فَاطنَة أم زُميِّم وأحاجي من وسط السودان- 8
مَحَمَّد ود المَلَايكَة
تَروِيهَا مَيْ زُمراوِي
حرَّرها عَادِل سِيد أحمَد
كان مَحَمَّد وحيداً عند أمِّه وأبيه، توفِّي والدُه وهو لا يزال رضيعاً لم تفطمه أمُّه بعد، فقامت أمه برعايته وتربيته، وصارت له أباً بالإضافة إلى كونها أم. وتعلق مَحَمَّد بأمه تعلقاً شديداً منذ الصغر كما تعلقت هي به.
وكان مَحَمَّد شابَّاً ودوداً، وسيماً جداً… ذا ملامحٍ ملائكيَّة، وأخلاقه عالية ولهذا أحبه كل من عرفه وعاشره، وألتمَسُوا فيه طيب الأصل وحسن الخُلُق فأسموه (مَحَمَّد ود المَلَايكَة)، وكان هو من الحسن والجمال خلقاً وأخلاقاً بحيث يستحق هذا الاسم.
عندما كبر مَحَمَّد صار مسؤولاً عن أمه في معيشتها وراحتها، فكان باراً بها، يذهب من الصباح للعمل ويعود إليها آخر النهار بأغراض المعيشة والطعام فيأكلان، ويشربان الشاي ويتجاذبا أطراف الحديث إلى مغيبِ الشمس، فيستأذنها ويذهب ليلاقي أصدقائه وجيرانه من أنداده الشباب في ساحة بعيدة من العمران حيثُ يسكنون، فيلعبوا رياضاتهم المفضلة، ويتغنوا على أنغام الربابة، ويتبارزوا بالسيف إلى أطراف الليل.
وقد كان معلوماً له ولأقرانه إن في هذا الزمن، الفترة من المغرب للعشاء، يظهر (الجِنُ)، وتتجوَّل العفاريت في المناطق النائية البعيدة من العمران، ومن بين تلك الأمكنة ساحتهم التي يتخذونها ميداناً للرياضة للسمر والألعاب والغناء والمبارزة بالسيف.
وجاءت (جِنيَّة) اسمها (لُوُلِي) مارةً بالقرب من الساحة وما أن رأت مَحَمَّداً حتى أحبته، بل هامت به وعشقته حد الجنون، وصارت تجيء في كل يوم عند المغارب لكي تراه، ثم رويداً رويداً صارت تقترب منه وتحادثه.
مَحَمَّد رأى فيها جمالاً نادراً وجاذبية، وأحس بأنها امرأة مُكمَّلة، فارتاح لها، وصار ينتظر مجيئها ليتبادل معها الأحاديث الشجية ويساهر معها، فقد أحبها كما أحبته هي وأكثر.
في أحد الأيام قالت لُوُلِي لمَحَمَّد:
- أنا والله أحببتُك، وأنا عندي رغبة حقيقة أن أكون زوجتك وأنت تكون زوجي، وتذهب لتعيش معي عند أهلي.
فبادلها (مَحَمَّد ود المَلَايكَة) المصارحة، وقال لها: - أنا ما عندي مانع في هذا الموضوع، يعني أنا معجبٌ بك كما أنت معجبة بي، لكني لا أقدر أن أسافر معك أو أذهب لأي مكان لأني لا أستطيع أن أترك أمي وحدها، وأنا وحيدها، ولن تجد شخصاً مسؤولاً يراعيها من بعدي، فهذا الأمر صعبٌ للغاية. أما إذا استطعت أنت أن تقيمي معنا فلن تكون هناك أي مشكلة أو عقبة تعيق مشروع زواجنا.
فقالت له لُوُلِي: - هذا الحل صعبٌ، بل مستحيل لعدة أسباب.
فطلب منها (مَحَمَّد ود المَلَايكَة) أن توضح له هذه الأسباب، فقالت له: - أنا بنت مَلِك الجان، ومن البداية يصعب علَيَّ أن أقول إنني أريد الزواج من أنسي. لكن لو ذهبت معي إلى بلدنا في جزيرة (الوَاقْ الوَاقْ) فسأقنع والدي وأطلب منه أن يوافق على زواجنا خصوصاً عندما يعلم بأنني سأعيش معه في نفس المكان، لأنه سيطمئن، ولن يقلق أو يخاف عليَّ من أي شيء. وهذا فأنت ترى أنني لا أقدر أن أعيش معك هنا، ولكنك تقدر أن تذهب معي إلى هناك.
فلم يستجب مَحَمَّد لكلامها ولم يثنه توسلها عن التزامه برعاية أمه والقيام بواجباتها تجاهها على أكمل وجه، فكرر لها القول: - لقد أخبرتك، وقلت لك إنني لن أفارق أمي مهما كانت الأسباب، فليس لها غيري ليرعاها.
فقالت له: - خلاص، فكِّر في هذا الموضوع لمدة ثلاثة أيَّام، وبعدها قُل لي رأيَك النهائي.
