بقلم: د. أمجد إبراهيم سلمان
في صيف عام 2008، دعاني الصديق طارق الباشا إلى وجبة عشاء سودانية في مدينة هارلم الهولندية، تلك المدينة الوادعة التي تقع على مسافة نحو 30 كيلومتراً إلى الغرب من العاصمة أمستردام، وعلى بُعد قرابة أربعين كيلومتراً من مدينة لايدن التي كنت أقيم فيها آنذاك.
وكان طارق قد دعا إلى تلك الأمسية عدداً من أطباء الأسرة الهولنديين ، ورغب في الوقت نفسه في حضور بعض الأطباء السودانيين، حتى يكون الطعام السوداني مدخلاً للتعارف ، وتبادل الحديث بين زملاء المهنة، في لقاء اجتماعي بسيط لم يكن أحد منا يدري أن أثره سيمتد ، بالنسبة لي على الأقل، إلى سنوات طويلة قادمة.
على ما أذكر، كانت الدعوة في أحد أيام الأسبوع ، ومثل هذه الدعوات لم تكن سهلة بعد يوم طبي طويل يبدأ في الثامنة صباحاً ولا ينتهي إلا عند الخامسة مساءً. كنت حينها أعمل طبيباً عاماً في مستشفى للطب النفسي للأطفال والمراهقين بمدينة لاهاي ، وأقوم بدورين متوازيين؛ أشارك في الرعاية الطبية لقسم المراهقين المصابين بالذهان ومن بينهم مرضى الفصام و الشخصية الحديّة ، وأقضي جزءاً آخر من يومي في علاج المرضى بمختلف الأقسام من الأمراض الجسدية الشائعة، كالتهابات الجهاز التنفسي وغيرها.
لذلك، لم تكن فكرة أن أقطع بعد نهاية يوم العمل كل تلك المسافة إلى هارلم مغرية على الإطلاق. لكن الصديق طارق أصرّ. وكان لإصراره سبب وجيه؛ فقد أراد أن يعرّف زملاءه الهولنديين على الطعام السوداني، وأن يجلسوا في الوقت نفسه مع أطباء سودانيين ، بعيداً عن غرف الكشف وضغط المواعيد ، ليتحدث الجميع حديثاً إنسانياً ومهنياً أكثر رحابة. وهكذا شددت الرحال إلى هارلم على شيء من التثاقُل ، دون أن أدري أنني في حقيقة الأمر كنت أسير نحو واحد من تلك المنعطفات الصغيرة التي تبدو عابرة في لحظتها، ثم نكتشف بعد سنوات أنها غيّرت مسار حياتنا.
مضت الأمسية بسلاسة عجيبة، وتبدد التعب سريعاً أمام دفء اللقاء والطعام والحديث. وهناك تعرفت إلى الدكتور فاوتر فان كامبن، طبيب الأسرة الذي كان صديقي طارق الباشا واحداً من مرضاه الدائمين. كما تعرفت في تلك الليلة إلى طبيب أسرة هولندي مخضرم آخر ، غاب اسمه عن ذاكرتي مع مرور السنوات ، لكن أثره لم يغب؛ فقد كان له لاحقاً دور بالغ في مساعدتي على الاستعداد لمقابلة القبول في برنامج تخصص طب الأسرة بجامعة لايدن في سبتمبر من العام نفسه.
وكان للدكتور فان كامبن جانب آخر لفت انتباهي. فقد كان مولعاً بكتابة انطباعاته ومشاهداته الإنسانية من واقع ممارسته للطب ، وأصدر كتاباً يضم قصصاً قصيرة ومواقف من حياته المهنية ، وأهداني نسخة منه.
قرأت الكتاب، وأعجبتني فيه مقالات كثيرة، لكن حكاية واحدة ظلت عالقة في ذاكرتي حتى اليوم. الحكاية كانت عن مريضة مسنّة أطلق عليها اسماً مستعاراً حفاظا للخصوصية و هو السيدة رينسكه.
ذات يوم حضرت إليه السيدة رينسكه بطلب لم يكن من النوع الذي يتوقعه الطبيب داخل عيادته. لم تطلب دواءً جديداً، ولا تحليلاً، ولا إحالة إلى اختصاصي. طلبت منه ببساطة أن يأخذها في جولة بسيارته خلال عطلة نهاية الأسبوع. وبحكم العلاقة الطويلة التي جمعته بمريضته لأكثر من عشرين سنة ، وافق الدكتور فان كامبن. وفي الموعد المحدد في عطلة نهاية الأسبوع ركبت السيدة العجوز إلى جواره في السيارة، ثم قالت له:
«خذني إلى نهاية العالم.»
