بقلم: لوال كوال لوال
يبدو أن أبيي استيقظت صباحًا لتكتشف أنها أصبحت «محتلة» دون أن تعرف هي نفسها أنها تعرضت للاحتلال! فخلال زيارة وزير الدفاع السوداني حسن داؤود غبرون إلى جوبا، خرجت علينا بعض الصفحات السودانية بخبر عاجل ومثير: قوات دفاع شعب جنوب السودان دخلت أبيي وبسطت سيطرتها عليها. ولإثبات هذا «الاجتياح التاريخي»، أُرفق فيديو. وهنا تبدأ الكوميديا. شاهدنا الفيديو، ثم نظرنا إلى الطبيعة، ثم نظرنا مرة أخرى إلى الطبيعة، ثم سألنا أنفسنا: هل هذه أبيي فعلًا؟ يبدو أن أبيي في الفيديو قررت أن تغير طبيعتها الجغرافية فجأة، وأن تستبدل ملامحها المعروفة ببيئة لا علاقة لها بها. لكن لا مشكلة. يكفي أن تكتب فوق الفيديو كلمة «أبيي»، وتنتهي المسألة! في عصر الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والأقمار الصناعية، أصبح تحديد موقع الفيديو أسهل من تحديد صاحب المنشور الذي نشره. ومع ذلك، يبدو أن بعض «الخبراء» قرروا العودة إلى الطريقة القديمة: «أنا أقول إنه أبيي، إذن هو أبيي.» وهذه مدرسة صحفية جديدة ربما اسمها: مدرسة التصديق بالعنوان. المشكلة أن الفيديو لم يكتفِ بأن يكون «من أبيي»، بل أصبح فجأة دليلًا على أن قوات جنوب السودان «دخلت وسيطرت واجتاحت»! يعني من بضعة ثوانٍ من الفيديو أصبح لدينا تقرير عسكري كامل، وخريطة عمليات، وتحليل استراتيجي، وربما غدًا سيخبرنا أحدهم بعدد الجنود والذخيرة التي استخدموها! والأجمل من ذلك أن بعض الكُتّاب بدأوا يكتبون المقالات بناءً على الفيديو. أي أن الصحافة أصبحت تسير هكذا: فيديو مجهول + عنوان مثير = حقيقة. ثم: حقيقة + كاتب متحمس = تحليل سياسي. ثم: تحليل سياسي + صفحات فيسبوك = أزمة قبلية. وبعدها نسأل: من أشعل الفتنة؟ طبعًا لا أحد يعرف! ولأن القصة جاءت بالتزامن مع زيارة وزير الدفاع السوداني إلى جوبا، يبدو أن «الخبراء» اكتشفوا أيضًا أن التوقيت مناسب جدًا. فالزيارة دبلوماسية، لكن الفيديو قرر أن يكون عسكريًا. والوزير في جوبا، وأبيي في مكانها، والفيديو في مكان آخر، لكن الجميع اجتمعوا في فيسبوك! يا لها من دبلوماسية حديثة! والحقيقة أن المشكلة ليست في انتقاد وجود قوات جنوب سودانية في أبيي. فهذا موضوع يمكن مناقشته بالوثائق والتقارير والاتفاقيات، بل إن وجود قوات جنوب سودانية في أجزاء من المنطقة سبق أن كان محل انتقاد أممي. لكن أن تأخذ فيديو لا تعرف أين صُوّر، ثم تقول: «هذه أبيي، وهذه قوات جنوب السودان، وهذه سيطرة كاملة» فهنا يصبح الأمر أقرب إلى إنتاج فيلم سياسي منخفض التكلفة. والسؤال البسيط الذي يبدو أنه يسبب صداعًا لبعض ناشري الأخبار هو: أين صُوّر الفيديو؟ فإذا كانت الإجابة: «في أبيي». نسأل: أين الدليل؟ وإذا قالوا: «لأننا نعرف». نقول: وكيف عرفتم؟ وإذا قالوا: «كل الناس تنشره». فنقول: منذ متى أصبحت كثرة المشاركات دليلًا جغرافيًا؟ لو كان الأمر كذلك، لكان بإمكاننا غدًا تصوير شجرة في جوبا وكتابة «البيت الأبيض» فوقها، ثم انتظار وسائل الإعلام لتعلن أن الرئيس الأمريكي نقل مقر الرئاسة إلى جنوب السودان! المشكلة ليست أن بعض الصفحات تكذب فقط؛ المشكلة أن هناك من يريد أن يصدق الكذبة لأنها تخدم الرواية التي يريد سماعها. وهنا تكمن الخطورة. لأن أبيي ليست لعبة فيسبوك. أي خبر كاذب عن «اجتياح» أو «احتلال» يمكن أن يشعل مشاعر الناس، خصوصًا في منطقة عاشت أصلًا سنوات طويلة من النزاع. وقد يبدأ الأمر بفيديو لا علاقة له بأبيي، ثم يتحول إلى مقال، ثم إلى منشور غاضب، ثم إلى خطاب قبلي، ثم يقول الجميع: «نحن لا نعرف كيف بدأت المشكلة!» بل نعرف. بدأت من شخص كتب: «عاجل… قوات جنوب السودان تسيطر على أبيي» ثم وضع فيديو لا نعرف أين صُوّر. وبعدها جاء شخص آخر وقال: «مصادرنا تؤكد». ثم جاء ثالث وقال: «وهذا يؤكد ما قلناه منذ سنوات». وهكذا أصبح الفيديو الذي لا يعرف أحد مكانه «مصدرًا»، وأصبح المصدر «حقيقة»، وأصبحت الحقيقة «مقالًا»، وأصبح المقال «دليلًا»! يا سلام على الصحافة! لذلك أقترح على أصحاب هذه المدرسة الصحفية تطوير مهاراتهم قليلًا. في المرة القادمة، قبل أن ينشروا فيديو على أنه من أبيي، يمكنهم استخدام اختراع بسيط اسمه التحقق. وقبل كتابة المقال، يمكنهم تجربة اختراع آخر اسمه التفكير. وقبل إشعال الرأي العام، هناك اختراع قديم جدًا اسمه العقل. أما أبيي، فستظل أبيي، سواء كتبوا فوق الفيديو «أبيي» أم كتبوا «واشنطن». الجغرافيا، للأسف، لا تقرأ فيسبوك. والأرض لا تتغير لأن أحدهم وضع عليها عنوانًا مثيرًا. أما الحقيقة، فلها عادة مزعجة جدًا بالنسبة لصانعي الأخبار الكاذبة: أنها تظهر في النهاية.
lualdengchol72@gmail.com