ولكنها لم تتركه خلال مهلة الثلاثة أيام هذه، بل بذلت (لُوُلِي) مجهوداً جباراً في إغواءه، فكانت تأتيه وهي تلبس ملابساً فاخرة وتتحلى بالجواهرِ والذهب، ومعطرة بعطورٍ ساحرة، إلى أن انتهت مهلةُ الأيام الثلاثة، فسألته وقالت له: - أها يا مَحَمَّد! علام استقر رأيك؟ وما هو قرارك النهائي؟
فرد عليها مَحَمَّد وهو متمسك بأمه: - كما قلت لك قبلاً، أنا لن أترك أمي أبداً، وابتعادي عنها أمر مستحيل وغير قابل للحدوث، إطلاقاً.
بعد هذا الرد الشافي والكافي غضبت (لُوُلِي) غضباً شديداً جداً، ولم تقبل عناد (مَحَمَّد ود المَلَايكَة) لأنها اعتادت على ألا يرفض لها أحدٌ طلب، وكانت ترى حسب جمالها وكمالها إن أي شخص يجد هذه الفرصة، يجب أن ينتهزها ويحمد عليها ربنا. فكيف يرفضها مَحَمَّد؟ فقالت لمَحَمَّد: - ستترك أمك هذه شئت أم أبيت، بإرادتك أو بدونها.
ولم يفهم (مَحَمَّد ود المَلَايكَة) مغزى كلامها أو تهديدها هذا، فكرر لها القول بأنه لا يريد أن يفارق أمه أبداً وأن بقاءه معها مسألة حياة أو موت بالنسبة له، وأنا هذا هو آخر كلام عنده، وهو قراره الأخير.
واقتربت منه لُوُلِي وهي غاضبة جداً، وقبل أن ينتبه هو لما تريد غرزت شوكة في ظهره، فتحوَّل (مَحَمَّد ود المَلَايكَة) على الفور إلى حصانٍ أبيض، وكان ذلك الحصان جميلاً جداً يشبه الخُيُول العربيَّة الأصيلة.
وأحس مَحَمَّد بأن شكله قد تغير وأن هيئته قد تبدَّلت، وحاول أن يعود كما كان ففشل. وعندما أعيته الحيلة شعر بالعجز والقهر جرى باندفاع كبير مبتعداً عن (لُوُلِي) وصار يجري، ويجري، ويجري…
ووصل الحصان الأبيض مزرعةً كبيرة، حولها أرض زراعيَّة فسيحة وخضراء، فجرى بأقصى سرعة إلى أن وصل لإسطبل فيه خيل كثيرة، وكانت هناك، أمام الإسطبل، فتاة جميلة تفوق لُوُلِي حسناً وروعة، فأخذ مَحَمَّد من فرط جمالها فوقّف، رغم اندفاعه، دا فجأة… ثم رفع قائمتيه الأماميتين وصهل بصوتٍ نطفر منه السعادة، احتفالا بهذه الحسناء وتقرباً منها.
وجاءت البنت واقتربت من الحصان الأبيض وأرادت أن تداعب خصلته وتمسح وجهه وظهره، فحذرها السايس الذي رأى الحصان وعرف ما أرادت الفتاه فعله، وقال لها: - لا، لا تلمسيه، فهذا حصانٌ غريب لا ندري عنه شيئاً، ولا نعرف أمستأنس هو أم هو حصانٌ برِّي.
ولكنها لم تحفل بتحذيراته ونهيه لها عن لمس الحصان، بل اقتربت منه وصارت تداعب وجهه وتمسح ظهره، ثم قالت للسايس: - خلاص، خذ هذا الحصان وأعطه علفاً وماء إلى أن يظهر صاحبه، أو يجيء أناسٌ يسألون عنه، فيجدوه عندنا في أحسن حال.
قاد السايس الحصان إلى داخل الإسطبل مع بقية الحصين، وأحضر له من علف الخيل أجوده، فلم يأكل، وأتاه بالماء فلم يشرب، وقال السايس لنفسه: - إنه بلا شك غير جائع ولا عطشان، فلندعه إلى أن يجوع ويعطش فعندها بلا شك سيأكل ويشرب!
وانصرف السايس تاركاً (مَحَمَّد ود الملايكة) في الإسطبل مع بقية الخيول.
في ساعة السحر خلال الثلث الأخير من الليل رجع (مَحَمَّد ود المَلَايكَة) لهيئته الطبيعية، بشراً كما كان، فعرف إن مفعول السحر قد زال، ففرح وابتهج، وظن أن الأمر كله قد حل وانجلى، لكنه فوجئ في الصباح بأنه رجع لهيئةِ حصان مرةً أخرى، فعرف مَحَمَّد أن السحر الذي صنعته لُوُلِي يجعله حصاناً طول النهار وطرفاً من الليل وفي ساعة السحر يرجع لهيئته الطبيعية كبني آدم، فقرر أن يتعامل مع هذا الوضع العجيب إلى أن يجد حلاً يزيل منه سحر لُوُلِي بشكلٍ نهائي. وقرَّر، بينه وبين نفسه، أن يزور والدته ويسأل عنها في الفترة التي يكون فيها انسان، يسأل عنها وعن أحوالها وأخبارها ويطمئنها عليه إلى أن يرى نهاية لمشكلته هذه.