تعجب الطبيب من الطلب، لكنه لم يدخل معها في جدل طويل حول المقصود بنهاية العالم، بل انطلق بسيارته صوب العاصمة أمستردام. تجوّلا بسيارته طويلاً بين أزقة المدينة القديمة وقنواتها المائية، حتى انتهى بهما الطريق، بمحض المصادفة، إلى حانة عتيقة تطل على إحدى القنوات، تحمل لافتة باسم غريب: «بار نهاية العالم».
نظر الطبيب إلى مرافقته، وقال لها ضاحكاً:
«ها قد وصلنا يا سيدة رينسكه… إلى نهاية العالم!» أمضيا هناك وقتاً جميلاً، ثم أعادها إلى منزلها وقد غمرتها أحاسيس السعادة والامتنان. لم يكن في الأمر علاج بالمعنى الطبي التقليدي ، ولم تُكتب وصفة، ولم يُطلب فحص دم أو أشعة. لكنها كانت، بطريقة ما، وصفة إنسانية من نوع آخر؛ شيء صغير في حساب الطبيب ، لكنه ربما كان كبيراً جداً في حساب تلك السيدة المسنّة.
ومرت السنوات، وانتقلت الحياة بي من مكان إلى آخر ، حتى سمعت قصة أخرى تشبهها بصورة عجيبة ، ولكن هذه المرة من الجانب الآخر من العالم. من كالجاري الكندية، مدينة البترول الممتدة عند سفوح جبال الروكي في غرب كندا.
هناك كانت تعمل الدكتورة أسماء سعيد ، وهي طبيبة كندية شديدة الاعتزاز بجذورها الهندية الراسخة. وأسماء ابنة طبيب معروف محمد بءل الله سعيد (د. أسكر) ، في مدينة فيللور بالالتزام المجتمعي الصارم حيث كان يحظى باحترام و تقدير مرضاه من كل الطوائف و الطبقات و الأديان المتعددة في تلك البلاد العريقة، وكانت د. أسماء قد هاجرت إلى كندا في نهاية التسعينات قبل سنوات قادمة من قطر و عادت إلى الدوحة في. 2013 للعمل في نفس مؤسسة الرعاية الصحية الأولية كإستشارية لطب الأسرة بعد أن اكتسبت تدريبا متقدما و ممارسة طبية متميزة في كندا ، وأكملت هناك برنامج تخصص طب الأسرة ، ثم أسست لنفسها مركز طبي خاص بها في كالجاري، قبل أن تؤثر العودة إلى قطر للانضمام إلى زوجها الباشمهندس سلمان، الذي تربطه بقطر وشائج قديمة وإلفة قوية فقد حضر مع والده كطفل رضيع عمره 6 أشهر في العام 1958.
.
وقد جمعتني بالدكتورة أسماء لاحقاً تجربة العمل في مجال العلاج عن بُعد منذ مارس 2020 ، وهناك روت لي حكاية أعادت إلى ذاكرتي، بعد سنوات طويلة، قصة الدكتور فان كامبن والسيدة رينسكه.
كان للدكتورة أسماء مريض سأطلق عليه اسم مارتن. كان مارتن مصاباً بالسرطان في مرحلة متقدمة، وكانت تربطه بطبيبته علاقة علاجية طويلة. وفي إحدى زياراته طلب منها طلباً غير مألوف؛ أن تخرج معه في نزهة، وأن تدعوه إلى فنجان من القهوة أو الشاي.
ربما كان من السهل أن يختبئ الطبيب خلف حدود العلاقة المهنية وضيق الوقت وكثرة الالتزامات، لكن أسماء وافقت دون تردد. وفي عطلة نهاية الأسبوع كان مارتن على أتم الاستعداد.
ارتدى بدلة أنيقة، وصفف ما تبقى من شعره بعناية إلى الجانب الأيمن ، وكأن الأمر لم يكن مجرد خروج إلى مقهى، بل موعداً مهماً مع الحياة نفسها. ذهبا معاً إلى مقهى تيم هورتنز الشهير ، واحتسيا قهوة كابتشينو لذيذة، وتحدثا بعيداً عن أجواء العيادة ورائحة المستشفيات ومواعيد العلاج. ثم عادا واصطحبا زوجة مارتن إلى منزل الدكتورة أسماء، حيث أمضت الأسرتان أمسية اجتماعية جميلة.
وبعد نحو شهرين، توفي مارتن.
لكن أسماء بقيت سعيدة بأنها ، قبل رحيله، استطاعت أن تلبي لمريضها رغبة بسيطة كانت تعني له الكثير.
