبنية اجتماعية وأسَرية خانقة، فالفراغ مصير لا استثناء.
٥ـ وهم الامتلاء والانهيار النهائي:
«يظهر الود ويبدي الإعجاب» (ص ١٨١)
«رسائله تفيض بالمشاعر» (ص ١٨١)
«أذاقها أفظع أنواع العذاب» (ص ١٨٧)
«وقف بمحاذاة سعدية… لا يشعر بها أحد» (ص ٢٠٠)
«مادت الأرض تحت قدميها… الفراغ عريض، عريض» (ص ٢٠٠)
تحاول “منى” ملء الفراغ بالحب، لكن التجربة تكشف زيف الامتلاء: تناقض بين ظاهر العاطفة وحقيقتها. وعند لحظة الصدمة، يسقط الحب وينهار آخر احتمال للنجاة، ليتحوّل الفراغ إلى حالة وجودية شاملة.
ملاحظات:
١ـ اللغة الشعرية: تميل إلى الرهافة والإيحاء، حيث تُبنى الجملة على الإحساس.
٢ـ التحفّظ والتلميح: تتجنّب الكاتبة التصريح المباشر، خاصة في قضايا الحب والعلاقة الزوجية، وتعتمد على الإيحاء.
٣ـ الصمت الدلالي: لحظات السكوت والعجز عن التعبير تؤدي معنى عميقًا.
٣ـ النزعة التأملية: التركيز على الداخل النفسي مع ربطه بتتابّع الأحداث الخارجية.
٤ـ التكرار الفني: تكرار الحالات (انتظار، خيبة، فراغ) يعكس دائرة نفسية مغلقة.
٥ـ التدرّج الشعوري: تطوّر الإحساس من نقصٍ مبهم إلى انهيارٍ كامل دون تصاعد درامي تقليدي.
٦ـ الرمزية البصرية: الضوء والظلام واضطراب الرؤية تعكس الحالة النفسية.
٧ـ حضور الذات الأنثوية: تقديم المرأة كذات واعية تشعر وتفكّر، وتعترض “آمنة نموذجًا” في حقبة الخمسينات من القرن الماضي.
٨ ـ نهاية مفتوحة شعوريًا: الفراغ المتكون يمتد بتكرار «الفراغ عريض … عريض».
ختاما:
وعند آخر سطر من الفراغ العريض، تبقى أوجاع الكاتبة ممتدة فيَّ، وأزداد امتلاءً بالعجز والقهر والخذلان. صادقةٌ جدًا، رقيقةٌ جدًا، حتى أكاد ألمس تلك المسافة التائهة بين قرن… وقرن… وذلك الفراغ الجائر.
هذا النص، الذي كُتب في خمسينات القرن الماضي ولم يرَ النور إلا بعد رحيل صاحبته، يحمل روحًا من سيرتها، من ترحالها وتجربتها، ومن زمنٍ كان يتشكّل على إيقاع التحوّلات؛ في تفاصيل البيوت، وفي ظلال الحرب، وفي وجوه النساء الصامتات.
وأمام ملكة الدار محمد، أشعر بامتنان يفيض تبجيلًا وحبًا، بأحرفٍ من ود. بنت نصًا يمضي بهدوء، يبوح حين يجب، ويصمت حين يتعذر البوح، حتى يقترب بحذر من منطقة حساسة في النفس، ويمسّها برفق… دون أن يجرحها أو يفضحها.
“ومادت الأرض تحت قدميها فاستندت الى الجدار السميك . واحست بمزلة قاتلة . وبحاجة شديدة للبكاء – بل للصراخ . ودت لو تصرخ وتملأ الدنيا صراخاً . فلم تستطع . وأرادت أن تجري وراء العربة في الشارع لكن قدميها مسمرتان الى الأرض وهي مشدودة الى الجدار وبعد لأي وقد تقدم الليل استطاعت أن تتحرك . وأخذت تسير في اتجاه بيتها بخطى مضطربة. والدنيا مظلمة في وجهها. والمرئيات تدور أمام بصرها وتدور. ونفسها كسيرة وقلبها مجروح. والفراغ عريض ، عريض” ص٢٠٠
د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com