في اليوم الثاني، عندما دخل السايس إلى الإسطبل، وجد الطعام والماء على حالهما أمام (الحصان الأبيض)، فعرف أنه لم يأكل ولم يشرب. وذهب وطلب مقابلة الأميرة (وَرْدَة) وقال لها: - الحصان الأبيض لم يأكل ولم يشرب منذ الأمس، مع أني قد وضعت له العلف والماء.
فقالت له: - ماذا تضع له من طعام ليأكل؟
- العلف العادي الذي أقدمه لكل الحصين الأخرى الموجودة في الإسطبل.
ودخلت فالأميرة للإسطبل لتعرف ما يجري هناك، ولتكتشف السبب الذي منع الحصان الأبيض من أن يأكل.
بمجرد أن دخلت رفع الحصان الأبيض قائمتيه الأماميتين وصهل بفرح مرحباً بالأميرة (وَرْدَة) فقالت الأميرة للسايس: - خلاص، يبدو أن هذا الحصان حصان عربي أصيل لا يأكل أي طعام، فعليك أن تخصص له مكان لوحده، وتقدم له خليط من الشعير والزبيب، هذا يكون طعامه، وأعطه ماءًا مُسكَّراً ليكون شرابه. نفذ هذه الوصية وأخبرني بما سيحدث بعدها.
شرع السايس في تنفيذ أوامر، فقدم للحصان الأبيض خليطاً من الشعير والزبيب، وماءًا مخلوطاً بالسكر، فأكل الحصان خليط الشعير والزبيب على الفور ثم شرب الماء المحلى بالسكر.
وأخبر السايس (الأميرة وَرْدَة) وقال لها: - لقد أكل الحصان وشرب!
فقالت له: - ألم أقل لك؟ فأنا قد أحسستُ بأن هذا الحصان غير عادي، هناك شيء غريباً لا أعرفه، ولكن الحمد لله أنه أكل أخيراً وشرب.
واعتاد مَحَمَّد ود المَلَايكَة على وضعه الجديد، وتأكد أنه لن يكون في هيئة بشر إلا عند ساعة السحر، فقرر أن يزور والدته كل ليلة في تلك الساعة.
وفعلاً خرج في الليلة الثانية له في الإسطبل عند ساعة السحر (في الوقت الذي تخرج فيه الشحادة وبتها كما يقولون للشخص الذي ينهض باكراً)، وقابل في طريقه الشحادة وبتها بلحمهما وشحمهما، ومعهما ديكهما الذي يسمونه ديك الهَيْفَات (وهو الديك الذي يصيح في أي زمان لأنه لا يعرف الوقت).
وصل (مَحَمَّد ود الملايكة) عند والدته قبل الفجر، واستغربت هي من مجيئه في هذا الوقت طبعاً، ومن غيابه في اليومين الماضيين، ولكنه اعتذر وقال لها إنه وجد عملاً جيداً ولكن مواعيده مختلفة قليلاً عن المعتاد وإنه لم يتمكن من أن يصلها إلا في هذه الليلة، ووعدها بأنه سيأتي لها في كل يوم في نفس هذه المواعيد، لأنها الوحيدة المتاحة ليزورها ويطمئن على أحوالها وتطمئن هي ذاتها عليه، إلى أن يتم تعديل مواعيد العمل هذه، أو أن يجد هو عملاً آخر غير هذا العمل.
فطمأنته أمه عليها، وهَدَّأت من رَوعِه، ودعت له بالتوفيق في عمله الجديد، ولكنها طلبت منه ألا ينقطع عنها، وأن يحرص على زيارتها يومياً، فوعدها خيراً بعد أن قضى عندها بعض الوقت، ثم ودعها وانصرف وكل همه ألا يداهمه مفعول السحر فيرجع إلى هيئة الحصان الأبيض وهو معها.
في ذات ليلة وكان مَحَمَّد ود الملايكة قد عاد لتوه لهيئة البشر، وقبل أن يهم بمغادرة الإسطبل لزيارة أمه سمع وقع حوافر وصهيل خيل كثيرة، وصليل أسياف، وصيحات فرسان كانوا يهاجمون المدينة، يقصدون غزوها السيطرة عليها وقتل الملك والد الأميرة (وَرْدَة)… فأمتطى حصاناً من تلك الموجودة في الإسطبل وامتشق سيفاً، وهبَّ للدفاع مع فرسان البلد عن المدينة.