وكلما تأملت القصتين، أجد أن المسافة بين هارلم وكالجاري، على اتساعها، تختفي تماماً أمام تشابه التجربة الإنسانية.
في هارلم، مريضة مسنة تطلب من طبيبها أن يأخذها إلى «نهاية العالم»، فيأخذ طلبها على محمل المحبة، ويمنحها يوماً يظل ذكرى جميلة.
وفي كالجاري، مريض يعرف أن ما تبقى له من العمر قليل، فلا يطلب من طبيبته علاجاً جديداً ، بل يطلب فنجان قهوة وشيئاً من الصحبة الإنسانية.
وهنا ربما تكمن إحدى الخصائص الجميلة لطب الأسرة.
فطبيب الأسرة لا يتعامل دائماً مع «حالة» أو «تشخيص»، بل مع إنسان يعرفه عبر الزمن ؛ يعرف أسرته ، ومخاوفه، وتقلبات صحته، وربما يشهد شبابه وشيخوخته، أفراحه وأحزانه، مرضه وتعافيه، وأحياناً أيامه الأخيرة. ومع طول هذه العلاقة قد يصبح السؤال: «كيف حالك؟» أكبر بكثير من سؤال طبي عابر. وقد يصبح فنجان قهوة جزءاً من الرعاية.
وقد تصبح جولة بالسيارة، في لحظة معينة من العمر، أهم عند المريض من وصفة دواء أخرى.
لكن حكايتي مع تلك الأمسية في هارلم لم تنتهِ عند قصة السيدة رينسكه. فالطبيب المخضرم الآخر الذي التقيته في منزل طارق الباشا أسدى إليّ معروفاً كبيراً. فقد درّبني لاحقاً على طريقة اجتياز مقابلة مجلس جامعة لايدن لبرنامج تخصص طب الأسرة ، وهي المقابلة التي عُقدت لي في سبتمبر 2008، وكان لذلك التدريب و تلك النصائح أثر واضح في استعدادي لها، ثم قُبلت في البرنامج لاحقا.
وهنا تكمن مفارقة ظلت تراودني كلما تذكرت تلك الليلة. فقد ذهبت يومها إلى هارلم وأنا أعتقد أنني أقدم خدمة بسيطة لصديقي طارق الباشا ؛ ألبّي دعوته، وأسانده في تعريف زملائه الهولنديين على شيء من ثقافتنا السودانية، وأشاركهم طعامنا وحديثنا.
كنت أظن أنني أنا الذي أجبر خاطر صديقي بالحضور. لكنني لم أكن أعرف أن ذلك الطريق الذي قطعته على مضض بعد يوم عمل طويل، كان يفتح أمامي باباً آخر تماماً.
من عشاء سوداني بسيط، إلى لقاء عابر مع طبيب، إلى تدريب على مقابلة، إلى قبول في برنامج طب الأسرة، ثم إلى مسار مهني أصبح جزءاً أساسياً من حياتي حتى اليوم.
ولعل الرزق لا يأتي دائماً في الصورة التي ننتظرها.
فقد يأتيك في إنسان قابلته مصادفة، أو دعوة كنت على وشك الاعتذار عنها، أو معروف صغير صنعته وأنت لا تنتظر مقابله شيئاً.
وقد يكون الرزق مالاً، لكنه قد يكون أيضاً علماً، أو فرصة، أو صديقاً، أو باباً مهنياً، أو كلمة يقولها لك إنسان في اللحظة المناسبة فتغير وجهة حياتك.
وبعد كل هذه السنوات، ما زلت ممتناً للصديق طارق الباشا على إصراره في تلك الليلة من صيف 2008، وممتناً لذلك الطبيب الذي ساعدني، وللدكتور فان كامبن الذي ترك في ذاكرتي قصة السيدة رينسكه، وللدكتورة أسماء التي أعادت إلى ذهني المعنى نفسه من كالجاري بعد سنوات طويلة بين القصتين.
فمن هارلم إلى كالجاري، ومن «نهاية العالم» إلى فنجان كابتشينو، تبدو الحكايات مختلفة، لكن جوهرها واحد:
أن الإنسان قد لا يتذكر دائماً ما فعلناه له، لكنه يتذكر جيداً كيف جعلناه يشعر. وأن جبر الخواطر، مهما بدا صغيراً، لا يضيع في هذه الحياة.
فقد يعود إليك محبةً، أو دعوةً تختصر كثيراً من فلسفة الحياة:
فجبر الخواطر يوسّع حقاً الرزق.
بقلم د. أمجد إبراهيم سلمان
الدوحة الثلاثاء 18 أغسطس 2026
amjadnl@yahoo.com