وأبلى (مَحَمَّد ود المَلَايكَة) بلاءً حسناً وقاتل بشجاعة فائقة مع جنود السلطان، لأنه كان فارساً منذ نشأته وهو معتاد على المبارزة بالسيف فقاتَل وقاتَل… وقـــاتَل مُبدياً بسالةً نادرة، ولكن الملك وجنوده وحتى الأميرة (وَرْدَة) لم يعرفوا من هو؟ ولا من أين أتى؟ مع أنه كان أحد الأسباب المباشرة في أن ينتصر جنود السلطان على الغزاة، ويقتلوا منهم مجموعةً كبيرة، ويسلبُوا أسلحتهم، ويهزموهم هزيمةً نكراء قبل أن يتمكن عددٌ قليلٌ منهم من الفرار هاربينَ من أرض المعركة.
وكان مَحَمَّد ود المَلَايكَة قد أصيب أثناء المعركة في رجله، ولما رأته الأميرة ساعدته وضمدت له الجرح وربطت عليه بمنديلها.
طبعا عندما أصبح الصبح تحول (مَحَمَّد ود المَلَايكَة) لهيئة الحصان
الأبيض، وظل منديل الأميرة مربوطاً في رجله. وعندما جاءت الأميرة لتتفقد (الحصان الأبيض) في الإسطبل رأت منديلها مربوطاً في رجله، فتذكرت أنها ربطت هذا المنديل في رجل فارس الأمس عندما ضمدت له جرحه بعد أن أصيب في المعركة الليلية.
فاقتربت من الحصان الأبيض وتأكدت إن المنديل هو منديلها، فاستغربت جداً وابتدأت تسأل السايس عن الأمر، فقالت له: - هذا المنديل منديلي ربطته بالأمس في رجل الفارس المجروح، فما الذي أتى به إلى رجل هذا الحصان الغريب؟
فقال لها السايس: - لا أعرف أي شيء عن هذا الأمر!
ولكن صهل (الحصان الأبيض) بنفس نبرة الفرح والترحيب بالأميرة (وَرْدَة)، فأحست وشكَّت الأميرة بأن هناك سر خفي وراء وجود منديلها في رجل الحصان، وتساءلت بينها وبين نفسها قائلة: - يا ربي، هل هو حصان الفارس الشجاع الذي قاتل ببسالة ليلة أمس؟
ودارت في رأسها في تساؤلاتٌ كثيرة، وأحست بأن الحصان الأبيض عندما صهل كأنما أراد أن يقل لها شيئاً أو أراد أن يوصل لها معلومة ويُفشي لها السر، ولكنه أحجم بسبب وجود السايس. فقررت أن تذهب الآن، على أن تعود إلى (الحصان الأبيض) راجعةً عندما يكون وحده، فتسأله على انفراد وتعرف منه ما القصة وراء المنديل في رجله ومن هو الفارس الجريح ومن أين أتى؟
في الصباح زارت الأميرة وَرْدَة الإسطبل، وانتهزت انشغال السايس برعاية الخيول الأخرى، فاقتربت من (الحصان الأبيض)، وبدأت تحادثه فقالت له: - هل أنت فعلاً حصان؟ أم وراءك سرٌ خفي، لأنني أحس بأن هناك شيء غير طبيعي يدور معك، فأنا الآن أجد منديلي مربوطاً في رجلك في حين أنني قد ربطته أثناء معركة الأمس في رجل الفارس الغريب الذي أثخن الأعداء فجرحوه، هل أنت هو ذلك الفارس الشجاع أم إن شكي هذا في غير مكانه؟
وطلبت الأميرة وَرْدَة من الحصان الأبيض أن يصدقها القول وأن يكون صريحاً معها.
فاستجاب (مَحَمَّد ود المَلَايكَة) لطلبها، وبادرها بالقول بأنه فعلاً هو ذلك الفارس، وحكى لها عن نفسه وعن السحر الذي تعرَّض له، وعن الإصابة في معركة الأمس، وقال لها: - أنا كنت إنساناً عاديَّاً، وهذا ما حدث لي، لكنني أعود في ساعة السحر لهيئتي العادية كبقية البشر، لأن السَحر ينفك عني في تلك الساعة.
وأخبرها بأنه لا يعرف حلاً لمشكلته هذه، وأنه أوكل أمره لله وسينتظر ما ستأتي به الأيام.
فتأثرت الأميرة من هذه القصة الحزينة، ولكنها حاولت تشجيعه والوقوف بجانبه، وقالت له: - خير، وربنا يسهلها إن شاء الله، فلا تشفق ولا تقلق ولا تحزن وأنا معك وسأحاول أن أساعدك إن كان بإمكاني ذلك، لو أخبرتني من الذي أصابك بهذا السحر؟
في الحقيقة مَحَمَّد خاف عليها، وخاف إن هو أخبرها شيئاً عن (لُوُلِي بنت ملك الجان) فمن المحتمل أن تضرها أو تصيبها هي الأخرى بالسحر، لأنها جنية وقادرة على الأذية والانتقام. فلم يخبرها عن قصة لُوُلِي معه وما كان منها، وقال لها شاكراً دعمها له وتعاطفها معه: - ربنا يسهل إن شاء الله.
وفي زيارته التالية لأمه طلب مَحَمَّد منها أن تدعو صديقه المقرّب (علي) لزيارته في القصر ساعة السحر، وقال لها: - دعيه يأتيني ليلة غدٍ في قصر السلطان فلان حيثُ أعمل، وسأستأذنك في عدم الحضور لك في الغد لأنني سأكون مشغول مع صديقي في متابعة أمرٍ هام للغاية، وشددي عليه أن يأتي في ساعة السحر لا قبلها ولا بعدها.
فأذنت له أمه بالغياب عنها ليلة الغد، وكانت تعرف علي صديق ولدها الذي يجب عليها دعوته، فقد كان يأتيها يومياً ليسأل عن مَحَمَّد ود الملايكة منذ أن حاق به السحر وألمت به الكارثة وتحول إلى حصان فاختفى عنهم وعن بيته.
وذهبت الأم لصديق ولدها وأخبرته بطلب مَحَمَّد ووصفت له المكان وحددت له الزمان مشددة عليه أن يزوره فقط في ساعة السحر.
فعلا ذهب علي إلى القصر حسب الوصية، والتقى بمَحَمَّد الذي وحكى له كل القصة وشرح له قد تبين أن لُوُلِي البنت الجميلة التي كانت تأتيه في الساحة هي بنت ملك الجان، وبسبب رفضه لأن يتزوجها ويذهب معها ليعيش في بلدها (الوَاق الوَاق) غضبت وأصابتني بسحر وحولتني إلى حصان، فأريد منك الآن أن تساعدني، فتذهب إليها في بلدها وتتفاهم معها على أي حل، وترى ما تطلب لفك سحرها عني، وأنا استعداد لتنفيذ جميع طلباتها ما عدا العيش معها بعيداً عن أمي. ولو أرادت أن أتزوجها أنا مستعد شرط أن تقيم معي عند أمي.
وطلب (مَحَمَّد ود المَلَايكَة) من صديق عمره (علي) أن يبذل كل ما في وسعه ليقنع لُوُلِي الجنية بإبطال السحر وإرجاعه لهيئته الطبيعية بشراً كما كان.
في نفس اليوم في المغارب (وهي المواعيد التي كان يتلاقى فيها مَحَمَّد وأصحابه) كان علي جالساً مع مجموعة من الأصحاب يمارسون هوايتهم في الرياضة والغناء والمبارزة بالسيف، إذا بِلُوُلِي تظهر أمامهم فجأةً، ومن فورها تقدَّمت نحو علي وسلمت عليه، ثم عرّفته بنفسها وقالت له: - أنا لُوُلِي، وقد جئت لأسأل عن مَحَمَّد.
وبدى لعلي إنها اشتاقت لحبيبها، وأحست بندم، وأرادت أن تكفر عن ذنبها. المهم جاءت تسأل عنه وتعرف أخباره وترى حاله وما جرى معه. ولما سألته عن مَحَمَّد وحاله وأين هو الآن قال لها: - أنت عارفة بما جرى لمَحَمَّد، فأنت التي حولتيه إلى حصان، وهو الآن في إسطبل قصر السلطان فلان الفلاني. ويمكنك إن أردت أن تحلي المشكلة أن تذهب له في ذلك القصر هناك في الإسطبل.
بعد أن عرفت لُوُلِي مكان مَحَمَّد قررت الذهاب لزيارته على الفور. وفي القصر بحثت عن الإسطبل فوجدته، ومن بعيد رأت مَحَمَّد وبجانبه الأميرة وَرْدَة تحادثه وتناجيه، فشعرت بأن هناك شيء بين الأميرة ومَحَمَّد، فلابد أنها معجبة به وهو معجب بها، فأكلتها نار الغيرة وأعمتها، ودون أن تتكلم وقبل أن تسالم أخرجت شوكة سحرية أخرى من جرابها وغزتها في رأس الأميرة، فانقلبت الأميرة لحمامة ثم طارت وحلقت في السماء.
وانصرفت لُوُلِي على الفور وغادرت القصر تاركة خلفها مَحَمَّد تملؤه مشاعر الحنق والغضب الشديدين.
وبدأ مَحَمَّد يبكي مقهوراً من عجزه وقلة حيلته، لا يعرف ماذا يفعل وكيف يتصرف، فلم يكن لديه إلا دموعه التي انهمرت ثخينة. وشعر في تلك اللحظات أنه يفتقد الأميرة وَرْدَة، فقد كانت تزوره بانتظام وتحادثه فتخفف عليه كثيراً في وضعه الغريب والاستثنائي الذي هو فيه، وأحس بأنه قد أحبَّها حبَّاً كبيراً.
ساعة السحر، في اللحظات التي ينفك فيها السحر من مَحَمَّد، جاءه صديقه ليعرف ماذا جرى بين مَحَمَّد ولُوُلِي، وإلامَ توصلا. فقال له مَحَمَّد ود المَلَايكَة: - مشكلتي لم تُحل بعد، بل زادت عليها ورطة كبيرة أخرى بأن سحرت لُوُلِي الأميرة وغرزت شوكةً في رأسِها فحولتها إلى حمامة.
وطلب منه أن يذهب لمقابلة (أبي لُوُلِي) في الوَاق الوَاق، ليحاول أن يحل هذه المشكلة، وأن يساعدهما هو والأميرة وَرْدَة. وقال له: - ليس لديَّ أحدٌ سواك، فأمي عجوزٌ كما تعلم، ولن تقدر بحكم سنها أن تفعل شيئاً، ولكن أنت في مقدورك أن تتحرك على الأقل وترى ما يمكن عمله.
وأعد علي العُدَّة بغرض الذهاب إلى جزائر الوَاق الوَاق، فكان يسأل عنها كل من يلتقيه في الطريق، فسار وسار وهو يسأل عن كيفية الوُصُول إليها وما هو أفضل طريق يؤدي إليها.
وفي منتصف طريقه التقى بحكيمٍ عجوز، فسأله عن الطريق إلى جزائر الوَاق الوَاق، فاستغرب العجوز وسأله عن غرضه من الذهاب إلى هناك، فكل سكان الجزيرة من الجن، ولا يذهب إليها أنسيٌ أبداً، وإن ذهب أحدهم إلى هناك فسيعرض نفسه للأخطار الماحقة، وربما لا يعود سالماً أو قد لا يعود من الأساس.
فحكى له علي عن لُوُلِي وسحرها وعن صديقه مَحَمَّد الذي تحول إلى حصان والأميرة وَرْدَة التي تحولت إلى حمامة. وقال له: - أريد الذهاب إلى هناك لأقابل ملك الجان (والد لُوُلِي) وأحاول أن أحل معه الأمر وأفك السحر عن صديقي وعن الأميرة الجميلة (وَرْدَة).
فقال له الحكيم: - أنت لست مضطراً للذهاب إلى هناك، لأن ملك الجان يجيء دائماً إلى هذا الجبل.
وأشار بسبابته ناحية جبل قريب، وقال له: - أترى ذاك الجبل هناك؟ أنت تحتاج لمدة عشرةِ أيامٍ لتتسلَّقه وتصل إلى قمته، ومَلِك الجان يجيء إلى هناك دائماً ويتشكَّل في هيئة صقر، ولتعرفه فهو أكبر صقر في المجموعة التي حوله، وعيناه مختلفتان، فواحدةٌ لونها أزرق كزُرقةِ ماء النيل، والثانية لونها أخضر كخُضرةِ لون الزرع. وعليك ما أن تراه أن تقبض عليه بعد أن تقدم لهم الطعام والحبوب ويطمئنوا لك، تقبض عليه وتمسكه من أرجله ولا تجعله ينفك من قبضتك أصلا مهما صاح أو بتبت، أو قال ليك سيعطيك ما تريد، واجعل قبضتك هذه محكمة فلا تفلته إلى أن يلبي لك طلبك وينفذ ما تريد.
وذهب علي للجبل، وعندما وصله ابتدأ يتسلقه، وقضى حوالي عشرة أيامٍ ليصل قمة الجبل. هناك فعلاً وجد الصقور التي حدثه عنها الحكيم، كمية كبيرة من الصقور، وكان يحمل لهم طعاماً فأخذ ينثره لهم، ونثر الطعام ونثر حتى آنست إليه الصقور واطمأنت له، فاقترب منها رويداً رويداً حتى رأى كبيرها ذا العينين الملونتين، فعرف أنه كبير الجان حسب الوصف الذي قاله له العجوز، فتقدم نحوه، خطوة… خطوتين، ثم هجم عليه وأمسك به من أرجله بقبضة محكمة حسب نصيحة الحكيم، وطارت بقية الصقور كلها.
وبتبت الصقر وأخذ يصيح ويتلفت محاولاً الفكاك، ولكن منعته قبضة علي القوية من الحركة.
وقال الصقر لعلي: - أرجوك فكني، وسأعطيك ما تريد!
- لا ما بفكك!
- طيب، ماذا تريد؟ فأنا على استعداد أن أعطيك ما لا يخطر على بال. وسأهبك بقراً…
ثم أخذ يصيح: - لُوُلِي يا لُوُلِي أنزلي البقر!
فجاءت قطعان البقر تتهادى، ولكن علي لم يحفل بها، ولم يفك أسر كبير الصقور، فصاح ملك الجان: - لُوُلِي يا لُوُلِي أنزلي الجمال يا لُوُلِي!
فنزلت قوافل الجمال ولكن علي أهملها ولم يفك أرجل الصقر، فصاح كبير الصقور مرةً أخرى: - لُوُلِي يا لُوُلِي أنزلي الذهب يا لُوُلِي!
وتساقطت القطعُ الذهبية حول علي ولكن لم يتغير شيء، فصاح مَلِك الجان في ابنته مرةً أخرى وقال لها: - لُوُلِي يا لُوُلِي أنزلي الجواهر واللآلئ يا لُوُلِي!
فانهمرت المجوهرات واللآلئ وملأت المكان، ولم يحفل بها علي ولم يطلق سراح الصقر. فيئس الصقر من محاولة إغراء علي بالثروة والمال فصاح: - لُوُلِي يا لُوُلِي انزلي أنتِ بنفسك يا لُوُلِي!
فجاءت لُوُلِي نازلة بنفسها، بكامل حليها وملابس الأنيقة وعطرها الفوَّاح، فانبهر بها (علي) ووقف مشدوها أمام هذا الجمال وهذه الطلة البهية، وانصرف انتباهه للحظات عن الصقر، فارتخت قبضته ودون أن يشعر أو يقصد أفلت منه الصقر وطار، وطارت لُوُلِي خلف أبيها، وتركاه وحيداً فوق قمة الجبل.
رجع علي للرجل الحكيم وحكى له ما حدث، وقال له: - لقد ذهبت فعلاً وأمسكت كبير الصقور ثم حدث كذا وكذا… لكن للأسف من صدمتي وانبهاري بابنته لُوُلِي وجمالها ولبسها وزينتها أنا أفلت ذلك الصقر، فطار وطارت ابنته معه.
استمع الحكيم لكلام علي بكل انتباه، ووعده بأنه سيساعده مرةً أخرى، فبدى لعلي إن الحكيم العجوز هو ذاته من الجان.
وقال له الحكيم: - ستحتاج لزمن أضافي لنعرف متى يأتي ملك الجان ويتشكل في هيئة أخرى، فعليك أن تغيب ليومين أو ثلاثةـ تعود لي بعدها لأخبرك في أي هيئة قد تشكل وكيف يمكنك الإمساك به، فوافقه عليٌّ وغادر على أن يعود مرةً ثانية بعد بضعة أيام.
ورجع علي إلى القصر في ساعة السحر فقابل مَحَمَّد وكلمه، وحكى له بالتفصيل عن الحكيم ونصيحته وعن كبير الصقور وهيئته وعن الأبقار والجمال والذهب والمجوهرات، وعن انبهاره بلُوُلِي وإفلاته الصقر. وتأسف له وقال لمَحَمَّد بأنه لم يقصد هذا التقصير الكبير، وحدَّثه عن موعده القادم مع العجوز الحكيم.
وردت عليه مَحَمَّد قائلاً له: - نحن لا نلومك ولا نقل لك قصَّرت في حقنا، لكن انتبه في القادمة، فأنا لا يهمني أمر بقدر ما تهمني الأميرة وَرْدَة، وأريد لها أن ترجع كما كانت لأنني تسببت لها في هذه المشكلة الكبيرة، فأنا الآن أشعر بالذنب تجاهها، وكل ما أريده منك أن تنتبه في المرة القادمة، وتجبر ملك الجان وابنته على فك السحر عنَّا.
بعد يومين تقريباً رجع علي للعجوز الحكيم، فقال له الحكيم: - خلاص ملك الجان تشكل في هيئة حيَّة (ثعبان) شديدة السُميَّة، ويجب عليك أن تذهب لنفس الجبل، تجد هناك في أسفله كهفاً عميق، تجلس داخل الكهف، وتنتظر الحيَّة لتقبضها.
ثم أعطاه (لبان بخور) لأن الجان يحب هذا اللبان، ونصحه أن يوقد ناراً يضع عليها هذا البخور، وقال له: - ستأتي إليك الحية في الكهف بمجرد أن تشم رائحة هذا البخور.
ثم أعطاه قبضة من الأعشاب المخدرة، وقال له: - هذه الأعشاب كفيلة بتخدير (ملك الجان) وأثرها كبيرٌ عليه، فضعها في مدخل الكهف، وما أن تستنشقها الحية حتى تصاب بالدوار وتفقد قدرتها على الحركة، فتقبض عليها وتضعها في جوال، وتذهب بها إلى مَحَمَّد ود المَلَايكَة في القصر، حيث تحكموا قبضتكم عليها فلا تستطيع فكاكاً منكم، فتأمروا (ملك الجان) بما تريدون. وسينصاع لكم وينفذ طلباتكم كاملةً لا ينقص منها شيء.
استلم علي البخور والأعشاب من الحكيم، وانطلق نحو الجبل حيثُ بحث هناك عن الكهف الموصوف حتى وجده، فدخل فيه، ثم أوقد ناراً وضع على جمرها (لبان البخور).
ما أن شمت الحية رائحة اللبان حتى جاءت داخلة في الكهف، وفي تلك اللحظة غطاها مَحَمَّد بكمية كبيرة من الأعشاب المخدرة قبل أن تصل إليه، وشمتها واستنشقتها فتلوَّت وهمدت لأنها صارت مخدرة الآن وفقدت القدرة على الحركة. وبسرعة شديدة أدخلها (علي) في الجوال. ثم تحرك، والجوال في كتفه، نحو القصر لمقابلة مَحَمَّد حيث حكى له هناك عن قصة الحيَّة وأنها الهيئة الجديدة لملك الجان، وقال له: - ها أنا قبضت عليه وأحضرته، فلنبحث عن طريقة نقنعه بها بأن يفك هو وبنته السحر عنك وعن الأميرة وَرْدَة.
وسأله: - أها! هل هناك أخبار عن الأميرة؟ وهل تأتي إلى هنا؟
- تأتي في كل يوم، في شكل حمامة وتقف في هذا الشباك لبعض الوقت ثم تطير وتعود من حيثُ أتت.
مَحَمَّد قال لعلي إن لُوُلِي كانت قد أخبرته إن والدها لن يوافق على أن يتزوجها إنسي، من خارج قبيلة الجن، وإن هذه النقطة هي المدخل الصحيح لإقناع ملك الجان بأن السبب الأساسي الذي دفع لُوُلِي لعمل هذا السحر هو هي رغبتها في الزواج من مَحَمَّد. ومن المؤكد إن أبوها لن يوافق أو يقبل بتلك الرغبة، فلندخل عليه من هذا الباب، ونقنعه بأن يفك منا هذا السحر، أو يأمر بنته لُوُلِي بأن تفك سحرها عني وعن الأميرة، وسيوافق على الفور، خصوصاً بعد أن يضمن إنني لن اتزوج ابنته.
وأحضر مَحَمَّد قفصاً كبيراً ومتين وضع فيه الحية، وربطها بكمية من الجنازير والحبال، ليثبتها ويمنعها من الحركة فلا تستطيع أن تؤذيهم.
بمجرد أن فاقت الحية من تأثير مخدر الأعشاب بدأت تتكلم معهم وتسألهم لماذا قبضوها وماذا يريدون، وتطلب منهم أن يفكوها.
فرد علي على (ملك الجان) وقال له: - يا أخي، بنتك لُوُلِي سحرت مَحَمَّد وحولته للحصان الذي تراه أمامك، فهو بني آدم اسمه مَحَمَّد ود الملايكة وحولت أميرة هذا القصر واسمها وردة أيضاً لحمامة، وكل السبب في ذلك أنها تريد أن تتزوج مَحَمَّد، ومَحَمَّد رفض أن يتزوجها ويسافر معها لجزيرتكم (الوَاق الوَاق) لأنه لا يريد أن يفارق أمه المسنة. ونحن لا نريد منك شيئاً كثيراً أو صعباً فقط دع لُوُلِي تفك سحرها عن مَحَمَّد وعن الأميرة وردة، وأنت تذهب حراً طليقاً.
ملك الجان الرافض أصلا أن تتزوج لُوُلِي من إنسان، فهو لا يقبل هذه المسألة ولا يريدها، لم يُصدق إن هؤلاء الناس يفاوضونه لمنع زواج بنته، ويطلبون إعادة محمد ووردة لهيئتهم الطبيعية بشراً كما كانوا، فأخذ يصيح بأعلى حِسِّه: - لُوُلِي يا لُوُلِي تعالي لأبوك يا لُوُلِي،
لُوُلِي يا لُوُلِي أبوك في محنة يا لُوُلِي
لُوُلِي يا لُوُلِي ساعدي أبوك يا لُوُلِي!
وجاءت لُوُلِي، وبمجرد وصولها أعطاها أبوها الأوامر قائلاً لها: - فكي السحر عن مَحَمَّد، وفكي السحر عن الأميرة.
فانصاعت له فوراً لأنه أبيها ولأنه هو ملك الجان، فتحسست ظهر مَحَمَّد وأخرجت منه الشوكة، ثم مررت يدها على رأس الحمامة وأخرجت منه الشوكة السحرية، وفي الحال زال مفعول السحر، ورجع مَحَمَّد ود الملايكة لهيئته، ورجعت الأميرة وردة كما كانت.
شكروا ملك الجان، وغادر هو وبنته، على وعدٍ منهما بألا يتكرر هذا الأمر مرةً أخرى، إلى جزائر (الوَاق الوَاق).
وشكر مَحَمَّد ود الملايكة الأميرة وردة على وقفتها معه، وعلى تقديرها للموقف الذي هو فيه، وعلى إنها كانت مهتمة بأكله وشربه، وحريصة على صحته وسلامته، فلم تدعه يأكل أو يشرب من الطعام والشراب العادي لبقية خيول الإسطبل. ثم حكى لها علي عن العجوز الحكيم، فذهبوا جميعهم إليه وشكروه.
فقال الحكيم لمَحَمَّد: - والدتك هي السبب الرئيسي في نجاتكم من هذه المحنة، فقد استجاب الله للدعوات المبرُوكات التي كانت تدعيها لك، لأنها كانت عافية منك وراضية عنك، وكنت أنت نِعم الولد البار بأمِّه.
انتهت الحكاية.
amsidahmed@outlook.com
